مع ختام معرضها "نبض الطبيعة في حضرة الإبداع"
2026.08.20
الفنانة زينب علي حبش: البيئة شريكةٌ في إبداعنا
أمينة عباس - فينكس
في زمن صارت فيه المخلفات عبئاً على البيئة، وخطراً يهدد جمال الأرض، كانت الفنانة زينب علي حبش تنظر إليها بعين مختلفة؛ عين فنان يرى في المخلفات كنزاً، وفي الزجاج المكسور مرآة للحلم، وفي بقايا القماش لوحة ناطقة بالحياة.
لتؤكد في معرضها الذي احتضنه المركز الثقافي في ابو رمانة بدمشق لعدة أيام و يختتم مساء اليوم أننا أمام تجربة استثنائية بعنوانه المستوحى من روح الاستدامة والإبداع حيث تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ومحيطه وتبني جسراً بين الفن والبيئة، وبين الروح والمادة، مثبتة أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى أدوات باهظة، بل إلى قلب يرى الجمال في كل مكان، وعين لا تغفل عن أصغر الأشياء، مبينة من خلال معرضها أن الحياة تولد من رحم التحدي، وأن الجمال ينتظر من يكتشفه، حتى لو كان بين أكوام ما نرميه، حين استطاعت بين عجينة السيراميك وبقايا الأقمشة، وبين اللمبات التالفة والزجاجات الفارغة، أن تنسج حكايات بصرية تنبض بالجمال، وتتحدث بلغة الألوان عن الفرح، والحنين، والصراع، والصبر.
رحلة في أعماق الإبداع المستدام
في حوارنا معها روت لنا بشفافية قصة معرضها، وكيف حولت الأشياء المهملة إلى قطع فنية متميزة، معرجة على علاقتها الحميمية بلوحتها وفلسفتها مع الألوان التي تعكس تضاريس الروح الإنسانية. كما شاركتنا رؤيتها حول الصبر والإيمان كخيار في وجه معارك الحياة، مؤكدة أن الإبداع الحقيقي يبدأ حين نحسن النظر إلى ما حولنا بعين تبحث عن الجمال، مهما كان صغيراً أو مهماً.
حيث تقول: "لم أكن في معرضي مجرد عارضة لأعمالي، بل كنت أما تضع روحها في كل قطعة، وكأن العلاقة التي تربطني باللوحة قبل إنجازها هي علاقة الأم بطفلها؛ ترعاه، تؤدبه، تعلمه، وتنتظره ليخرج متميزاً.
وبعد الإنجاز، أشعر أنني أنجزت مهمتي بإتقان وحب، لتقف اللوحة أمامي جميلة كما تمنيتها، نابضة بالحياة كما حلمت لها". مشيرة إلى أن المعرض لم يكن مجرد عرض تشكيلي، بل كان رحلة في أعماق الإبداع المستدام، حيث تحولت بقايا الأقمشة، والزجاجات الفارغة، والعلب الكرتونية والبلاستيكية، واللمبات التالفة، وعجينة الورق، إلى قطع فنية ناطقة بالجمال: "إنه فن الكولاج، وغيره من التقنيات التي تمزج بين الخيال والبيئة، وتعيد للشيء المهمل قيمته، بل تمنحه حياة جديدة تضج بالألوان والمعاني".
نبض الطبيعة
ولأن المعرض أقيم تحت عنوان "نبض الطبيعة في حضرة الإبداع"، تحدثت حبش قائلة: "غالباً ما استلهمت من الطبيعة سحرها؛ ففي كل فصل ووقت وجدت لوحة تنتظرني. بعض اللوحات نفذت بعجينة السيراميك، محاكية براءة الأطفال من خلال الزهور والطيور وقطرات المطر، وأخرى رسمتها على الزجاج والأواني الشفافة، مزينة إياها بأشكال الأسماك والأزهار، كأن الزجاج يروي حكايات بحرية صامتة.
وعلى الرغم من أن المعرض حمل عنوان الطبيعة، إلا أنه لم يخل من المشاعر الإنسانية العميقة؛ فبعض اللوحات تتحدث عن مرارة الانتظار والترقب، وأخرى تجسد صراع الذات مع نفسها ومع ما حولها. وفي كل لون اخترته، كان لي وقفة: فهناك لون يشعرنا بالفرح، وآخر يبعث فينا الحزن، وثالث يمنحنا طاقة إيجابية للانطلاق، ورابع يدخلنا في متاهات لا حدود لها، وخامس يوقظ فينا حساً عاطفياً لا يوصف.
هكذا تتداخل الأشكال والألوان في تناغم حركي لوني، يشدو بإيقاعات تمتزج بالفرح والحنين، وبمشاعر متعددة تختلف من حالة إلى أخرى". تؤمن حبش بأن الإبداع الحقيقي يكمن في قدرتنا على النظر إلى ما حولنا بعين تبصر الجمال حيث لا يراه الآخرون، مع تأكيدها أن المعرض بما تضمنه من أعمال قاربت الخمسين، إنما كان ثمرة صبر وإيمان، وخيار واع بأن نخرج منتصرين في معاركنا مع الحياة والظروف والوقت. متمنية أن تكون هذه الأعمال مصدر إلهام لكل من يراها، وأن تذكرنا جميعاً بأن الجمال يمكن أن يولد من رماد الإهمال، وأن البيئة ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل هي شريكة في إبداعنا، إن أحسنا النظر إليها.