فهد بلان.. واليتيم حسام
2026.08.20
عماد بلان
..هذه القصة التالية، تحمل جانباً إنسانياً جميلاً جداً من شخصية الفهد، ليس الفنان الذي عرفه الناس على المسرح فقط، بل الإنسان الذي كان قلبه أوسع من شهرته..
..فتفضلوا بالمتابعة مشكورين:
..ذات مساء، عرّجنا معاً، الفهد وأنا، لنشرب فنجاناً من القهوة في كافتيريا يملكها صديق له يُدعى كمال، وكانت تقع في منطقة «الكراجات» في السويداء.
وبينما كنا نتبادل الحديث، حانت للفهد التفاتةٌ عابرة، فرأى فتىً صغيراً، لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، يجلس وحيداً على طاولة منزوية، وقد بدا عليه الحزن والانكسار، كأن الدنيا أثقلت كاهليه قبل أوانه..!
سأل الفهد صديقه كمال:
..من هذا الفتى؟ ولماذا يجلس وحيداً بهذه الصورة؟
أجابه كمال:
..هذا «حسام»… طفل يتيم الأم، من إحدى القرى. زوجة أبيه تضربه وتسيء معاملته باستمرار، حتى لم يعد يحتمل ما يلاقيه، فهرب من بيت أبيه. عثرتُ عليه غافياً في إحدى حافلات النقل هنا، فأحضرته إلى الكافتيريا، ولا أدري ماذا أفعل به أو أين أضعه..!
..لم يحتمل الفهد سماع المزيد..!
..رأيت الدموع تترقرق في عينيه، وكأن قصة ذلك الطفل لمست في داخله شيئاً عميقاً..
..ناداه بلطف: تعال يا حسام… تعال اقعد معنا.
..اقترب الفتى بخجل، وجلس إلى جوارنا، أخذ الفهد يستمع إليه، وسأله عن حياته وأهله وما جرى معه، فبدأ حسام يروي حكايته بصوت متقطع، وكان واضحاً أن وراء ذلك الصوت الصغير وجعاً أكبر بكثير من عمره..!
..وحين انتهى من حديثه، لم يكثر الفهد من الكلام، ولم يكتفِ بالتعاطف معه، بل طلب من كمال أن يقدم له ما يشاء من الطعام.
..وما إن وُضع العشاء أمام حسام حتى بدأ يأكل بشراهة شديدة، وكأنه لم يتناول طعاماً منذ أيام..!
.. كان الفهد ينظر إليه بصمت، وقد بدا التأثر واضحاً على وجهه. وربما كان منظر طفل جائع يأكل بهذه اللهفة أقسى على قلبه من كل الكلمات..!
..وبعد أن أنهى حسام طعامه، أمسك الفهد بيده وقال له: الليلة ستأتي معي إلى البيت.. أنت ضيف عزيز.
..وهكذا أخذ الفهد حسام معه، وقضى الطفل ليلته في بيته، آمناً مطمئناً، بعد أيام من الخوف والتشرد..!
..وفي صباح اليوم التالي، رافقتهما إلى دار اليتيم، وهناك قدم الفهد حسام إلى مدير الدار، وقال له بكل جدية وحزم:
— أريدك أن تعتبر هذا الفتى مثل ابني تماماً.. وأنا مسؤول عنه مسؤولية كاملة، من ملابس وطعام ودراسة وعلاج وكل ما يحتاج إليه. لا أريد أن ينقصه شيء..!
..ثم ترك حسام بين أيدٍ أمينة، ونزلنا إلى السوق.
.. وهناك بدأت حكاية أخرى..
..راح الفهد يختار لحسام الملابس والأحذية، واشترى له الدفاتر والأقلام وكل ما يحتاج إليه، ثم عدنا إلى الدار.
.. وعندما رأى حسام تلك الأشياء، لم تكن فرحته فرحة طفل حصل على ملابس وأحذية ودفاتر فحسب .. كانت فرحة إنسان شعر للمرة الأولى أن هناك من يهتم به، وأن في هذا العالم من يمكن أن يمد له يده دون أن يطلب منه شيئاً في المقابل.. كانت الفرحة تفيض من عينيه ..
..وأظن أن الفهد يومها لم يكن يرى أمامه « طفلاً يتيماً »، بل كان يرى ابناً صغيراً يحتاج إلى أبٍ يحميه ويطمئنه.
..بقي حسام في دار الأيتام، وظل الفهد يتابعه ويرعاه مادياً ومعنوياً، ولم تنقطع عنايته به. حتى نال حسام الثانوية العامة، ثم تابع دراسته الجامعية في دمشق، وبقيت رعاية الفهد له مستمرة، إلى أن أصبح حسام في السنة الجامعية الثانية..!
..كان الفهد ينتظر ذلك اليوم الذي يرى فيه حسام خريجاً ناجحاً، وربما كان يحلم بأن يقف إلى جانبه يوم تخرجه، كما يقف الأب إلى جانب ابنه، ليفرح بنجاحه ويقول له:
..«أرأيت يا حسام؟ لقد تجاوزت كل ما مررت به.. وها أنت اليوم تصنع مستقبلك بنفسك.»..
.. لكن للقدر كانت كلمة أخرى..
.. فقد شاءت إرادة الله تعالى أن يرحل الفهد عن هذه الدنيا قبل أن يرى حسام متخرجاً من جامعته، وقبل أن تكتمل فرحة ذلك الطفل الذي أنقذه ذات مساء من الوحدة والجوع والخوف.
..رحل الفهد..
..وربما لم يكن أصعب ما في رحيله أن صوته الكبير سكت، وأن المسارح فقدت واحداً من عمالقتها، وإنما أن هناك في مكان ما شاباً كان ينتظر عودته، وينتظر ذلك اليوم الذي يلتقي فيه بالرجل الذي مد له يده حين تخلى عنه الجميع.
..أتخيل حسام يوم سمع خبر وفاة الفهد ..
..ربما وقف طويلاً أمام الخبر عاجزاً عن التصديق، ثم تذكر تلك الليلة البعيدة، حين كان طفلاً جائعاً، وحيداً، خائفاً، يجلس في زاوية كافتيريا لا يعرف إلى أين يذهب، فإذا بيدٍ حانية تمتد إليه، ووجهٍ يعرفه الناس مطرباً كبيراً، لكنه بالنسبة إليه كان شيئاً أعظم بكثير..!
..كان أباً..
.. وربما ظل في قلب حسام سؤال موجع:
..لماذا رحلت قبل أن تراني أتخرج يا فهد..؟!
..ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية أن الفهد لم ينتظر من حسام ثمناً لما فعل، ولم يكن ينتظر منه شكراً أو مقابلاً.. كان يكفيه أن يرى ذلك الطفل آمناً، شبعاناً، متعلماً، وله مستقبل.
..لقد أعطاه الفهد ما هو أثمن من المال والطعام والملابس.. أعطاه الأمان.. وأعطاه الأمل.. وأعطاه فرصة أخرى للحياة.
..رحم الله فهد بلان…
..رحم الله ذلك القلب الكبير الذي كان يختبئ خلف صوتٍ جهوري، وحضورٍ طاغٍ، وشهرةٍ واسعة.
..ورحم الله الإنسان قبل الفنان..
..فبعض الناس يتركون خلفهم أغاني تُسمع، وصوراً تُحفظ، وذكريات تُروى..
..أما أمثال الفهد، فيتركون خلفهم إنساناً عاش لأنهم مدوا له يدهم ذات يوم.
..وهذه، في رأيي، أجمل أغنية يمكن أن يتركها الإنسان خلفه بعد الرحيل.
..رحمة الله لروحك أيها الفهد المعطاء، الكريم، الحنون..
..وإن كان صوتك قد غاب عن الدنيا، فإن هناك قلوباً كثيرة، وحكايات كثيرة، وربما قلب حسام قبل غيره، ستظل تقول:
..كان هنا رجل اسمه فهد بلان ..
..وحين احتاجه طفلٌ يتيم، لم يسأله من يكون..
..بل قال له: تعال معي، أنت مثل ابني..!