كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (24 و25)

عماد بلان

..من هو الشاب الذي صرخ فوق ضريحه:
..يا ريتني أنا ولا أنت يا بو طلال يا سيد الرجال..!
===============================
..قبل تسعة وعشرين عاماً، وفي ظهيرة يوم الأربعاء الحزين 26/ 12/ 1997، توافد الآلاف من المشيعين الذين زحفوا فرادى وجماعات باتجاه غرب المدينة الشامخة، لإلقاء نظرة الوداع الأخير على جثمان الفهد قبل أن يوارى الثرى.. الرجل الذي لطالما عرفوه كبيراً وعظيماً بمحبته للناس والوطن، لكل الناس وكل الوطن.
..عندما استقر جثمانه الطاهر في قعـر مثواه الأخير، وقبل أن يحتضنه التراب بلحظات قليلة، اخترق شاب عشريني الجموع الغفيرة ليقف عند حافة القبر ملوحاً بشال صوفي أسود كان يطوق به عنقه، ثم رماه فوق جثمان الرجل.. الرجل الذي فقدته الأمة بكاملها..
..كانت الدموع تفيض من عيني ذلك الشاب وتغسل وجهه وهو يبكي ويصيح بعالي صوته المجروح:
"رحمة الله على روحك الطاهرة يا أبو طلال..
..يا سيد الرجال.. يا ريتني أنا ولا أنت..!
..كان مشهداً مؤثراً أبكى الجماهير المحتشدة وأدمى قلوبهم..
..من كان ذلك الشاب..؟
..بعد ساعات من انتهاء مراسم الدفن، دخل ذلك الشاب إلينا متأخراً بعض الوقت في مضافة العائلة أثناء استقبالنا للتعازي.. وقف بيننا ليحكي قصته التي جمعته مع الراحل أبي طـلال، فهد بـلان، فقال:
"..يا وجوه الخير.. اسمعوا حكايتي يا ناس..
..أنصت الحضور.. وبدأ الشاب يتحدث بصوت أجش مجروح متقطع:
.."كانت الساعة الثامنة من صباح ذلك اليوم البارد الماطر، عندما وقفت إلى جانب الطريق العام على بعد بضعة مئات من الأمتار بعد المفرق المؤدي إلى قرية "مجادل"، أحاول أن أستوقف من يشفق لحالي ويقـلـني بطريقه إلى دمشق ومنها لأتدبر أمري لأصل إلى مقصدي".
..وبعد طول انتظار، مرَّت أمامي سيارة مرسيدس خضراء، كانت مسرعة يقودها شاب وبجانبه رجل آخر، استجاب سائقها لإشارتي وتوقف على مسافة قريبة مني، ركبت في المقعد الخلفي بعد أن سلمت عليهما وشكرتهما، سألني الرجل:
"..أهلين عمي.. لوين طريقك..؟..
..يا إلهي..! هذا الصوت العريض ليس غريباً على مسمعي.. أنا أعرفه..! سألته بلهفة: بالله عليك يا عمي مش إنت فهد بلان..؟! أدار وجهه نحوي مبتسماً بصدق وأجاب: إي نعم.. أنا فهد .. ما جاوبتني .. لوين رايح بهالبرد وتحت المطر..؟ قلت له: عمي بو طلال، أنا عسكري مجند، وقبل أسبوع كنت في إجازة ليومين بالبلد، وخلال الإجازة ولـَّـدت زوجتي، والله رزقنا بصبي.. لقيت حالي مضطر للتخلف عن الالتحاق بالخدمة لأسبوع.. زوجتي لوحدها هي والمولود وما عندها حدا يعيلها.. وحالتنا المادية تعبانة، منشان هيك تخلفت عن الالتحاق بالثكنة لغاية اليوم.. والله يكون بالعون يا عمي بوطلال"..!
.."انتفض أبو طلال والتفت إلى – عصام - ابن شقيقه الذي كان يقود السيارة – رحمهم الله - وقال له بحزم: عمي عصام.. وقف وارجع للسويداء حالاً..! تردد عصام وقال: يا عمي عندك موعد مهم جداً في دمشق ويجب أن نكون هناك بعد ساعتين فقط..! فكرر الفهد أمره حازماً بالعودة.. فامتثل عصام.. وعدنا للسويداء معاً".
..ومع انصات الحضور.. تابع الشاب حكايته:
.."بعد عشر دقائق توقف عصام أمام مركز قيادة عسكرية، ترجل الفهد واصطحبني معه إلى مكتب اللواء "فلان".. وهناك، شرح له حالتي باهتمام بالغ، وسأله النظر في مشكلتي.. طلب اللواء بيانات خدمتي، وبعد اتصالات أجراها، حصلت على عفو عن التخلف، وعلى تمديد لإجازتي لأسبوع آخر".
.."..و بعد أن غادرنا المركز، طلب أبو طلال من عصام التوجه للسوق، حيث اشترى لي من الحاجات والمواد الغذائية ما فاضت به "كرتونة" من أكبر حجم، ثم أرجعني إلى بلدتي وأنزلني عند باب بيتي بعد أن نقدني مبلغاً من المال وقال لي:
..هذا رقم هاتف بيتي وبيت عصام، وإن احتجت لأي شيء لا تتأخر بالاتصال.. الله معك عمي..
..ودعته ودموعي تنسكب على وجهي.. ومن أعماق قلبي رجوت الله أن يطيل بعمر ذلك الرجل العظيم الحنون المحب والمتواضع والمعطاء.. وأن يمنَّ عليه بالصحة والسعادة..
..وما غابت شمس ذلك اليوم حتى فوجئت بعصام يطرق باب بيتي، وبعجلة من أمره ناولني عدة أكياس مملوءة بمواد غذائية.. وعاد للسيارة حيث كان الفهد ينتظره فيها، أطل برأسه من نافذة السيارة مبتسماً ثم لوَّح لي بيده مودعاً.. ومضيـا بأمان الله..
..وتابع الشاب يقول:
"..تعودت في كل إجازة لي أن أتصل بالفهد الحبيب للتحية والسلام والشكر.. وكان ما أن يسمع صوتي حتى يبادر بالقول: "أهلين عمي.. لو انت موجود في بيتك الآن، انتظر لا تروح.. عصام سيزورك بعد ساعة".. وبالفعل يصل عصام خلال ساعة ليسلمني مبلغاً من المال ليس بالقليل..! توقفت عن الاتصال به خجلاً من سوء الظن بأنني أمارس التسول أو الابتزاز.. لكن الفهد ما توقف عن عطاءاته الكريمة السخية، لقد خصص لي و لأسرتي الصغيرة راتباً شهرياً لم ينقطع. إلى أن انتهت خدمتي في الجيش وعدت إلى عملي وباتت أحوالي بخير والحمد لله.. استقبلني وأكرمني في منزله كواحد من أبنائه، وحين ودعته مغادراً وشاكراً ممتناً قلت له: والله أنك كفيت ووفيت.. الله يكثر خيرك ويحفظك.. وما قصـَّرت يا عمي أبو طلال..
..اختتم الشاب حديثه وقد اغرورقت عيناه بفيض من الدموع، لكن صوته تحشرج متقطعاً مع عبارة أخيرة قالها:
"يا ريتني أنا ولا أنت يا بو طلال يا سيد الرجال..!
****
 ..بعد الرحيل ..و قصة مؤثرة..(٢) والختام.
..ماذا غردت العصفورة فوق ضريح الفهد..؟
===========================
.. في هذه الحلقة الأخيرة.. وقبل الختام، اسمحوا لي أن أعيد على حضراتكم واحدة من الـحكايات المشهورة عنه، ولو أن بعضكم يعرف تلك القصة:
..كان الفهد قد اتفق مع مهندس ومتعهد على موعد محدد لمباشرة إنجاز السقف للدور الثاني من منزله.. وفي الصباح الباكر من اليوم المقرر للتنفيذ، استيقظ الفهد على أصوات خارج البيت.. تراكتور.. وصهريج ماء.. وصخب عمال ينزلون معدات ومواد البناء و و..
..فتح نافذة غرفته ليفاجأ بذلك الحشد من العمال يتجمهرون لتحضير جبلة البيتون استعداداً لإنجاز السقف.. لف الفهد جسمه بالروب الطويل وخرج إليهم يصيح بصوته المعهود:
"هلا شباب.. هلا ومرحبا.. لو سمحتوا.. وقفوا الشغل اليوم.. وبدنا نأجل العمل لبعدين..!
"..لبعدين.. لإيمتى يعني..؟ أجابه المهندس..
..قال له الفهد: يعني كام يوم، أو كام أسبوع.. ما بعرف! استغرب المهندس وقال له: يا أستاذ فهد اتفاقنا أن نبدأ العمل اليوم.. فما سبب قرارك بالتأجيل..!؟ تأبط الفهد ذراع المهندس وأخذه جانباً يهمس في أذنه قائلاً:
"..يا خيي.. على هذاااك العامود يللي فوق "وأشار بإصبعه للأعلى".. هناك في عصفورة عاملة عشها.. والعصفورة رابخة على بيضتين، وين بدك إياني روح فيهم هذول المساكين، هذول أرواح مثلنا.. مش هيك..؟!
.."فقعها" المهندس ضاحكاً وقال:
"..يا إلهي ما أطيبك يا بو طلال.. منشان عصفورة وبيضتين بتأجل الشغل..؟ يا رجل رح يطلع عليك غرامة مالية هيك..!
..هنا انفجر الفهد بوجه المهندس صارخاً:
"..قلت لك.. ما في شغل خيي.. يعني ما في شغل لحتى تفقس البيضات ويصيروا الزغاليل قادرين على الطيران.. مفهوم.. و.. كذا.. أخت الغرامة.. على.. أم الاتفاق.. مليح هيك عالصبح"..!
..وكان للفهد ما أراد.. تأجل المشروع، وعاد العمال إلى بيوتهم.. بينما العصفورة كانت تراقب الأحداث المثيرة من "نافذة" عشها وهي لا تدري بأن ذلك الفهد "الديناصور" ذو القلب الطفولي الحنون الدافىء إنما يقاتل الناس من أجلها هي ومن أجل أسرتها الموعودة!
..وبعد فترة من الزمن، فقست البيضتان وخرج إثنان من الزغاليل يطلقان الزقزقة الطروبة مع النسائم الباردة.. ويحاولان الطيران لكن دون جدوى.. إلى أن ارتاش جناحهما وحلـَّـقا مع أمهما فوق المنزل العامر، يبحثان عن ذلك الرجل العظيم الذي وفر لهم كل الأمن والأمان والحماية والرعاية.. لكنهما شعرا ببرودة المكان وخلوه من ساكنيه..؟!
..حانت من العصفورة الأم نظرة نحو البعيد.. فلاحظت الآلاف من البشر.. فرادى و جماعات، كباراً و صغاراً.. والجميع يسعى متوجهين نحو الغرب..
..انطلقت العصفورة تلحق بالناس المتدافعة خلف بعضها البعض.. تستطلع وجهة تلك القوافل البشرية المهرولة وراء سيارة إسعاف تحمل بداخلها صندوقاً خشبياً كبيراً مستطيلاً وقد غطاه وشاح أبيض اللون.. بينما الوجوه قد غطاها الحزن.. واكتسحها الألم..!
..وصلت الجموع إلى سهل واسع غرب السويداء تتوسطه مزرعة ذلك الرجل.. وهناك أسرعت العصفورة واعتلت غصناً في شجرة زيتون وارفة.. ووقفت تراقب عيون الرجال الباكية وهم يوارون الصندوق الخشبي في حفرة.. ثم يهيلون التراب عليه حتى اختفى.. وهي لا تدري ماذا بداخل ذلك الصندوق.. لكن قلبها كان دليلها، وقلب المحب دليله.. كما يقال.. فأدركت أنه جثمان الرجل ذاته.. جثمان الفهد - الرجل الذي قاتل الناس من أجلها ودفاعاً عن عشها وصغارها ذات يوم-..
..غادر المشيعون المكان.. أما العصفورة فقد ابتنت عشها الجديد الصغير بين أغصان تلك الشجرة فوق ضريح الفهد.. الرجل الطيب.. المعطاء.. الصادق.. الوفي.. المتواضع.. تزقزق لروحه كل صباح وتغرد:
..عالبال بعدك يا فهد بلان..
..وختاماً أعزائي..
..السيدات والسادة الذين رافقوني بكل صدق ووفاء مع هذه السلسلة من:
..مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان..
..أتقدم منكم جميعاً بأسمى آيات الشكر و العرفان والامتنان على ما تفضلتم به من مشاركات و تفاعلات رقيقة ودعوات مخلصة بالسلام والرحمة لروح فقيدنا وفقيدكم الفنان العربي السوري الكبير فهد بلان..
..وهنا تُطوى صفحاتُ الذكريات.. لكنَّ المحبة لا تُطوى، و الوفاء لا يتوقف، والفنَّ الأصيل لا يرحل..
..وداعاً يا عمي الحبيب، فهد بلان.. ويا أبي الروحي..
..وأخي الأكبر، و صديقي ومعلمي..
..ستبقى أيها الفهد حاضراً بصوتك الطروب الدافئ، وبطيبة قلبك، وبذلك الأثر الجميل الذي زرعته في قلوب الناس.
..رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ذكراك الطيبة خالدةً في الوجدان، ما بقي صوتٌ جميل، وما بقي قلبٌ يعرف الوفاء.
..إلى لقاءٍ في جنات الخلد بإذن الله..
..من محبّّك وابن أخيك:
عماد غالب بلان