مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (16 و17).
2026.07.28
عماد بلان
..الرجال مواقف.. والفهد رجل المواقف المُشرّفة..!
==================================
..في دمشق، و ذات يوم من عام 1979م، رافقت الفهد بسيارته إلى محطة سفريات بيروت - دمشق ليستلم مغلفاً يخصه من أحد أصدقائه في لبنان.
..وفور دخولنا بوابة المحطة لاحظنا تجمهراً غفيراً لشباب يتدافعون لتخليص ثلاثة فتيان تحت السن القانوني وقد اعتقلهم عدد من رجال الجمارك وأمعنوا بهم إهانة وضرباً وركلاً أمام الناس..!
..أوقف أبو طلال سيارته وقال لي:
"..هذول أكيد عناصر من ادارة مكافحة التهريب، والأولاد مهربين ويسكي من لبنان.. بدي روح شوف صاير.."!
..رجوته ألا يتدخل تجنباً لأي إساءة قد يلقاها من أحد العناصر، إلا أنه أصرّ وترجّل من السيارة كالمارد مخترقاً صفوف المتجمهرين، تابعته أمشي بجانبه حتى وصل إلى عناصر الجمرك، استوقفهم، وقال لهم بكل لطف:
"..يا شباب.. بالله عليكم، لو سمحتوا اتركوهم.. خذوا المهربات.. بس اتركوهم، هذول أولاد صغار فقراء..
..ردّ أحد العناصر صارخاً:
"..هدول زعران مهربين، لازم بتبهدلوا حتى ما يعيدوها!
..وعاد الفهد يقول بكل أدب:
"..يا أخي.. خلص أنا أكفلهم ما يعيدوها..!
..هنا، تدخل الضابط رئيس المجموعة وقال:
"..يا أستاذ فهد.. الله يخليك.. انت ما إلك علاقة بالموضوع.. هذول مهربين زعران، ونحنا معنا مأمورية من "معلمنا" باعتقالهم.. ومصادرة المهربات كلها..!
..ارتفع صوت الفهد و قال له بنبرة حادة:
..تعتقلوهمً؟ فهمنا.. تصادروا مهرباتهم؟ كمان فهمنا.. بس ليش الإهانات والضرب؟
..حرام عليكم.. هدول صغار وفقرا..!
..وبكل وقاحة رد عليه الضابط:
"..روح أستاذ.. روح واتركنا نشوف شغلنا.. وأدار ظهره للفهـد وعاد يركل الأولاد بقدمه..!
..هنا انقلب فهد الفنان الرقيق العطوف إلى فهد كاسر وسط هتافات المتجمهرين حوله.. فوقف كالجبل الشامخ حاجزاً بين الأولاد والعناصر، ثم أمسك بالأولاد الثلاثة وجذبهم خلفه بقوة قائلاً لعناصر الجمارك بكل حزم:
"..هيك لكان؟!.. طيب اسمعوا هالكلام يللي راح يسر خاطركم: بترجعوا لمعلمكم وتبلغوه عن لساني:
"..خليه يروح يعتقل المهربين الكبار بالبلد بالأول، وبعدين يعتقل هذول الصغار، وقولوا له كمان بأن "معلمي" أنا هو من منعكم من اعتقال هذول الأولاد..!
..فأجابه الضابط بشيء من التهكم:
"..ممكن نعرف مين هوي معلمك أستاذ فهد"..؟!
..فصرخ الفهد بعالي صوته مشيراً إلى العشرات من الشباب الذين حاصروه بكل الحب والمؤازرة:
"..كل مواطن من هذول.. هو معلمي"..!
******
..حلقة خاصة في دراسة موجزة لصوته ولونه الغنائي..
==================================
..فيما مضى، نشرت لحضراتكم حلقات عديدة تضمنت خصوصيات وعموميات في مسيرة حياة الفنان الكبير الراحل فهد بلان إنسانياً وفنياً، وتوقفتُ عند محطات مختارة من ذكريات شهدتها معه أو سمعتها منه شخصياً دارت حول شخصية الفهد الإنسان، والفنان..
..أما اليوم، فسأتحدث عن الخصوصيات الفنية لفهد بلان، من حيث طبيعة صوته المتميزة التي وهبها له الله تعالى، ومدرسته الغنائية النادرة ولونه الفني ككل، والذي على متنه وصل إلى أقصى وأوسع آفاق النجومية والشهرة عبر عالمنا العربي، من محيطه إلى خليجه.
..تفضلوا بالمتابعة:
* - أبدأ بتصريح موثق لأحد النقاد، وهو مستشرق غربي متخصص في الأصوات الغنائية وقال:
..(..إن صوت الفنان فهد بلان، هو واحد من أقوى خمسة أصوات غنائية على مستوى العالم خلال القرن العشرين من حيث قوّته ومساحته التي تغطي أدنى قرار وأعلى جواب، فضلاً عن جهوريته الرخيمة الطروبة.. وقدرته على أداء أصعب الجمل اللحنية الشرقية بكل مرونة واقتدار وحرفية..)..!
.. انتهى اقتباسي لتصريح ذلك المستشرق الأكاديمي الذي غاب عني اسمه..!
*- قال عنه الموسيقار الراحل فريد الأطرش:
.."لا أمدح صوته لأنه ابن بلدي، بل لأنني أشعر بكل الارتياح عندما أتعاون معه شخصياً وفنياً ولديه إمكانيات صوتية لا حدود لها"..
*- وقال الموسيقار سيد مكاوي:
.."أنت تعطي فهد بلان اللحن شجرة عارية فتسمع منه اللحن مزهواً بأجمل الأزهار"..
..كما وصف صوت الفهد بأنه: "الصوت الذي لا يرقى إليه الغبار الدري"..!
*- أما الموسيقار بليغ حمدي فقد قال لصديقه الفهد -وكنتُ برفقتهما في دمشق-:
"يا فهد، إذا أنت تفتخر بانتمائك الوطني إلى سورية، فنحن نفتخر بانتمائك الفني للعالم العربي كله"..!
*- وكذلك قالت عنه سيدة الغناء العربي أم كلثوم:
.."فهد بلان لون جديد، وأداء جديد، ومغنى جديد في الغناء العربي".
..كما نُسبَ إليها قولها الطريف خلال جلسة خاصة لها مع نقّاد مصريين:
.."أول مرة أسمع وأشوف "راجل" بيغني..
كلهم بيبكوا.. دموع بدموع.. إلا فهد بلان"..!
* - أما حفيد المطرب المصري العظيم الراحل عبده الحامولي (1836م- 1901م) وهو موسيقي أكاديمي، فقد أوجز في تصريح له يقول فيه:
..(لقد أوجد فهد بلان منهجاً جديداً، وأسس مدرسة هامة في الغناء العربي، حين نسف أساليب الغناء السائدة آنذاك والممزوجة بالتوجع والأنين و"التسوُّل" العاطفي، واستبدل اسلوب الضعف والتخنث بألحان القوة والرجولة، فاستساغ الشعب العربي هذا الأسلوب من الغناء، وارتاحت له نفوسهم بعد زمن طويل طغت خلاله مدارس "النواح والبكائيات" في الغناء العربي..)!
..وأضاف الحامولي: بين كل المطربين العرب، فأنا لا أجد أجدر من صوت فهد بلان في تجديد وإحياء تراث جدٍِي المطرب القدير "عبده الحامولي")..!
*- الموسيقار المصري محمد الشريف (ملحن نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي).. اعتاد ان يخاطبه:
" يا (فَجْر).. بدلاً من (فهد) تحبباً و توصيفاً له بأنه (فَجْر الأغنية العربية)..
*- ونعود لرفيق دربه الموسيقار عبد الفتاح سكر الذي صرح ذات يوم:
.."كنت على خلاف شخصي عابر مع فهد، فقررت أن أتحداه في جُمل لحنية تعجيزية (في مجموعة أغاني المسلسل الإذاعي: موال من بلدي)..
..لكني وجدت نفسي أقف منذهلاً أمام "ديناصور غنائي" لا يعجز عن أداء أي جملة لحنية مهما بلغت من التعقيد والصعوبة!
*- ومفارقة طريفة أثارها الملحن الكبير الفنان سهيل عرفة إذ قال:
..لو غنَّى عبد الوهاب بذاته أغنية (واشرح لها) سنسمعه يؤديها بطريقة فهد بلان..!
..وتابع يقول: لو أنني سمعتُ قصيدة الأطلال بصوت فهد صدفة من الراديو بلا علم مُسبق، لأدركت فوراً بأنه.. فهد بــلان..!
..أعزائي..
* - لا شك بأن تلك التصنيفات الموثقة - و هي غيض من فيض - و غيرها قد استندت إلى تحليل فني دقيق صرح بها ذوو خبرات موسيقية فنية وأكاديمية، وخبرات أخرى في فسيولوجيا الصوت البشري. وليست مرتكزة على معايير النجومية والشهرة فقط. ولذلك فهي تصنيفات علمية حقيقية وعادلة ومنطقية.
*- أما من جهتي المتواضعة شخصياً، فقد تشبَّعَت أذني على مدى سنوات طويلة بصوت الفهد مباشرة وعلى الطبيعة، سواء بمرافقتي له على العود في جلسات وسهرات مشتركة لا حصر لها، أو مشاركتي له عزفاً في حفلاته، أو حضوري لتسجيلاته في استوديوهات متعددة..
..ومن هنا أتابع وأقول:
* - ينطوي صوت فهد بلان على مواصفات، بعضها فطري، وبعضها الآخر مكتسب. ومن الميزات الفطرية التي وهبها الخالق عز وجل لصوت الفهد:
*- الجهورية والعمق، القوة، الدفء، النبرة المميزة الواضحة والسليمة في النطق واللفظ، المساحة الواسعة والمطواعة في الأداء..
* - الكاريزما.. تلك السمات الطبيعية برزت أصلاً في صوت الفهد منذ صغره، ولكن عناصر "كاريزمية" أخرى خاصة تشكلت منها شخصيته وساهمت بشكل مؤثر في تنمية تلك الهبات التي انعم الله بها على صوته. فكان الفهد صاحب شخصية إنسانية رجولية قوية ممزوجة بالطيبة وخفة الظل، وحضور آخاذ وسرعة بديهة لماحة.. صادق حنون رؤوف كريم النفس.. كلها وغيرها من صفات حببت فيه الناس منذ صباه وجعلت منه نجماً اجتماعياً يشاركهم في مناسبات الأفراح والأعراس، منشداً لهم ما تيسر له من تراث وفولكلور الجبل والسهل والوادي والصحراء.. حتى استكمل بذلك تأسيس حنجرة ذهبية كانت قادرة على أداء لونه الخاص المميز في عالم الغناء العربي على مدى عقود من السنين.
*- موسيقياً: أستطيع القول وبكل معرفة وثقة بأن صوت الفهد يمتد بحرية مطلقة على مساحة أدناها (اوكتافين = سلمين موسيقيين = ١٦ درجة موسيقية تبدأ من قرار الصول حتى جواب الجواب لدرجة الصول نفسها).. يؤدي ضمن تلك المساحة بارتياح و تطريب وانسيابية.
..إلا أنه وفضلاً عن تلك المساحة الصوتية الواسعة، فقد اثبت قدرته الفائقة على أداء ثلاث مقامات أخفض من قرار الصول (فا - مي - ري) وبرز ذلك في أدائه لمذهب أغنية (يا صلاة الزين).. وغيرها من اغانٍ تردد صوته خلالها بين أدنى طبقات القرار وأعلاها جواباً..
..وفي أغنية (صلاة الزين) ذاتها، فقد أدى جملة لحنية تنطوي على معجزة صوتية عندما جمع فيها بصوته وفي آن واحد بين طبقتين (تينور = الصوت الرجالي الحاد+باص= الصوت الرجالي المنخفض الجهوري)، الأمر الذي أثار استغراب وإعجاب الكثير من الملحنين والموسيقيين فضلاً عن آراء غيرهم من النقاد والخبراء في الغناء والأصوات..
* - أما عن لونه الغنائي "البلاني":
..فقد استطاع فهد بلان أن يستفرد بلون جبلي افتقر إليه عالمنا العربي.. وذلك بجهوده مع رفيق دربه الطويل الملحن الراحل عبد الفتاح سكر وغيره من ملحنين سوريين وعرب آخرين، لكن الثنائي (الفهد وعبد الفتاح) فرض ذلك اللون المتميز بقوة ونجاح حتى على أذواق الكثير من كبار الملحنين العرب عندما التقت الحانهم مع صوت الفهد، فكان أن تركوا له مساحات واسعة لإبراز لونه وطبيعة صوته.. ومنهم: بليغ حمدي، فريد الأطرش، سيد مكاوي، محمد الموجي، محمود الشريف، خالد الأمير، فليمون وهبي.. وغيرهم..
* -كان كبار الملحنين يعبرون عن ارتياحهم الكامل عند تعاونهم مع فهد بلان لثقتهم التامة بقدرته المتميزة على أداء كافة ألوان الغناء بل وأصعبها، ابتداءً بالأغنية الشعبية، القصيدة والأنشودة الوطنية والأهزوجة التراثية والموشحات والحواريات.
..ومهما اقتضت تلك الألوان من تنوع وتنقل بين مقامات الموسيقا، فقد كان صوت الفهد شامخاً حاضراً يصدح بكل ما أوتي من قوة و تطريب وتميز..
* -أدلى عثاولة الموسيقا والغناء العربي بشهاداتهم بصوت فهد بلان ولونه الغنائي ودوره المعطاء في إغناء مكتبة الفن العربي حتى نال وبجدارة لقب سفير الأغنية السورية إلى العالم العربي وبلاد الاغتراب..
*-فهد بلان في السينما: لعب دور البطولة في عشرة أفلام سينمائية بجانب شهيرات الغناء والسينما العربية.. صباح، مريم فخر الدين، نجاح سلام، سميرة توفيق، وغيرهنَّ..
*-أما في التلفزيون، فقد شارك ببطولة مسلسل اجتماعي لبناني اسمه /أنا أنت/ ومعه الفنانة اللبنانية آمال عفيش ومجموعة من فناني لبنان المشهورين آنذاك..
* -ختاماً:
..لقد احتل الفنان الكبير الراحل فهد بلان وبجدارة فائقة ركناً عظيماً هاماً ومتميزاً من أركان الفن الغنائي على مستوى عالمنا العربي، فبات من الإجحاف والتقصير اختزال تاريخه الفني والإنساني بسطور أو صفحات قليلة متواضعة.. بل إن المجلدات قد لا تكفي للوفاء لذكرى ذلك الفنان العربي السوري العظيم.. لروحه السلام..