كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)

عماد بلان

..في القاهرة.. مع فريد الأطرش..
==================================
..انتهيت في الحلقة السابقة عند المحطة الثالثة للفهد والتي كانت: القاهرة، أم الفنون، والقاعدة التي يجب أن ينطلق منها كل طامح للشهرة والانتشار على مستوى العالم العربي، هذا إذا قـُـدِّر له أن يجتاز تلك الجبال الوعرة والوديان السحيقة..!
.. وصل الفهد إلى القاهرة برفقة رفيق دربه الطويل الملحن /عبد الفتاح سكر/، وكما ذكرت لكم في الحلقة السابقة أنه اشترك في حفلات شم النسيم بعدة أغنيات وعلى رأسها: واشرح لها.. يا سالمة.. جس الطبيب.. الموتور.. تحت التفاحة، لكنه استهل الحفل بأغنية (سلم علي) ومذهبها – مقطعها الأول - من التراث المصري المعروف.
..لكن حنين الفهد لبيروت لم ينقطع، فكان يتردد بين الحين والآخر، لتسجيل أغانِ جديدة أو لعب دور البطولة في أفلام سينمائية يتم تصوير أغلبها بين سوريا ولبنان: فكان له من تلك الأفلام: يا سلام عالحب.. البنك.. أفراح الشباب.. لهيب الجسد.. عقد اللولو.. القاهرون.. فرسان الغرام.. وأخرها فيلم: أين حبي.. وشاركه في بطولة تلك الأفلام نخبة مميزة من الممثلات والمطربات: نجاح سلام، صباح، سميرة توفيق، مريم فخر الدين.. وغيرهنّ.. ومن الممثلين المعروفين آنذاك: دريد ونهاد، احسان صادق، عبد السلام النابلسي – اسماعيل ياسين – ابراهيم خان – وغيرهم..
..وأعود بكم إلى القاهرة حيث التقى الفهد بالموسيقار /سيد مكاوي/ الذي أعجب بصوته وقدم له العديد من الأغاني التي لاقت نجاحات ممتازة مثل: يا بو الطافية الشبيكة.. مال واحتجب.. هز الهلال.. يا حلاوة يا حنان.. يا غزال.. وغيرها من عشرات الأغاني الرائعة.. ومما صرح به سيد مكاوي للأعلام في مصر: فهد بلان صاحب الصوت الذي لا يرقى إليه الغبار الذري..!
..وكذلك كان لقاؤه مع الموسيقار /بليغ حمدي/ الذي قدم له ثلاث أغنيات: على كفي.. بحري الهوى.. من غير ميعاد.. وتعاون مع محمد الموجي ومحمود الشريف وخالد الأمير و غيرهم.. لكنه لم يحظَ بتعاون مع عملاقين إثنين آخرين وهما الهرمان: (خوفو وخفرع).. وأقصد: محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي، والأسباب كانت متعددة ومختلفة إلا أنهما كانا لا يتوانيا عن التصريح بإعجابهما بصوت ولون وأداء الفهد، وهذا ما أكدته كوكب الشرق أم كلثوم عندما أبدت إعجابها العميق بقولها: فهد بلان جاء بلون جديد وصوت نادر قلَّ نظيره في العالم العربي..
..أما عن علاقته بالموسيقار الكبير وابن بلده /فريد الأطرش/ فالحكاية ذات شؤون وشجون..
..تفضلوا بالمتابعة:
..سبق و أن التقى الفهد بالفريد أول مرة في مطلع الستينيات، في مبنى إذاعة دمشق، حيث كان الفهد من ضمن جوقة الكورس– المرددين – لكنه كان يغتنم كل فرصة لتسجيل بعض الأغنيات الفولكلورية في الاستوديو بصوته منفرداً وبدعم وموافقة من مسؤوليه آنذاك لثقتهم وإعجابهم بصوته الواعد و تشجيعاً له على المضي نحو الشهرة، رغم أنه كان موظفاً حكومياً رسمياً.
..وخلال زيارة رسمية قام بها الموسيقار فريد الأطرش لدار الإذاعة في دمشق، وأثناء تجواله برفقة مسؤولي قسم الموسيقا، توقف قليلاً عند بوابة الاستوديو يسترق السمع إلى صوت غريب تنامى إلى أذنه، استفسر عن ذلك الصوت فقيل له:
.."إنه مردد في جوقة الكورس واسمه فهد بلان.. ومن السويداء.. من بلدكم يا أستاذ فريد"..! طلب الفريد الدخول للاستوديو وحضور التسجيل شخصياً..! آنذاك انتاب الفهد شعور مزدوج من الفرحة والرهبة في آن واحد.. فهو أمام عملاق من عمالقة الفن العربي، وشهادته: إما جواز سفر إلى عالم النجاح والشهرة.. أو إلى الفشل والسقوط إلى الهاوية..!
..فماذا كان رأي الفريد وموقفه..؟
..بعد انتهاء التسجيل كان الفريد أول من صفق للفهد بصدق وقرَّبه منه وهمس في أذنه: يا فهد سيكون لك مستقبلاً واعداً إن شاء الله.. وأعطاه بطاقة فيها عنوانه ورقم هاتفه في القاهرة وقال له: أول ما توصل القاهرة ابقى كلمني وخليني أشوفك..! لم يصدق الفهد ذلك الموقف النبيل، وظنها مجاملة عابرة من موسيقار شهير لمطرب ما زال في أولى درجات السلم نحو عالم الغناء.
..لكن الحقيقة أن الفهد وبعد وصوله للقاهرة وخلال فترة وجيزة فقد بات من أعز الأصدقاء المقربين للفريد، رغم أن تعاونهما الفني جاء متأخراً عما هو مفترض، فكانا يلتقيان في ديوان الفريد أسبوعياً في سهرات عامرة مع مجموعة من الفنانين والفنانات بما كانوا يسمونها "الشلة".. ويقابلها "شلة" أخرى منافسة لها وهي شلة عبد الحليم حافظ.. وبين هذه الشلة وتلك، كانت تحاك "المؤامرات" والمخططات الفنية والإعلامية للنيل من الأخرى، وهكذا كانت الحرب الباردة - البريئة منها والساخنة المقصودة - تدور بين تلك الشلل في المجتمع الفني في مصر..
..قدم الشاعر الكبير الراحل صلاح جاهين للفهد كلمات أغنية اسمها /ما قدرش على كده/ وكلكم تعرفونها، وبدوره قدمها الفهد لصديقة الفريد ليتولى تلحينها.. وهذا ما حدث فعلاً، فتم تسجيل الأغنية على اسطوانات، وتم الإعلان عن أول حفلة يشترك فيها الفهد مع الفريد وسعاد محمد على مسرح بيسين عاليه في لبنان حيث سيشهد الجمهور اللبناني والعربي أول لقاء فني وأول حفل غنائي يجمع بين الصديقين الحميمين.. فهل مضت أمور الحفل المفترض على خير..؟!
..نتابع برفقتكم الطيبة:
..بعد أن استوفت الإعلانات حقها عبر كافة وسائل الإعلام الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، وفي المساء المقرر لموعد الحفل، وصل الفهد عند السادسة قاصداً البوابة الخلفية للمسرح، وقبل دخوله استوقفه إثنان من رجال الشرطة اللبنانية يقودهما ضابط أمن قال للفهد: أستاذ فهد.. مرحبا.. ممكن تتفضل معنا للمركز القريب لربع ساعة فقط..؟ استهجن الفهد الطلب وأجاب: خير إن شاء الله.. في شي..؟ بعدين أنا بعد ساعة لازم تبدأ وصلتي الغنائية.. وخلي موضوعك ليوم الغد وبيصير خير.. إلا أن الضابط أصر على طلبه وبدا أنه لن يتراجع..!
..وافق الفهد على مضض، على وعد بإعادته للمسرح بعد نصف ساعة على أبعد تقدير، وصلوا إلى المركز الأمني، وأدخلوا الفهد إلى مكتب النقيب /منير معلولي/ - لا زلت أتذكر اسمه لليوم - وبعد أن شربا قهوتهما، افتعل النقيب اتصالاً هاتفياً رسمياً ومهماً واستأذن الفهد للخروج على أن يرجع بعد عشر دقائق.. وخرج فعلاً بعد أن أقفل باب مكتبه بالمفتاح والفهد ما زال داخله..!
..مضت الدقائق العشر.. ثم ربع الساعة ثم نصفها.. والنقيب لم يعد.. حاول الفهد فتح باب المكتب بلا جدوى.. فالباب موصد بالمفتاح.. بدأ الفهد ينادي صارخاً بأي من الموجودين في المركز لفتح الباب وإخراجه.. أيضاً لا جواب ولا جدوى.. النوافذ عالية والمكتب صغير المساحة ولا تسمح لأي محاولة لفتحها والصراخ والاستغاثة من خلالها..! فما العمل..؟!
..لا حلَّ في يد الفهد إلا الاستسلام والبقاء ضمن أربعة جدران ضيقة، وتراءى له أن في الأمر حيلة ومؤامرة.. لكن لماذا..؟.. وما السبب..؟.. ومن المستفيد..؟
..على الجانب الآخر في كواليس المسرح: كان هناك الفريد، ومرافقوه، والموسيقيون، والقائمون على إدارة الحفل.. كلهم ذابوا قلقاً على غياب الفهد بلا أي مقدمات ولا أي خبر يفيد بإمكانية تغيبه..!
..بدأ الحفل مع أمل القائمين عليه بوصول الفهد وأداء وصلته المقررة.. لكن ذلك لم يحدث.. فقدمت سعاد محمد وصلتها وأطالت بها لتعويض الوقت الضائع المخصص لوصلة الفهد بحدود ساعة واحدة.. وقبل إطلالة الفريد على المسرح، نوَّه معرف الحفل إلى غياب فهد بلان عن الحفل لأسباب طارئة..!
..أطل الفريد، وكان عوده قد سبقه.. وبدأ وصلته وانتهت على خير وكما يرام.. لكن الفريق كله بدأ يتساءل بخوف وقلق عن مصير زميلهم الفهد وأسباب تغيبه واختفائه..
..فما الذي حدث بعد اختتام الحفل..؟
..من ضمن الجمهور، كان الشيخ /بهيج تقي الدين/ يحتل مكانه في الصف الأول من قاعة الحضور، وكان آنذاك وزيراً للداخلية، وبعد أن انتهى الحفل وأسدل الستار، صعد إلى الكواليس ليسلم على الفريد والمشاركين، وبعد التحية والسلام سأل الشيخ بهيج عن سبب غياب الفهد عن الحفل. فأطلعوه عما حدث، إلا أن أحد الموسيقيين برز فجأة وقال للوزير تقي الدين: لقد علمت لتوي من أحدهم أنه شاهد ثلاثة رجال أمن يقتادون الفهد إلى سيارة الشرطة ومضوا بسرعة إلى مكان غير معروف..
..هنا تم التقاط رأس الخيط في اللغز المحير.. فقد أمر وزير الداخلية مرافقه بإجراء اتصالاته اللازمة للبحث والتحري عن المطرب /فهد بلان/ والوقوف على سر غيابه ومصيره المجهول. وأعطاهم مهلة حتى صباح اليوم التالي لتقديم تقريرهم الرسمي حول قضية اختفاء.. أو إخفاء الفهد. وعند الصباح كان التقرير جاهزاً على طاولة الوزير.. بينما الفهد كان قد وصل الفندق بعد إخلاء سبيله بلا أي استجواب أو قضية..! لكن الذي حدث أن القضية كانت قد انطوت على سـرِّ في منتهى الغرابة.. والنذالة.. والحقد.. فما الحكاية..؟
..قبل الحفل بليلة واحدة، كان الضابط النقيب في الشرطة /منير معلولي/ يشرب القهوة مع صديق له، وهو "مطرب.. ومن سوريا.. وللأسف"!.. وأتى الصديقان إلى حديث عن حفل يوم الغد وسأل معلولي صديقه: لماذا لم تشارك أنت أيضاً مع فريد و فهد بلان في الحفلة..؟ فرد عليه: هيك.. نصيب..! فاستأنف النقيب حديثه لصديقه: شو رأيك أنا ممكن امنع فهد بلان من المشاركة في الحفل..؟ فنهض صديقه ملهوفاً وقال له: بعرضك فيك تسويها.. طيب كيف..؟ ابتسم النقيب وقال له: في درج طاولتي هنا أمر بإلقاء القبض على فهد بلان تنفيذاً لحكم غيابي صدر بحقه قبل سنة.. بقضية لصالح متعهد حفلات!.. وأنا بإمكاني أن أنفذ الأمر فوراً..!
..لا داعي للتفصيل أكثر.. فقد تم تنفيذ "المؤامرة" بعد إلحاح و ربما "رشوة" قدمها ذلك "المطرب السوري" للضابط مقابل عرقلة الفهد ومنعه من الاشتراك بالحفل.. وتلك كانت الحكاية باختصار..
..من كان ذلك "المطرب السوري المحترم" الذي حرك تلك القضية ضد صديقه و زميله و ابن بلده فهد بلان، وحرمه من فرصة رائعة للوقوف والغناء على خشبة مسرح يقف عليها فريد الأطرش..؟!..
..ما حدا منكم يسألنـي عنه.. وبلا إحراج..!
*****
 ..العودة النهائية من القاهرة إلى وطنه سوريا..
=================================
..استمرت إقامة الفهد في القاهرة حوالي عشر سنوات تقريباً، تخللتها زيارات فنية إلى سورية ولبنان وبقية الدول العربية والأجنبية لإحياء العديد من الحفلات الغنائية.
..وحدث في القاهرة خلال فترة إقامته هناك أن اشتدت رياح المنافسة الحادة بين قطبين من أقطاب الغناء العربي: فريد الأطرش.. وعبد الحليم حافظ، فكانت فرصة نادرة لمتعهدي الحفلات الغنائية أن يستثمروا تلك المنافسة لصالح شباك التذاكر، حيث تسارع السباق بين الفريد والحليم لإحياء الكثير من الحفلات في مصر ليثبت كل منهما وجوده وتجدده وقدرته على التفوق على الآخر.
..كان محمد عبد الوهاب شريكاً لعبد الحليم في شركتهما "صوت الفن" للانتاج الفني – الغنائي والسينمائي، وقد جنـَّـد الشريكان كل إمكانياتهما في تلك الشركة لخدمة ودعم عبد الحليم حافظ في حملته التنافسية ضد فريد الأطرش. وحدث أن خبراً تسرب إلى مسامع عبد الحليم بأن الفريد قد قرر إقامة حفلته الغنائية وحدد موعدها ومكانها سراً في البداية، فما كان من الحليم إلا وأن اتخذ قراره بإقامة حفلته هو الآخر في الموعد نفسه وعلى مسرح مقابل للمسرح الذي اختاره الفريد لحفلته..! ذاك كان مثالاً عملياً على شدة التنافس والمزاحمة بين هذين الفنانين الكبيرين..!
..وفي خضم تلك الحرب التنافسية بين الفريد والحليم، فقد انزوى غالبية الفنانين في بيوتهم، منهم من بقي في القاهرة يبحث عن عمل فني ما.. ومنهم من غادرها إلى حيث يمكنه إقامة حفلة أو أكثر في بلد عربي أو في إحدى دول المهجر.. وكان من ضحايا تلك الحالة:
..محمد رشدي، فايزة أحمد، محرم فؤاد، وغيرهم.. وكذلك انسحب الأمر على الكثير من الملحنين المصريين..!
..كان الفهد من بين الذين انحسر الطلب على حفلاته الغنائية خلال تلك الفترة القصيرة نسبياً بسبب تلك المنافسات بين الفريد و الحليم، الأمر الذي وصل به إلى وضع مزري من ضيق الحال مادياً، وكذلك الحال مع صديقه المقرَّب جداً الموسيقار /سيد مكاوي/ الذي أرسل زوجته السيدة زينات - وابنتيه أميرة وإيناس/ إلى بلدته في الصعيد، واتخذ من شقة الفهد في الزمالك ملجأً يلوذ به مع صديقه الحميم، اختصاراً للمصاريف حيث قرر الصديقان عندئذ شدَّ الحزام على البطون..! فلا حفلات ولا إنتاج ولا مصدر تمويل لأي منهما.. والصديقان لهما شلة ليست بالقليلة بعددها وطبيعتها – الأشعبية – التي ما كانت تتوانى عن استغلال الكرم الحاتمي الذي امتاز به الفهد.. لكن الوضع اليوم اختلف ولم يعد باستطاعة "حاتم بلان" إلا أن يحتذي بسلفه "حاتم الطائي" فيذبح صديقه سيد مكاوي ويقدمه لضيوفه.. كما ذبح الطائي حصانه في قديم الزمان..!
..أقفل الفهد على نفسه باب شقته، وسحب خط الهاتف منعاً لاتصالات الأصدقاء، و بات مع صديقه – كفيف البصر - يستهلكان ما اختزنه من قبل في ثلاجته من مأكل ومشرب و"منفس" بعد توقف السوبر ماركت المجاور عن بيعه بالدين محتجاً بالفواتير العالية التي لم يسددها الفهد بعد..!
..خلال سهرة خاصة لي مع الفهد لوحدنا فقط في غرفته بالفندق في مدينة سوسة التونسية، وكنا قد انتهينا قبل الفجر من حفل غنائي أحياه في منتجع قصر الشرق، فاضت قريحته واستأنف ذكرياته أعلاه وبعد تنهيدة طويلة قال:
(..ذات صباح استيقظت مبكراً، ووقفت أمام المرآة لأحلق ذقني و أتأمل نفسي و وجهي.. وحالتي التي باتت يرثى لها.. تذكرت ثروتي التي أهدرتها بالملايين وأنفقتها في بيروت والقاهرة بلا حساب وعالرايحة والجاية.. حيث كان بإمكاني آنذاك أن أمتلك بها القصور والعمارات أو أؤسس المشاريع التجارية والسياحية.. لكنها ثروة تبخرت مع رياح التبذير.. كاد الندم أن يقتلني، لكني أوكلت أمري لله وقررت تغيير مجرى حياتي منذ ذلك الصباح..)..!
..وتابع الفهد حديثه لي:
..بعد ساعة.. سمعت جرس الباب.. ظننته صاحب السوبر ماركت وقد جاء يطالبني بسداد الفواتير، ترددت في فتح الباب.. لكن الزائر المجهول كرر محاولاته حتى استيقظ صديقي سيد مكاوي وأخذ يصرخ من غرفته: ما تفتح الباب يا فهد.. وهايكون مين يعني.. عبد الحكيم عامر..؟!..
..نظرت من العين السحرية للباب وإذ به رجل أسمر يرتدي بدلة رسمية منفوش الشعر وبيده ظرف كبير.. دارت أفكاري وتخيلاتي و ظنوني، من هذا زائر الصباح؟
..توكلت على الله و رددت الشهادتين وفتحت الباب..
..وأكمل الفهد حكايته: حياني الرجل وقال لي بلهجة قريبة من المصرية: أنت فين يا أستاذ..؟ سعادة السفير بيتصل فيك من أيام وأنت ما بتردش على التلفون..؟! دعوته للدخول وسألته: سفير مين يا افندم..؟ أجابني: أنا ممثل سعادة السفير الليبي في القاهرة، وكلفني بتوصيل دعوته لك نيابة عن الأخ العقيد القذافي لإحياء حفلات الفاتح.. في ليبيا..!
..أيواا. هون حطنا الجمـَّـال..! قلتللي السفير الليبي؟ حاضر يا خويا.. حاضر..
..وبعد أن طرق الفهد كأسه بكأسي، شفط قليلاً من الويسكي.. واستأنف يقول:
..عند ظهيرة اليوم ذاته كنت في مكتب السفير الليبي، حيث أبلغته قبولي الدعوة ورجوته بأن يرافقني الموسيقار سيد مكاوي في تلك الرحلة الفنية.. فوافق وأمر لي بمبلغ كبير كجزء من مستحقاتي المقبلة.. والحمد لله فرجت الأمور المالية.. بعد أيام، وصلت مطار طرابلس الغرب وبرفقتي صديقي الموسيقار.. ومن المطار إلى الفندق.. ومنه إلى رحلة دامت لشهر ونيف أحييت خلالها عشرات الحفلات في عدة مدن ليبية وسجلت عشرات الأغنيات العاطفية والوطنية لإذاعة ليبيا وكلها كانت من ألحان سيد مكاوي..!
..عدنا للقاهرة وجيوبنا ملآى بالمال.. لكن الحرص والانتباه – وليس البخل – كانا بالمرصاد لكل جنيه قد أفكر في إنفاقه بلا حساب دقيق.. من اليوم وطالع.. فالتجارب علمتني..!
..سألت الفهد: و لكن هل كفَّ العندليب الأسمر عن ضرباته وحملاته ضد الفريد وضدك أنت وغيركما من الفنانين..؟!.. فكان جوابه الصادق:
.."يا عمي يا عماد.. والحق يجب أن يُقال.. عبد الحليم شبانة – حافظ – فنان عربي عظيم ذو صوت نادر وحنجرة قادرة طروبة استطاع أن يغزو ويصل على متنها إلى قلوب وعقول الملايين من معجبيه في العالم العربي، رجل ذو عقلية نيرة ورؤيا واسعة، يقدر المسافات ويحسب الأبعاد بدقة خيالية، يجاهد في اختيار أعماله، ويسهر الليالي يخطط ويرسم لتسويق ما ينجزه من أغنيات وأفلام.. إنسان ذكي، لمـَّاح، صارم وحازم.. كل ذلك لم يأتِ من فراغ.. بل ولعلَّ طبيعة ولادته ونشأته وتربيته في ملجأ الأيتام صنعت منه شخصية انطوت على روح التحدي ورغبة التفوق والانتصار حتى على أقرب المقربين منه إلى درجة الهوَس الشديد.. وهذا ما استولد فيه حالة من العدوانية.. ولا أبالغ بالقول بأنه لم يكن يتردد في الصعود إلى القمم.. ولو على جماجم الآخرين..!".
..كان الحليم وعبد الوهاب في جبهة، وكثيرون من المطربين والملحنين في جبهة أخرى: الفريد.. الموجي.. سيد مكاوي.. فهد بلان.. وردة الجزائرية.. فايزة أحمد.. وغيرهم وغيرهنَّ..
..وخلال حديثه قال لي الفهد: أنه وفي القاهرة، وخلال مدة غير قصيرة اعتاد خلالها أن يتلقى اتصالات هاتفية بعد منتصف كل ليلة من مجهولين بنبرات التهديد والتحدي تقول له:
..إيييه.. إنت يا شامي.. بتعمل إيه هنا..؟ ما تمشي و تروح بلدك يا...! يا تمشي بالذوق.. يا إما أحنا نمشيك بالعافية..!.. ثم يصحو في اليوم التالي ليجد سيارته وقد ثقبت عجلاتها.. أو تحطم زجاجها.. أو شطبت بأداة معدنية حادة.. وكل ذلك من قبل فاعل "خير" مجهول!
..والتف حبل الحصار وضاق عليه حتى في إذاعة صوت العرب، وتلفزيون مصر الرسمي، فتم اختصار بث أغنياته وتأجيل أو إلغاء مواعيد تنفيذ تسجيلاته تحت حجج واهية، واشتد ضغط نقابة الفنانين المصرية على تحميله ضرائب مالية باهظة محتسبة عن نشاطاته وحفلاته الغنائية لكونه سوري ولا يحمل الجنسية المصرية..!
..والسؤال العريض: هل كان عبد الحليم وراء تلك الأحداث وغيرها.. والله أعلم..؟!
..ومع اشتداد قوة تلك العواصف العاتية في وجهه، ومع أن شخصية الفهد قد تميزت بالصبر والصمود، إلا أن طبيعته تنطوي على شفافية وصفاء ونقاء.. لا ولم يعرف الخبث ولا الدهاء ولا المكر حتى ضد ألد أعدائه.. عندئذ قرر الرحيل والعودة إلى حضن وطنه الغالي.. سوريا..
..وكان للبرقية التي تلقاها ذات يوم من مكتب رئاسة الجمهورية العربية السورية نيابة عن الرئيس الراحل حافظ الأسد، أكبر الأثر في تسريع انتقاله الدائم إلى دمشق والسويداء.. وبقية مدن وطننا الغالي.. سوريا..
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (10و 11)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (9)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح (4)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان- ح (2) و(3)
"أكاديمية دار الثقافة" تطلق اليوم الفيلم الوثائقي "الهدف" في مخيم مار إلياس
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(1).. مع البدايات
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
فواز الساجر و"ثلاثية نكون أو لا نكون"
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق
9 كتب جديدة ضمن إصدارات الهيئة العربية للمسرح
بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر
محمّلاً بالأسئلة الراهنة صدور العدد 47 من مجلة المسرح العربي