كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

غسّان مسعود.. المتألّق

وسام كنعان

متأخراً حضرت لقاء النجم العالمي غسان مسعود عبر منصة "شاشا". وكان لا بد من حضورٍ متأمل، ومتأنٍ، وهادئ، بعيداً عن أي ضجيج، لكي أحاول أن أرى واحداً من أصدقائي المقرّبين: ماذا أراد أن يقول بعد سنوات الصمت؟
الجملة التي اختارها صنّاع البودكاست عنواناً فرعياً لهذا اللقاء، بعد عنوانه الرئيسي "قصتي"، تسمح، مبدئياً، بالقول إن الرجل اختار منذ البداية أن يذهب إلى مساحات من الكلام في حقل ألغام. ومع ذلك، امتلك جرأة الخوض في هذا المكان والزمان المأزومين، لأسباب كثيرة بات يعرفها القاصي والداني.
بدايةً، حكى عن طفولته وسنواته التأسيسية، والمساحات الشاسعة من الجغرافيا التي بنت مخياله البصري، وفتحت عينيه على طبيعة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مسيّجة بالفقر، ومفتوحة على الدلالة والمعنى.
يصف غسان مسعود ضيعته فجليت، الواقعة على مرمى حجر من الدريكيش في طرطوس، كما عاشها: فلاحاً ابن فلاح، ينتظر مع أهله وأبناء قريته الرعد الهزيم والمطر الغزير وهما يأتيان من فجّ عميق، ليكون الموسم مشعّاً ومتوهجاً كما كان الجميع يتمناه. ثم يعقّب، بذكاء يُحسب له، بأنه عندما يحكي عن هذه القرية، فإنه يحكي عن كامل الجغرافيا السورية، وعن كل القرى فيها، كلٌّ بما يخصّه وما يعنيه من خصوبة يانعة وذكريات متراكمة.
وفي هذا الجزء من اللقاء قال:علّمني الفقر أن أحلم، وأن أتقصّى وأطارد أثر حلمي، وأن أحلم كثيراً وأعمل أكثر، وإلا سأبقى مجرد حالم.
هكذا علّمه الفقر أن تبدأ الأحلام صغيرة، ثم تكبر مع اتساع الحياة، أما ما عدا ذلك فمجرد كلام لا معنى له على أرض الواقع.
بعد ذلك، يستفيض في الحديث عن الفترة التأسيسية للمعهد العالي للفنون المسرحية، وكيف تلقّف وزير ثقافة وازن فكرة دفعة من الشباب الذين درسوا في أوروبا، وأوصل صوتهم إلى الدولة آنذاك، لينطلق المعهد العالي للفنون المسرحية، ثم يصبح غسان مسعود فيه مدرساً بقرار من أستاذه الراحل فواز الساجر.
ويتابع حديثه ليصل إلى مطرح شائك، هو علاقته بأولاده، وبابنه سدير، الذي اختار ألا يقع معه في الخطأ نفسه الذي وقع فيه مع ابنته لوتس، عندما أخرج لها مسرحيتين، فعرّضها للأقاويل و والشائعات والاتهامات المسبقة بأنه يريد لها أن تصبح كاتبة، أو أنه ساهم في كتابة نصوصها. استفاد من الدرس، فقرر أن يترك ابنه "يلعب وحده ويرجع غانماً"، امتثالاً للمثل الشعبي: "العب وحدك ترجع راضي." وهي جملة آسرة تطفح بالحكمة. وحقاً استطاع سدير أن يحقق نجاحات جماهيرية ونقدية متلاحقة، كان آخرها المسلسل المصري "عين سحرية"، قبل أن يختار، في حلقته الأخيرة، أن يعرّف عن نفسه للمرة الأولى باسمه الثلاثي: سدير غسان مسعود.
كثيرة هي الأفكار التي تحدث فيها غسان في هذا اللقاء، ولكن ربما يكون أكثرها بهاءً وعلوّاً، ويحتاج فعلاً إلى التأمل الواضح والصريح، عندما قال إن التمثيل قائم على كلمة "لو". "لو" التي ترفعك من الواقع إلى الخيال، وفي الخيال يُخلق فن التمثيل بما يكتنزه، أو ما يندرج تحته، من مختلف الفنون الأدائية.
الحالة التوصيفية، والتعريف، والمنطق التنظيري، بالعمق والشرح الوافي، ليست غريبة عن غسان مسعود كذلك، لكنها من أكثر المرات التي يلفت فيها الانتباه بتعريفٍ مُشرَّح، ومبتكر، وجديد لفن التمثيل، وبالعلاقة الدقيقة بين الواقع والخيال، وما تتيحه تلك المسافة من اجتهاد على مستوى الأداء.
كما كان لافتاً أن يصنّف الأدوار التاريخية بأنها الأصعب مقارنة بأدوار الدراما الاجتماعية، مؤكداً أن استحضار الشخصية التاريخية وإعادة تجسيدها يحتاجان إلى جهد إضافي من أي ممثل.
ولا تقل أهمية صراحته عندما كشف أنه اختار الابتعاد خمس سنوات عن الشاشة، لأنه لم يُقدَّم له عرض يستحق العودة، سواء على مستوى النص، أو الإخراج، أو الإنتاج، أو الأجر. ففي بعض الأحيان كانت تنقصه حلقة واحدة، وفي أحيان أخرى كانت جميعها ناقصة. وقال بوضوح بما معناه: "لا أريد أن أحضر على الشاشة، ولا أريد أن أشتغل من أجل الفلوس فقط. سأجلس لأتفرج، وأختار الصمت، لأن الصمت، في كثير من الأحيان، يكون خياراً ناجعاً."
ومن الأفكار اللافتة أيضاً قوله إن الغرور لا يكون منصفاً إلا في حضرة الحمقى، أما في غير ذلك فالتواضع هو الخيار الوحيد. إلى درجة أنه لا يستطيع أن يقول: "أنا غسان مسعود" بهذا القدر من الاعتداد، لأنه كلما ازدادت معرفته، ازداد تواضعه، وأدرك حجمه الحقيقي أمام بحر المعرفة الهائل.
على أي حال، جوانب اللقاء غنية، وتطفح صدقاً وعفوية، وهذا هو سقف ما يتمناه المتابع من أي لقاء مع فنان.
في هذا اللقاء، أتعرف مجدداً إلى غسان مسعود الذي عرفته جيداً: صديقاً قريباً لا يتخلى عن أصدقائه، ولا يتنكر لتاريخه معهم، ولا يتوانى عن دعمهم في السراء والضراء، وهذا وحده يستحق انحناءة تحية كبيرة..
شخصياً، أتمنى أن أرى غسان مسعود كلما كان لديه شيء يقوله. وربما لهذا السبب اختار الصمت سنوات طويلة، لأنه، حين يتكلم، يريد أن يكون للكلام ما يستحقه.