مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
2026.07.22
عماد بلان
..من دمشق إلى بيروت..
..وبداية المشوار مع رفيق دربه عبد الفتاح سكر..
================================
..بعد العودة من رحلة حلب الفنية، توطدت العلاقة بين الفهد وزميله الفنان الموسيقار /عبد الفتاح سكر/ رحمه الله، والذي كان، كما ذكرت آنفاً، رئيساً ومدرباً لفرقة الكورس، وعازفاً على آلة الكونترباص. واتفقا على أن ينهلا من التراث الشعبي عامة والجبلي خاصة لإعادة صياغته كلاماً ولحناً بما يتلاءم وشخصية الفهد الغنائية الجديدة التي رسما ملامحها بكل حرفنة وذكاء، وبذلا الكثير من الجهد في التأسيس حتى فوجىء الجمهور في سوريا ومن خلال إذاعتها بلون غنائي جديد ما سبقه لون.. شكلاً ومضموناً.. أداءً وحضوراً.. كل ما فيه يدعو للإعجاب والتأمل.. فكيف كانت البداية الأولى بينهما..؟
..ذات يوم، وفي مبنى إذاعة دمشق، دخل الفهد مكتب زميله /عبد الفتاح سكر/ الذي كان يدندن ويلحن أهزوجة وطنية لمطرب معروف آنذاك، جلس الفهد منصتاً إلى محاولات صديقه عبد الفتاح صياغة اللحن الجديد لأغنية يقول مطلعها:
..ع سهولنا وجبالنا طير الهنا غنـى لنــا..
التاريخ بيضا صفحتو من مرجلة أبطالنا..
..لاحظ الفهد أن الجمل الموسيقية التي يرددها عبد الفتاح كانت بعيدة نوعاً ما عن طبيعة الكلمات ونكهتها التراثية، فطلب من صديقه الملحن أن يتوقف عن العزف ويستمع إليه، وبدأ يغنيها بلحن آخر مختلف تماماً عن لحن صديقه الملحن.. لحن تراثي مستوحى من فولكلور جبل العرب، لحن ذو إيقاع وأداء حماسي متناسب مع كلمات النص ومغزاها الوطني.. انتفض عبد الفتاح من على كرسيه.. وضع العود على الطاولة وقام يعانق الفهد فرحاً: برافو فهد.. برافو.. يسلم تمك.. هيك أفضل.. والله ما رح يغنيها إلا أنت وبهذا اللحن كمان..! وهذا ما حدث فعلاً.. ومن تلك اللحظة كانت البداية الموفقة بينهما..
..آنذاك، كانت السمة الرئيسة لأغاني ذلك الزمان هي النواح والبكاء والتوسل للحبيبة أن تشفق على العاشق "المضروب على رأسه" المرمي ذليلاً تحت شباك بيتها يرجوها نظرة عابرة من عينها الكحلى.. على نغمة مقام الصبا الحزين الذي يبكي البشر.. وربما الحجر..!
..هكذا تعود الناس على معظم المطربين في ذلك الوقت.. فكانت الجماهير تغفو على مقاعدها أمامهم وهم غارقون في أغنيات البكاء والنواح – نعرفهم وتعرفونهم - ..حتى خرج عليهم فجأة شاب يفيض رجولة ووسامة وحيوية وجاذبية، تختزن حنجرته صوتاً جهورياً عريضاً يتنقل بأريحية ومرونة ضمن مساحات واسعة بين أدنى قرار وأعلى جواب في نغمات ومقامات الموسيقا الشرقية.. يغني للجبل والسهل والوادي بكل رجولة.. يهز كتفيه متراقصاً بلا ابتذال ولا ميوعة، وإنما بكل هيبة ممزوجة بخفة ظل متميزة، ملوحاً بمنديل أبيض وكأنه في حفلة عرس جماهيري.
..ظهر فهد بلان ليوقظهم من سباتهم الطويل وكأنه يقول لهم: "..أنا هنا أيها السادة..! على هذا المسرح أو ذاك.. أقف مطرباً بكل معنى الكلمة.. أتغنى بما تشعرون وتتغنون به من أهازيج وأناشيد في أفراحكم وأعراسكم.. في زرعكم وحصادكم.. في حروبكم وانتصاراتكم.. بلهجتكم ومفرداتكم اليومية الطبيعية بلا أدنى تكلف أو افتعال..". فكان الفهد خير من عبـَّـر عن روح جماهير بلادنا الكادحة، وكانت – وما زالت - جماهيره من الفلاحين والعمال والجنود وطلبة المدارس، حتى الكثير من المثقفين أو "المتثاقفين"، ممن اعتادوا أن يترفعوا عن سماع اللون الشعبي في الغناء، فقد أصبح جلُّهم من أشد المعجبين بمن برز فجأة على الساحة الفنية الغنائية والتمع نجمه في سمائها..
..فكان: فهـد بــلان..!
..من واقع هذا المناخ الغنائي السائد آنذاك، ومن على تلك القاعدة الراسخة، انطلق "الصاروخ" بسرعة البرق يجول في سماء سوريا ومن بعدها إلى لبنان..
..وهناك.. في لبنان كان أول من تلقف الأنباء الأولى عن ذلك الصوت البلاني الهادر والآتي من قمم الجبال.. هو الفنان اللبناني "محمد سلمان" وبالمناسبة هو مسبع الكارات في عالم الفن: مطرب.. ملحن.. شاعر.. كاتب.. مؤلف أفلام.. ومخرج سينمائي مشهور.. سمع بالنجم الصاعد فهد بلان من خلال إذاعة دمشق.. فقرر السفر إلى دمشق للقاء الفهد وبحث إمكانية استغلاله في مشاريعه الغنائية والسينمائية، وهو – أقصد محمد سلمان – معروف عنه بذكائه الحاد و شطارته في اقتناص الفرص الثمينة كلما سطع نجم مطرب أو فنان جديد طمعاً في احتكاره في عقد قد يستمر لخمس سنوات متواصلة مراهناً على جني الآلاف من الليرات من ورائه..
..وهذا ما حدث، فقد اتفق محمد سلمان مع الفهد اتفاقاً مبدئياً يقضي بموافقة الفهد على تمثيل فيلمين سينمائيين على الأقل وإنتاج العديد من الأغاني، بينما يتولى سلمان تحمل تكاليف الإنتاج والتسويق والتوزيع التجاري.. لكنه كان على دراية عالية بالمحصلة التي ستدرعليه الثروة الهائلة.
..وعند المساء وصل الفهد إلى بيتنا المشترك – في دمشق – وبرفقته محمد سلمان، نحن لم نكن نعرف من هو هذا الضيف اللبناني خفيف الظل وكثير الحركة والكلام ..جلس على كرسيه في فسحة الدار وأمامه جلست جدتي أم غالب تستمع إلى بعض من تفاصيل اتفاقه مع ابنها الفهد.. حتى وصل إلى الخبر الذي كان وقعه كارثياً على مسامع الأم العجوز عندما أبلغها بأنه و الفهد سيسافران معاً الليلة إلى بيروت..!
..تنهدت بحسرة و قالت له: "لوين يا خيي لوين؟.. مسافرين الليلة لبيروت أنت وابني فهد..؟!.. لا.. دخل عمرك يا خالتي.. لوين بدك تجرجروا معك لبيروت.. خليه عنا هون أبقدرش فارقو لحظة لفهد..! لكن محمد سلمان كان الأقدر على إقناع الأم الحنون المصدومة بالخبر:
"لا ياخالتي.. لازم تدعيلو بالخير.. بكرا بتشوفيه أعظم مطرب وأشهر فنان.. بعد كم شهر رح تشوفيه قدام البيت هون جاييك بأحلى سيارة جديدة وجيوبه معباية بالمصاري!.. جففت الأم دموعها وقالت بنبرة حزينة: دخلك بدي إسألك يا خالتي: أكله وشربه عليكم..؟!
..وهنا "فقعها" محمد سلمان يقهقه بضحكة عالية زلزلت أركان البيت.. ومضى الرجلان نحو بيروت حيث كانت الإنطلاقة الفنية الأولى للفهد، بعد أن التحق بهما الموسيقار /عبد الفتاح سكر/.
..غاب الفهد عنا في بيروت لمدة ستة شهور تقريباً.. كنا خلالها نتلقف أخباره من الراديو وبعض المجلات التي كانت زوجته الأولى السيدة /نادية/ مثابرة على اقتنائها فكانت هي من تبلغنا بأخبار زوجها: مقابلات.. تسجيلات.. حفلات.. مشاريع تصوير أفلام.. فعلاً كان الفهد آنذاك مالىء الدنيا وشاغل الناس.. حتى أن شهرته لامست بل وأثرت على المكانة الجماهيرية لبعض عثاولة الأغنية اللبنانية كالعظيم وديع الصافي والشحرورة صباح ونصري شمس الدين وغيرهم من عباقرة الغناء، ولا يرتبط السبب في ذلك مطلقاً بأن هؤلاء أقل مكانة وقدرة وعطاءً فنياً من الفهد، فهم كانوا خلال حياتهم – وبعد رحيلهم – من أعمدة الفن العربي ومن أهم أركانه، ولكن السبب المباشر يرجع إلى هذا اللون "البلاني" الجديد الصاعق الذي فاجأ الجمهور في سوريا و في لبنان: صوتاً وشكلاً وأداءً ومدرسة متكاملة لم يسبق لأي مطرب أن أسس مثلها من قبل.
أما نحن – في دمشق – فقد انتظرنا عودة الفهد إلينا على أحر من الجمر، وكلما سمعنا صوت سيارة تقف أمام بيتنا، كنا – شقيقي عصام وأنا - نهرع للخارج ونحن نردد: إجا عمي فهد..! فيخيب أملنا عندما ندرك أنها سيارة جارنا "أبو مروان اللحام"..!
..ولا زلت أتذكر وأنا طفل في الخامسة أرافق الأهل.. والدتي وأشقائي عصام ورحاب وجدتي أم غالب، نجوب شوارع وأسواق دمشق، فلا نسمع في راديو الباص أو المحلات التجارية إلا الفهد وهو يصدح بـ: يا بنات المكلا.. لركب حدك يا الموتور.. جس الطبيب.. يا سالمة.. وغيرها من أغنيات كانت وماتزال تعيش في ذاكرتنا حتى اليوم .
..ذات مرة و أثناء تجوالنا للتسوق، مررنا بجوار مطعم شعبي مكتظ بالزبائن، وقد فتح صاحبه المذياع على أعلى مدى والفهد يغني: يا سالمة.. أوقفتنا جدتي أم غالب فجأة وقالت بصوت عالي: ولك يا بعد عمري يا يمـي يا فهد.. يقبرني هالصوت..! فما كان من المارة وزبائن المحل إلا أن انتبهوا وتجمعوا بالعشرات حولنا، بل التفوا حول جدتي أم غالب وهي ترفع يداها للسماء ومن قلبها الغامر بالفرح والفخر تدعو الله تعالى لإبنها بالنجاح والتوفيق.. بينما الناس المتجمهرة حولنا يستدعي بعضهم بعضاً:
..تعالوا شوفوا.. هاي أمه لفهد بلان..!
..وبعد قليل – وأمام فندق سميراميس بدمشق – مررنا أمام محل مصور، كان قد ثبت على واجهة محله صورة كبيرة للفهد بقياس لا أظنه أقل من 70 × 50 سم في إطار جميل ثمين.. دخلت جدتي أم غالب المحل وسألته: خالتي.. قديش ثمن هالصورة لفهد بلان..؟ أجابها بعشر ليرات يا خالتي.. ردت عليه مستنكرة: قــر.. كثير هيكي.. ما أني أمه يا خالتي..! فضحك و رد عليها فوراً: لطالما أنتِ أمه لفهد.. لكان منشانك بعشرين ليرة..!