متصرف وشيوخ- الجزء الثاني
2026.09.24
سيمون خالد علي
المعركة على المعلم وما بقي من الشبكة
كيف حاولت الدولة العثمانية أن تصل إلى قرى جبل اللاذقية بين 1889 و1893
المعركة على المعلم
بدأت المواجهة مع الإرسالية، في آب 1890 أغلقت مدرسة إنكزيك بأمر من والي حلب. وفي أيلول 1890، أي في الشهر الرابع بعد وفود عيد الفطر، أغلقت مدارس جنديرية والمشيرفة وستمرخو وعين اللبن، بأوامر أعطيت لمخاتير القرى وشيوخها. وفي شباط 1891 استصدرت الإرسالية من والي بيروت أمرا بإعادة فتحها يسميها كلها بأسمائها، فلم ينفذ، وأبلغ المتصرف بيروت أنه لم يغلق أي مدرسة أمريكية.
ثم جاء خريف 1891. ففي 13 تشرين الأول استدعى المتصرف أربعة من أبرز العاملين مع البعثة، وهم معلمو القرى الأربع نفسها. وبدأ بفحص سجلاتهم ليرى هل يمكن إلزامهم بالخدمة العسكرية، فوجد أنهم أدوها أو دفعوا بدلا عنها. ثم عرض عليهم أن يعملوا معلمين في مدارسه الجديدة بأجور أعلى مما تدفعه الإرسالية. فرفضوا. ثم أظهر لهم ورقة أعدت ضدهم وعليها تواقيع عدد من مشائخ العلويين.
البناء يمكن أن يشترى أو يصادر أو يقام من جديد، أما الرجل الذي يعرف العربية والقرية والأسر ويستطيع التدريس والوعظ معا فلا يصنع في سنة. كان المورد النادر في هذه المعركة إنسانا، ولذلك كان العرض المالي أداة فيها كما كان المنع.
وفي اليوم نفسه، 13 تشرين الأول 1891، وقعت الواقعة الأخرى. فقد كان المبشرون قد اشتروا في خريف 1883 أنقاض دار وأرضها في الجنديرية من ثلاثة إخوة فارين من القرية، لم تكن أسماؤهم مقيدة في دفاتر الحكومة فلم يستطيعوا الحضور إلى المدينة لإصدار سند نظامي، فجرى البيع على العادة المحلية بورقة كتبها الأغا الذي كانوا يزرعون عنده وشهد عليها أربعة منهم مختارا القرية. ثم بنى المبشرون ثلاث غرف وبقي العقار في أيديهم تسع سنوات بلا منازعة.
ويقول إيسون إن الحاكم فتح للملاك السابقين الطريق، فوعدهم باسترداد ملكهم وبالإعفاء من الخدمة العسكرية إن جاؤوا وقدموا الشكوى. فجاؤوا. وأحال المتصرف الدعوى إلى المحكمة وأمر بقبولها، فمرت، ثم صدر الأمر في 13 تشرين الأول إلى مختار القرية بأخذ المفتاح من أخيه، وكان معلم المدرسة والقيم على العقار، وسلم العقار في اليوم التالي. ولم تبلغ الإرسالية بالدعوى ولم تدع للدفاع.
وفي تلك الأيام نفسها أوقف أربعة من معلمي المنطقة السابقين، كلهم مقيمون في الجنديرية، وأسماؤهم دبان دبي وسليم دبي وسلطان دبي وحنا إسكندر، فأحضروا أمام الحاكم واستجوبوا في دينهم وعملهم، ثم أمروا بألا يدرسوا للأمريكيين وصرفوا. وثلاثة من هؤلاء الأربعة من بيت واحد، واثنان منهم كانا قد انتخبا قبل ذلك بسنتين شيخ جماعة وشماسا في القرية نفسها. فالضربة وقعت على مجلس الجماعة المحلي.
وفي أول تشرين الثاني 1891 صعد المتصرف بنفسه إلى القرداحة وافتتح مدرسته هناك وأقام شهرين أو ثلاثة. وتقول تقارير الإرسالية إن اجتماعاتها في تلك النواحي تعطلت من ذلك اليوم إلى رأس السنة بسبب وجوده، وإن جنديا كان يرسل كل يوم تقريبا ليراقب المدرسة. وفي اليوم التالي مباشرة، في 2 تشرين الثاني، ذهب كاتب قيد المتصرف إلى اللدينة ومعه أمر بإخراج المعلمين من الدار وإبعادهم عن القرية. الخبران من مصدرين لا يعرف أحدهما الآخر، ولا يقول أحدهما إن الثاني نتيجة له، لكن اجتماعهما في يومين متتاليين يبين أن الافتتاح في قرية والإخراج من قرية أخرى كانا يجريان في موسم واحد وبأمر جهاز واحد.
وأثمن ما في وثائق اللدينة أن إيسون ينقل نص ورقتين أعدهما المتصرف بعد ذلك وأرسلهما إلى قائمقام صهيون ليوقع على إحداهما مخاتير القرية وعلى الأخرى أسرة الملاك السابقين. ومضمون الأولى شهادة بأن الأمريكيين لم يشتروا الأرض انما أخذوها قسرا، وأن معلمهم رجل مثير للفتنة. ومضمون الثانية إقرار من الملاك بأنهم لم يبيعوا قط. ويضيف إيسون مشهدين ،أن مخاتير القرية امتنعوا أولا، وأن أحدهم، وهو شاب، قال إن الورقة غير صحيحة لأن اسم أبيه وختمه على الأوراق الأصلية، ثم قال كيف أضع ختمي في وجه ختم أبي الميت، ثم وقع تحت التهديد،، وأن أسرة الملاك ترددت وقالت إنها إن أنكرت البيع فلن تستطيع أن تدعي أنها هي التي أقامت الأبنية، ولعل الأمريكيين يطالبونها بثمنها وليس عندها ما تدفع.
وقلّ أن يسمع في أوراق تلك السنوات صوت من ليس موظفا ولا مبشرا ولا شيخا. هنا يسمع، أسرتان من أهل القرية عالقتان بين مؤسستين. لا ولاء لطرف ولا عداء لطرف، انما حساب أسرة صغيرة تحت ضغط حاكم قوي.
وبقي أن يفهم بأي حجة كان هذا كله يجري.
المادة التاسعة والعشرون بعد المئة من نظام المعارف العثماني تشترط الإذن بفتح المدرسة، وكفاءة معلميها، واعتماد برامجها وكتبها، وتقرر إغلاق ما يفتح من غير استيفاء ذلك. ولا تجعل ملكية البناء ركنا من أركان الاعتراف بالمدرسة.
ومع ذلك فإن الذي ينقله إيسون عن المتصرف مباشرة شيء آخر. يقول إنه عرض عليه قرار حكومته بحق إعادة فتح المدارس القديمة، فأجابه، ليست لكم مدارس قديمة في الجبل، فالحكومة لا تعترف بمدرسة لا تملكون بناءها.
وهذه جملة تشرح السياسة كلها. فأكثر مدارس الإرسالية في الجبل كانت تعمل في بيوت مستأجرة أو موهوبة من أهل القرية بأسماء رعايا عثمانيين، من غير سند تملك باسم أمريكي. وإذا كانت المدرسة القديمة وحدها هي المعفاة من طلب الإذن الجديد بموجب اتفاق سنة 1887، وإذا لم تعد المدرسة مدرسة إلا إذا كان بناؤها مملوكا، فإن نزع البناء ينهي صفة القدم وينهي معها الحصانة.
ومن هذا التأويل تخرج سياسات متسقة،نزع الأبنية التي تملكها الإرسالية فعلا، ومنع المعلمين المحليين من العمل، وأخذ تعهدات من مخاتير القرى وشيوخها بألا يسمحوا للمبشرين بالدخول. وقد نفذت الثلاث في اثني عشر شهرا.
على أن الإدارة العليا لم تتبن هذه الصيغة. فحين رفعت الشكوى إلى بيروت، فصل والي بيروت إسماعيل كمال المسألة إلى شقين ،أن المستدعي تجرأ في البداية على فتح مدرسة لأولاد مسلمين من غير إذن رسمي، وعلاجه أن يطلب الإذن وفق القانون والعرف، وأنها في شقها الثاني مسألة ملكية وسند، وسبيلها دعوى أمام المحاكم المحلية. وقبل ذلك بعام، حين حاولت السلطة المحلية في المدينة إلزام إيسون بتعهد ثلاثي بألا يستعمل دارا بناها مدرسة وألا يؤجرها لذلك وألا يبيعها إلا لملتزم بالشرطين، احتجت المفوضية الأمريكية بأن حق الأجنبي في العقار يمتد من الشراء إلى الانتفاع، فلم تتمسك الآستانة بالشرط وصدرت الرخصة من غيره.
فالذي فعله ضياء أنه أخذ ثغرة حقيقية في وضع مدارس الجبل وحولها إلى معيار عملي. كان ذلك ابتكارا إداريا محليا،. وهذا وصف أدق له، وأشد إنصافا في الوقت نفسه.
وثمة وجه عثماني لهذه القصة لا ينبغي إغفاله. فتقرير مدير المعارف خليل كمال بك يتحدث عن نشاط الأمريكيين بين أهل الجبل في صهيون وما حولها، ثم يقول إن أعوان المبشرين الذين كانوا يجولون في القرى أبعدوا بفضل نشاط متصرف اللاذقية، ويصف ذلك بأنه جرى نظاما وأوامر. فأمامنا ثلاثة أوصاف للفعل الواحد، الطرف الأمريكي يسميه مصادرة وإغلاقا تعسفيا، ووالي بيروت يفصله إلى ترخيص وملكية، ومسؤول المعارف يعده تنفيذا للأنظمة.
قريتان تختصران القصة
في سهل اللاذقية قرية اسمها المشيرفة، قائمة إيسون تسجل أن مدرسة الإرسالية فيها أنشئت سنة 1865 على يد سليم صالح، وأنها أغلقت في أيلول 1890، وأن أمر بيروت بإعادة فتحها في شباط 1891 سماها باسمها ولم ينفذ. ثم تأتي حاشية ملحقة بجدول مدارس الإرسالية في تقرير رفع في حزيران 1892 فتقول بلغة الخصم نفسه، الحاكم بنى جامعا ومدرسة في المشيرفة. ثم يسجل الدفتر العثماني بعد اثنتي عشرة سنة، في جدول مدارس السنجق لسنة 1904، مدرسة في القرية اسمها ضياء حميدي، ومعلمها نجيب حليم أفندي، وفيها سبعة تلاميذ، وراتب المعلم مئة وخمسون قرشا.
ثلاث وثائق من جهتين متخاصمتين وبثلاث لغات تتفق على موضع واحد وعلى تسلسل واحد. وهذه من أوضح الحالات التي تلتقي فيها شهادات مستقلة من طرفين متخاصمين على المكان والتسلسل نفسه.
أما اللدينة فتعطي سيرة قرية كاملة على مدى نصف قرن.
مدرسة سنة 1868، وأرض وغرفتان سنة 1870، وغرفة كبيرة سنة 1875، وسند باسم المبشرين سنة 1877، وغرفة علوية وإسطبل سنة 1884، وبيت ينزل فيه قائمقام القضاء وموظفوه كلما جاؤوا القرية. ثم أمر الإخلاء في 2 تشرين الثاني 1891، وقد أمهل الكاتب الأسرة عشرة أيام حين رآها كبيرة، فأتاحت المهلة لإيسون أن يبرق إلى الوالي وأن يرسل صورة إلى القنصل، فجاءت برقية الوالي بوقف التنفيذ. ثم تجددت المحاولة في تشرين الأول 1892، فأبرق طبيب الإرسالية إلى القنصل، وجاء الجواب بأن الوالي أمر بعدم المساس بالعقار إن وجدت له سندات، فأغلق الطبيب الدار وأخذ مفاتيحها. ويصف الطبيب أسلوب المتصرف ،إنه مع أنه أمر بترك العقار وشأنه فإنه لم يلغ أمره صراحة، وإنما ترك الوقت يمضي من غير تنفيذ.
ثم أخرج المعلم. وكان الرجل مشرف مدارس الإرسالية في الجبل ومجازا بالوعظ، واسمه عيسى حوراني، وهو من حوران ،وابنه إبراهيم معلم المدرسة. فأمرا بالنزول إلى اللاذقية بحجة أنهما لا يملكان في القرية عقارا ولا عملا سوى التدريس. وبعد خروجهما هدم الفلاحون المبنى وحملوا مواده. ثم أرسل عيسى حوراني في ربيع 1893 بحراسة من الجنود إلى بيروت ومنها إلى موطنه في حوران، والسبب، بحسب رواية الإرسالية، أن الحكومة خافت نفوذه.
وبعد تسع عشرة سنة زار طبيب الإرسالية الموضع فكتب ما يغلق الدائرة، كانت لهم هناك دار من غرف عدة أقفلها يوم رحيل المعلم، فهدمها الفلاحون وحملوا موادها برضا الحاكم الذي أفهمهم أنهم لن يحاسبوا، وبنى الحاكم هناك جامعا بعد إغلاق المدرسة بقليل، وجرت محاولة لتعليم الأطفال القرآن فأخفقت وتركت منذ زمن، والجامع الآن خراب وقد أصابه ما أصاب أبنيتهم.
ويقابل هذا كله في الدفتر العثماني سطر واحد، مدرسة همة حميدي في القرية، وفيها ثمانية تلاميذ.
وقرية ثالثة الهنادي، على نحو ستة كيلومترات جنوبي شرقي مدينة اللاذقية، يروي يوسف الحكيم نزاعا عقاريا بين فلاحين علويين وبعض كبار الوجهاء، تدخل فيه ضياء فمنع استغلال الأرض إلى أن يحكم القضاء، ويقول إن ذلك رفع الثقة بالحكومة. والقرية نفسها تظهر في جدول 1904 بمدرسة اسمها فيض حميدي، فيها خمسة تلاميذ، ومعلمها كمال محيي الدين أفندي براتب مئة وخمسين قرشا. النزاع كان متعلقا بأرض المدرسة. وتحفظ الرواية في البلدة أن الجامع القديم في وسطها كان يستعمل مدرسة في العهد العثماني، وأنه ثلاث غرف إحداها قبلية ذات محراب، وهو وصف ينسجم مع نموذج المدرسة والمسجد في بناء واحد.
ميدان بأربعة لاعبين
من السهل أن تروى هذه القصة مواجهة بين دولة وإرسالية. والميدان كان أوسع من ذلك.
ففي سنة 1890 نفسها افتتح إخوة المدارس المسيحية الفرنسيون كلية في مدينة اللاذقية بطلب من نائب قنصل فرنسا أدولف جوفروي، ويذكر أرشيفهم أنه وضع تحت تصرف المؤسسة أرضا اشتراها باسمه وقدم إعانات لتشغيلها، وأن من دوافعه مواجهة النفوذ الأنكلو أمريكي وتعزيز الصلة بأهل الجبل. كان جوفروي ترجمانا وكاتبا في القدس ثم عين في اللاذقية خلفا لأبيه، وبقي في الموضع سنوات طويلة حتى أواخر التسعينيات، حتى إن جغرافيين أوروبيين رجعوا إليه في ضبط أسماء المواضع في شمال سورية.
وفي السنة التالية دخل فاعل رابع. فطبيب الإرسالية يسجل أنه في سنة 1891 بذل أسقف الروم في اللاذقية كل نفوذه ليغلق مدارسهم في القرى التي فيها أبناء طائفته، ونجح في إغلاق مدرستي إنكزيك وأوردي في القسم الشمالي من الحقل. وبعد تسع سنوات انتقلت مدارس الروم في المدينة إلى إشراف جمعية روسية تدفع رواتب المعلمين وتقدم الكتب وتشترط تدريس الروسية، فأغرت اثنين من أقدر معلمي الإرسالية برواتب أعلى فانتقلا إليها، وكان أكثر معلميها ممن تعلموا في مدارس الإرسالية نفسها.
فالمنافسة على المعلم المحلي التي بدأها ضياء بعرض الرواتب سنة 1891 تكررت بعد تسع سنوات على يد منافس ثالث وبأداة أخرى. وعبارة النفوذ الأجنبي التي تتردد في المراسلات العثمانية كانت أوسع من منافس واحد، و إن بعض ما نسب في الكتابة المتأخرة إلى الحكومة كان في أصله ضغط منافس محلي وجد في الجهاز الإداري أداة.
وتحفظ ذاكرة اللاذقية المكتوبة قصة من هذا الباب. فيوسف الحكيم يروي أن ضياء أمر بوضع عبد الله عطا الله، ترجمان القنصلية الفرنسية، تحت نظارة الضابطة بعد نزاع مع أحد الفلاحين، فتدخل القنصل الفرنسي واعترض، ورفعت المسألة إلى بيروت.
ما بقي من الشبكتين
سار البناء بوتيرة يمكن تتبعها. ففي 26 تشرين الأول 1892 أخبر والي بيروت بإنجاز سبع مدارس جديدة بعد سبع عشرة سابقة، أربع منها في المرقب وواحدة في جبلة واثنتان في صهيون. وفي 7 آذار 1893 تسجل مراسلة أن ثلاثا وعشرين مدرسة من أصل الأربعين قد اكتملت وفتحت وعين لها معلمون. وفي ربيع 1895 يعطي الحساب النهائي صورة أدق، المشروع أربعون مدرسة، بواقع عشر لكل وحدة من الوحدات الأربع، ولم تبق منها غير مكتملة سوى ثلاث، واحدة في جبلة واثنتان في صهيون. وتسجل سالنامة ولاية بيروت في دفعتها الأولى أربعين مدرسة ابتدائية في سنجق اللاذقية. فالمشروع صار بعد أقل من سنتين من وفاة صاحبه حقيقة مؤسسية معترفا بها في الدليل الرسمي للولاية.
ولم تنته الحكاية بموت الرجل. ففي 16 نيسان 1894 صدر أمر إداري عين الشيخ صائب أفندي مفتشا أول ونجيب أفندي مفتشا ثانيا للإشراف على مدارس الوحدات الأربع. ثم وضعت لهما في 1895 تعليمات تفصيلية تكشف جهازا أكثر إحكاما مما كان عليه في عهد المؤسس، تناوب المفتشين على الأقضية كل ستة أشهر، وشهادة مرور المفتش من كل معلم، وجداول حضور شهرية، وحضور الامتحانات، وتصديق الشهادات، وتقارير عن إصلاح المدارس والمساجد، وإلزام قائمقامي الأقضية بمتابعة أداء المعلمين والمفتشين.
غير أن أسئلة الفشل بدأت مبكرة. ففي 28 كانون الثاني 1895 ترد مراسلة تسأل عن حال المدارس التي فتحت في عهد المتوفى ضياء بك، وتذكر أنه سمع أنها في حالة سيئة، وتطلب معرفة كم مدرسة بقيت بلا طلاب ولماذا. وفي 2 تشرين الأول 1899 يأتي تقييم أشد صراحة، المشروع لم يحقق الفائدة المرجوة، والمعلمون اختيروا اعتباطا وغير مؤهلين ويحملون تحاملا تجاه أهل الجبل، فقل اهتمام الأطفال بالمدارس. وفي تشرين الثاني 1900 تسجل مراسلة أن بعض الأسر عادت إلى إرسال أبنائها إلى المدارس البروتستانتية.
ثم يأتي جدول سنة 1904 فيعطي الصورة بعد أربعة عشر عاما من القرار الأول. الشبكة ما تزال قائمة على الورق، ست وثلاثون مدرسة مسجلة بأسمائها ومعلميها ورواتبها. لكن أعداد الطلاب في أكثر القرى لا تتجاوز خمسة أو سبعة أو ثلاثة عشر أو ثمانية عشر، ومجموعهم كلهم نحو ثلاثمئة وستة وستين. ومدارس شمانة ومجدل حالي والقرداحة في حال خراب لا تصلح للاستعمال، ومعلم مجدل حالي يواصل التدريس في مسجد قرية مجاورة، وشمانة والقرداحة بلا معلم ولا طلاب. ومن هذه الشبكة كلها لم يصل إلى إعدادية اللاذقية حتى ذلك التاريخ سوى طالبين من دمسرخو، ثم تركا الدراسة.
والقرداحة مثال يختصر المسألة. مدرسة للإرسالية فيها منذ خريف 1864، ثم صعود المتصرف إليها بنفسه في تشرين الثاني 1891 وافتتاحه مدرسته وإقامته شهرين أو ثلاثة، ثم مدرسة فجر الحميدي في الدفتر بعد ثلاث عشرة سنة خرابا بلا معلم ولا تلميذ. أما العنازة فحفظت مدرستها اسمها بر الحميد، ومعلمها سنة 1904 مصطفى نائلي أفندي وفيها ثمانية عشر تلميذا وراتب مئتين وخمسين قرشا، وهو من أعلى رواتب الجدول.
وبقي من الشبكة أثر حجري يمكن أن يقرأ اليوم. في كرسانا شاهدة تحمل عبارة لطف حميدي وسنة 1308، وهي مطابقة حرفيا لاسم المدرسة المسجل في الدفاتر بعد أربع عشرة سنة. وفي بحنين حجر عتبة عليه إنعام حميدي، عام 1309. وسنة 1308 للهجرة تقع في 1890 و1891، وسنة 1309 في 1891 و1892، وكلتاهما داخل موجة التنفيذ.
فالفرق الذي يكشفه هذا كله بين قرار رأسمالي يتخذ مرة والتزام يتجدد كل سنة. تشييد المدرسة دفعة واحدة من جيب السلطان، أما إبقاؤها مفتوحة بمعلم صالح وكتب وصيانة وتفتيش فنفقة سنوية على حصة معارف كانت أضيق من أن تحملها.
وفي الجهة المقابلة يمكن قياس ما جرى للمنافس قياسا رقميا من جداوله السنوية.
في أول آذار 1892 كانت شبكة الإرسالية ست وعشرين مدرسة وستمئة وستة وأربعين تلميذا، وفي قسم الجبل منها عشر مدارس ومئة وإحدى وسبعون تلميذا. وفي أول آذار 1894 صارت اثنتي عشرة مدرسة وثلاثمئة واثنين وستين تلميذا. وفي أول آذار 1895 ثماني مدارس ومئتين وواحدا وتسعين. وفي التقرير السنوي المعتمد في اللاذقية في 13 آذار 1894 عبارة قاطعة، لم تبق مدرسة واحدة مفتوحة بين الأنصارية، وفي كثير من القرى التي كانت فيها مدارسهم حل تعلم القرآن محل تعلم الإنجيل.
لكن الرقم وحده يضلل. فالمعلم الذي أغلق مكتبه صار قارئ كتاب جوالا يزور اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة قرية في الشهر، ومعلم إنكزيك ظل يقرأ ويتحدث يوميا مع ستة إلى عشرة أشخاص ويعقد اجتماع الأحد في بيته، والطفل الذي منعت مدرسة قريته أخذ إلى داخلية المدينة، ويقول تقرير تلك السنة إن كثيرا من داخليي اللاذقية جاؤوا من مواضع لا يسمح للإرسالية بفتح مدارس فيها. وفي سنة الانكماش نفسها فتحت مدرسة جديدة في قرية بزاق جنوبي اللاذقية، قدم أهلها الغرفة مجانا ودفعوا ثمن الكتب.
ثم تأتي السنوات التالية بصور أخرى. ففي سنة 1900 هوجم بيت الإرسالية في بحمرة، وهو البيت الذي أقامه لايد، وأتلف جزئيا على يد شرطة خيالة أرسلت من جبلة، فجاء القنصل الأمريكي من بيروت وتابع الأمر، فأقيل رئيس الشرطة وسمح بإصلاح البيت من غير تعويض. وفي السنة نفسها كانت الاجتماعات تعقد في الجنديرية في أكثر أيام الأحد.
وفي سنة 1907، حين كانت السفارة الأمريكية تعالج مع الباب العالي تنفيذ اعتراف صدر بمرسوم سلطاني سنة 1904 بالمؤسسات الأمريكية الدينية والتعليمية والخيرية، ظهرت في القائمة المنقحة، في اللاذقية مدرستا داخلية وكنيسة ومستشفى ومستوصف، وفي بحمرة مدرسة ودار للقائم عليها، وفي غنيمية مدرسة، وفي طرطوس مدرسة، وفي جنديرية مكان وعظ.
فجنديرية، بؤرة النزاع على ملكية مدرسة سنة 1891، عادت إلى الخريطة المؤسسية بعد ست عشرة سنة بوظيفة أخرى. تغير شكل الشبكة ولم تختف.
رجل مات في تشرين الثاني أو في كانون الأول
آخر أثر مباشر لمحمد ضياء بك في ملف المدارس تقريره عن افتتاح قنجرة في 9 تشرين الثاني 1892.
وتذكر الترجمة المستندة إلى سجل عثماني أن ضياء الدين محمد أفندي توفي في 9 تشرين الثاني 1893، أي بعد سنة كاملة بالضبط من ذلك التقرير. وتسجل القائمتان الرجعيتان لمتصرفي اللاذقية تعيين محمد رشاد بك في اليوم التالي مباشرة، 10 تشرين الثاني 1893. غير أن طبيب الإرسالية، وقد عاش في المدينة تلك السنوات، كتب بعد عشرين سنة في سرد أحداث 1893 أن حاكم اللاذقية توفي في كانون الأول.
ولا يقطع الحجر بين الروايتين. ففي مقبرة القلعة باللاذقية، إلى جوار الجدار الجنوبي لمقام الشيخ محمد المغربي، شاهدة عثمانية تحمل سنة 1311 للهجرة، وتنسب صاحبها إلى محمد ضيا بك بن عبد الله بن عبد الرحمن وتصفه متصرفا للواء اللاذقية. وسنة 1311 تبدأ في منتصف تموز 1893 فتستوعب الشهرين معا. أي أنها تسقط على الأقل تاريخ 1892 الذي تتداوله بعض الكتابة المحلية، وهو في أصله تحويل خاطئ لهذه السنة الهجرية نفسها.
وأقوى ما يقال إن التسلسل الإداري يضع الوفاة في 9 تشرين الثاني 1893 وتعيين خليفته في اليوم التالي، بينما حفظ الطبيب بعد سنوات تاريخ كانون الأول. أما مكان الدفن فقد كان يعرض في الكتابة روايتين متقابلتين، إحداهما تنسبه إلى قره جه أحمد في أسكدار. لكن الوصف التفصيلي لذلك الموقع لا يثبت له قبرا هناك، فالمنشأة التي تحمل اسمه سبيل وضريح أقامهما لروح زوجته، والقبور الباقية خلفه لأصحاب آخرين. التراجم المتأخرة خلطت بين المنشأة التي تحمل اسمه وبين موضع دفنه، وأن شاهدة اللاذقية هي القرينة الأقوى.
ولم تنته المؤسسة بانتهاء الرجل، ولم تستمر بفضل خليفة واحد. فسالنامتا 1312 و1313 تسجلان محمد رشاد بك متصرفا، ثم تسجل سالنامة 1314 صادق باشا، ثم تنقله وثيقة مؤرخة في 9 آب 1896 إلى متصرفية الكرك ويحل عبد الغني بك مكانه. أربعة رجال على رأس المتصرفية في ثلاث سنوات، والمفتشون والقائمقامون والرواتب والمراسلات الدورية بين السنجق والولاية ووزارة المعارف تمضي. خرج المشروع من طور الرجل إلى طور الجهاز، وهذا وحده يفسر لماذا كانت الشبكة قائمة سنة 1904 وإن كانت متآكلة.
وقد التقطت الذاكرة الوجهين. فمحمد أمين غالب الطويل، وهو أقدم من كتب عن ضياء من داخل الإقليم سنة 1924، يقول إنه أنشأ المكاتب والجوامع في القرى وسعى في تقريب أهلها من الحكومة، وإن العمل ارتبط بشخصه ثم خفت بعد مدة قصيرة. ويقول محمد كرد علي في خطط الشام إنه رفع الظلم عن أهل الجبل ووسد الحكم لبعض مشايخهم ووجوههم وأنشأ لهم جوامع ومدارس. وتحفظ رواية محلية متأخرة صورة أشد قسوة، هي أن نحو أربعين مدرسة صغيرة حولت إلى حظائر ماعز بعد وفاته. وليس لهذه الصورة الأخيرة شاهد إداري بهذا العموم، وإن كان جدول 1904 يثبت الخراب أو التعطل في عدد من القرى.
عودة إلى السرايا
من المغري أن يوصف هذا كله برنامجا تعليميا لحاكم مصلح، أو حملة قسر لحاكم متسلط. والوثائق لا تسمح بأي من الوصفين وحده.
كان محمد ضياء بك موظف دولة قديما نشأ في القصر ثم أمضى عمره في إدارات المركز قبل أن يرسل إلى أطرافها. وهو الذي كتب إلى الآستانة أن ترك الناس للجهل واليأس سيدهن خبز الأجانب الذين قدموا تضحيات كثيرة لجذبهم إلى جانبهم حتى خصصوا رواتب لبعض وجهائهم. وهو نفسه الذي أحال دعوى إلى محكمة وأمر بقبولها، ووعد ملاكا فارين بالإعفاء من التجنيد ليطالبوا بأرض، وأرسل كاتبه ليخرج أسرة معلم من دارها، وعرض على أربعة معلمين أجورا أعلى ليتركوا من يعملون عنده. وهو الذي صعد إلى القرداحة فافتتح مدرسة وأقام فيها شهرين، وهو الذي وزع في القنجرة الكتب والسكر على مئة وعشرين طفلا.
والدولة التي وقفت خلفه اعترفت صراحة بأنها تحتاج وسطاء، فأوصت تقاريرها بمنح الشيوخ رتبا وأوسمة، ثم أدخلت بعضهم أعضاء فخريين في مجلس إدارة السنجق من غير انتخاب. وهؤلاء الوسطاء لم تصنعهم هي، علي بن سلمان المريقب كان قد ألف رسالته سنة 1882 وبنى مسجده من ماله قبل أن تبني الحكومة مساجدها، وظل بعد مجلس المتصرف يراسل عالما من طبقته في أدق مسائل تراثه الداخلي. والذي جرى أن الدولة حاولت أن تكسبه.
وإذا عدنا الآن إلى مجلس عيد الفطر سنة 1890 بدا المشهد مختلفا عما بدا عليه أول مرة. فالستون رجلا الذين دخلوا السرايا كانوا يدخلون في شبكة جديدة تصل القرية بالسراي عبر المدرسة والمسجد والمعلم والمفتش والرتبة وقيد النفوس، وتجعل الشيخ المحلي حلقة معترفا بها في جهاز الحكم.
وما بناه محمد ضياء بك كان محاولة لإعادة رسم الطريق الذي تصل به الدولة إلى القرية. وقد نجحت المحاولة في إنشاء الطريق، وتعثرت في تعبيده. وبقي من الأربعين، بعد أربع عشرة سنة، دفتر فيه ست وثلاثون مدرسة وثلاثمئة وبضعة وستون تلميذا، وثلاثة أبنية خراب، وحجران في كرسانا وبحنين يحملان اسم السلطان، وطالب من مدرسة أخرى افتتحت في العنازة بعد ذلك بربع قرن صار من أوائل من كتبوا قصة تلك المدارس من داخل الجبل.
المراجع
أرشيف رئاسة الجمهورية التركية، الأرشيف العثماني، MV 48/32، قرار مجلس الوزراء في 21 تشرين الأول 1889، وDH.MKT 1670/20 في طلب القوة العسكرية بعد أسبوع، وDH.MKT 1603/76 في مبادلة نيغدة واللاذقية سنة 1889.
İ.DH 1182/92449 وİ.MMS 113/4821، عريضة الشيوخ وتقرير محمد ضياء بك المؤرخ في 21 أيار 1890، وفيه مجلس عيد الفطر وذكر الشيخ علي أفندي المريقيبي.
MV 54/37 وİ.DH 1182/92451 وİ.MMS 114/4867، محضر مجلس الوزراء في 3 حزيران 1890، والإرادة السلطانية في 16 حزيران، وبرقيتا صهيون في أواخر الشهر.
Y.PRK.AZN 4/57 وY.PRK.UM 19/70 وY.PRK.UM 19/58، تقارير سنة 1890 في أحوال أهل الجبل والرتب والأوسمة، والتمويل من الجيب الهمايوني، وافتتاح قنجرة.
Y.A.HUS 266/97 وMF.MKT 162/54 وMF.MKT 284/20، مراحل الإنجاز بين 1892 و1895، وأمر تعيين المفتشين، وتعليمات التفتيش لسنة 1895.
DH.TMIK.M 168/7، جدول مدارس السنجق لسنة 1904 بأسماء القرى والمدارس والمعلمين والرواتب وأعداد التلاميذ، كما نشره ساچت أوغوز في دراسته عن مدارس اللاذقية الحميدية.
سالنامات الدولة العلية العثمانية للسنوات 1306 إلى 1314، وسالنامة ولاية بيروت في دفعتها الأولى، وسالنامة ولاية سوريا لسنة 1300 للهجرة في لجنة معارف طرابلس.
Papers Relating to the Foreign Relations of the United States، مجلدات 1888 و1892 و1893 و1907، تقرير القنصل بيسنجر في 26 نيسان 1888، ومراسلات الوزير هيرش في آذار ونيسان 1892 ومعها شهادة هنري إيسون المفصلة وقائمته بتواريخ تأسيس المدارس، ورد والي بيروت إسماعيل كمال، ثم قوائم المؤسسات الأمريكية المعترف بها سنة 1907.
J. M. Balph, Fifty Years of Mission Work in Syria، بيتسبرغ 1913، تاريخ مدارس الإرسالية منذ 1864، وأحداث 1873 و1874، وواقعة جنديرية سنة 1891 بأسماء الموقوفين الأربعة، وأسقف الروم ومدرستا إنكزيك وأوردي، ووصف ما بناه الحاكم من مدارس ومساجد، وخبر وفاته في كانون الأول 1893.
Herald of Mission News، تقارير الإرسالية السورية وجداولها السنوية بين 1892 و1895، وخبر بناء الحاكم جامعا ومدرسة في المشيرفة، ورسالة ماري مكارول من اللاذقية في 11 تشرين الثاني 1891.
أرشيف إخوة المدارس المسيحية في افتتاح كلية اللاذقية سنة 1890 ودور نائب القنصل أدولف جوفروي.
يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني، فصل العلويين وقائمة متصرفي اللاذقية وفصل من مآثر المتصرف ضيا بك، وقضية الهنادي وقضية عبد الله عطا الله.
عبد الرحمن الخير، يقظة المسلمين العلويين، حلقات مجلة النهضة الطرطوسية سنة 1938، ومحمد أمين غالب الطويل، تاريخ العلويين، اللاذقية 1924، ومحمد كرد علي، خطط الشام.
سجل عثماني، الجزء الثالث ص239، مدخل ضياء الدين محمد أفندي، ودراسات آثار أسكدار في سبيل ضياء بك ومنشأته لفهمية خانم.