نصر بن معالي الخرقي.. الجزء الثالث - القسم الأول
2026.09.05
سيمون خالد علي
وقفنا في الجزء السابق عند جبلة سنة 1202م، مقامها وميناؤها وسوقها وطرقها ومن كان يمر بها، المدينة تفسر وجود رجل كنصر ولا تكشف طريقة عمل عقله. ولم يبق منه ما يكشفها إلا شيء واحد، الأسئلة نفسها.
اثنتا عشرة مسألة تكشف عقل الرجل (1/2)
يوجد بين أيدينا تراث يحفظ صورة متماسكة لسؤال وجواب يؤرخان نفسيهما بالعشر الأخير من رمضان سنة 598هـ ، المتن المطبوع في (المناظرات والردود)، و شرح عيسى سعود الجنيدي، ومجموعان خطيان ، أحدهما بخط بديع آل غانم سنة 1383هـ والآخر منسوخ سنة 1396هـ/1976م، يضم كل منهما المسائل ثم وصية أحمد، ونقل حامد حسن عن (مخطوط خاص)، ثم تلق حديث يشمل شرح ديوان المكزون لسليمان الأحمد، ومدونة أحمد محمد حيدر، وجهاز لجنة إحياء تراثه الذي يدرج (مسائل الخرقي الجبلاوي) في فهرس كتبه المخطوطة الخاصة وينقل منها فعلا. (38).
الجنيدي يسجل قراءات بديلة بصيغة (في نسخة) في مسائل متفرقة. فالمادة التي وصلت إليه احتاجت الى مقارنة، و عرفت قراءات متنافسة قبل أن تصل إليه، لكن لا يسمي من قابل ولا متى، ويزيد الأمر تعقيدا أن المطبوع يعرف في أحد هذه المواضع زوج القراءتين نفسه، فيمتنع القول باستقلال الطريقين (39).
ومن ذلك تلزم قاعدة عملية، لا يعطى كل لفظ الوزن نفسه. وأقوى ما نملكه ما يجتمع عليه أكثر من طريق، وما يعيده المجيب من كلام السائل داخل جوابه فيناقشه.
وهذا المعيار الثاني هو مفتاح الجزء كله. تفتتح الصحيفة بخطاب مباشر، (أخبرني أيها الأخ أيدك الله وإيانا بروح منه)، ويصف المجيب موقفه بأنه (وقف على مسائل منه)، ثم يستفتح أجوبته بـ(فأقول والله الموفق للصواب)، وهي صيغة انتقال شائعة في أدب الجواب، وينقل السؤال الأول بصيغة (قوله)، ويميل في أكثر ما بعده إلى (وسؤاله حرسه الله عن). غير أن أحمد يعود داخل الجواب إلى ألفاظ بعينها من السؤال فيفككها وينقدها، وقد يخاطب صاحبها بضمير المخاطب، (قولك، هل يتجزأ؟). فمقياس بقاء لفظ نصر هو اجتماع النقل الأول مع إعادة الاقتباس والنقد، وهو ظاهر في الأولى والخامسة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، ويظهر في السابعة على وجه آخر هو الحكم على لفظ من ألفاظ السؤال بأنه مهمل يحتاج إلى تعيين. (40).
الأولى، هبوط الأنفس واتصالها بالأبدان. أطول المسائل وأكثرها تركيبا، وأوضحها نسبة إلى لفظ نصر لأنها تنتقل فورا إلى صوت المتكلم. يسأل، أبالاختيار هبطت هذه الأنفس من العلو إلى الأسفل؟ أم بالإرادة الإلهية فارقت المركز النوراني والعالم العلوي ونزلت في هذه الأجسام المركبة من العناصر الأرضية؟ أم غضب عليها باريها فعاقبها بحلولها في هذه الأبدان الحسية؟ أم أحب أن يشرفها ويعقلها ويصفيها ويتممها ويكمل بها ما كان ناقصا من المعقولات الأرضية؟ ثم، أهي راجعة إلى أوطانها النورانية، أم دائرة في هذه الظلمات المتتابعة، أم ثابتة، أو مترددة في الأكوار، أو متحيزة في التراكيب والأدوار؟
والبنية أهم من المضمون، فالرجل يعرض ثمانية احتمالات متعارضة موزعة على شطرين، شطر في العلة وشطر في المصير، ثم يطلب المفاضلة بينها. وهذا تصرف من ورث تفسيرات متنازعة، فبنى من تنازعها سؤالا.
ويرد أحمد بأن يفصل بين طريقين للنظر، (ولا أقول على طريق البحث والتعليل وطلب إقامة الدليل إن الباري غضب عليها)، ثم، (وأما بطريق الخبر الصحيح المنقول). فينفي الاختيار ببرهان عقلي ومثال الطائر الذي لا يؤثر القفص على الجنان والعراص، وينفي الغضب لأن الغضب نقص والباري لا يوصف بالنقص، ثم يورد الخبر المنقول على وجهه. و أدق ما في جوابه تصحيحه لصياغة السائل، قوله (ليكمل بها ما كان ناقصا من المعقولات الأرضية) غير مستقيم عنده لأنه يجعل غاية النفس إكمال ما هو أدنى منها، (ولو عكس الشيخ وقال، لتكمل هي بالمحسوس والمعقول، وتتضح لها العلة من المعلول، لما كان عليه اعتراض فيما يقول). فهو يشتغل على عبارة محددة الألفاظ، يرد الخلل إلى جهة الإضافة فيها ويقترح عكسها. وهذه أقوى قرينة داخلية في الصحيفة كلها على أصل مكتوب أمامه.
وأما معجم السؤال الأكوار والأدوار والتراكيب فيفسر الحقل يجمع باب من (الهفت) الألفاظ الثلاثة، ويجمع الشهرستاني في وصف الكيالية هبوط النفس مع الأكوار والأدوار ثم التراكيب، بينما يرد الكور والدور في الفصل الخامس من الكتاب الوحيد الذي أحال إليه نصر بعينه(41).
الثانية، طينة المؤمن والكافر. من أي نوع خلقت الطينتان، وما السبب في اختلاف الاسمين، (وهل ذلك على سبيل المجاز المحض؟). وهي أقصر مما قبلها، ولا يعيد أحمد شيئا من ألفاظها، فمضمونها أثبت من صياغتها. لكن بنيتها تستحق الوقوف، ينتهي السؤال إلى احتمال يعرضه صاحبه في صورة استفهام، ثم يجيء الجواب فيصادق عليه. ينقل أحمد المسألة من المادة إلى النفس فالطين من جهة كونه طينا لا يستحق حمدا ولا ذما ويشتق المؤمن من التصديق والكافر من التغطية بمثال الفلاح الذي يغطي البذار، ويستشهد بكتاب الأشباح والأظلة عن جعفر الصادق في تعليل آخر للتسمية، أن المؤمن سمي مؤمنا لأنه أمن من المسوخية، ثم يقرر، (فهذه ألفاظ مجازية عند العارف المحقق، ولو كان حقيقة لوجب أن تكون الأرواح طينا). فالمجاز المحض الذي طرحه نصر آخر احتمال هو ما انتهى إليه المجيب ببرهان الخلف. وفي هذا دلالة على طريقة السائل، بدائله ليست معروضة على السواء دائما، وفي بعض المواضع يصادق المجيب على احتمال وضعه السائل داخل سؤاله. وهذه أول مرة يفتح فيها الجواب كتابا لم يذكره نصر، فيبقى (الأشباح والأظلة) في شبكة أحمد و ليس في أفق نصر.
الثالثة، الأكوان الستة ومصدر النطق. أدق إحالة في النص كله، وأخصب موضع فيه.
يقول نصر، وسؤاله عن قول الخصيبي، وهو ما ذكره الشاب الثقة في الفصل الخامس من كتاب (البحث والدلالة)، إذا كانت هذه الأكوان الستة هي سبب تركيب العالم وجميع الحيوانات، فمن أي كون سبب نطق المؤمن والكافر؟ فالإحالة مركبة من أربعة عناصر، صاحب القول الأصلي، والوسيط الذي شرحه، والكتاب، والفصل بالرقم. ويزيدها وزنا أن صدر النسخة المتاحة من (البحث والدلالة) يعرف مؤلفه باللقب نفسه الذي يستعمله نصر، (الشاب الثقة أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني). هي إحالة إلى كتاب وفصل ومؤلف بالصيغة التي يعرف بها الكتاب نفسه صاحبه.
والفصل الخامس قائم ومطابق للوصف من جهة الموضوع. يورد الطبراني فيه نص الخصيبي في جواب سائل، (وهل تجلى لخلقه بنورانية اللاهوت في عهد ما وكور ما ووقت ما؟)، فيكون الجواب أن أهل الخاصة (لم يزالوا يرونه في الأكوان الستة، في الكون النوراني، والكون الجوهري، والكون الهوائي، والكون المائي، والكون الناري، والكون الترابي، متجليا لهم، يراه كل شخص منهم بما استحق من رؤيته، إلى أن ظهر لهم في البشرية بالناسوتية). فالأكوان الستة مواطن تجل.
أما مقدمة السؤال أن الأكوان الستة سبب تركيب العالم وجميع الحيوانات فلها أصل شديد القرب في موضع آخر من الرستباشية، هو باب خلق الأكوان الستة والإنسان، (جعل فيه من كل كون جزءا)، ثم توزيع أجزاء الإنسان على الأكوان، ثم تعميم الصفات على (كل ذي حياة دموية من البشر والطير والبهائم والهوام والسباع وكل ما دب ودرج، إلا الكون السابع، قدس المعرفة، وليس هو في شيء سواهم) (42). فتعميم التركيب على جميع الحيوانات ليس من صنع نصر، النص الخصيبي يعممه بنفسه.
ويسمح جواب أحمد بتضييق المسألة أكثر مما كان ممكنا. يقول، (إن المحرك للعالم وجميع الحيوانات، وسبب نطق المؤمن والكافر، هو الكون السابع الذي هو قدس المعرفة، وموقع كل صفة، الذي يحق الله به الحق، ويبطل به الباطل، القائم على وجود العالم بأسره، وهو العقل في هوية الوجود، وهو الاسم. وقد ذكره سيدنا الشيخ في رسالته)، فالرستباشية تسمي الكون السابع (قدس المعرفة) في الموضع المتقدم، وتصفه في موضع آخر بأنه (أعظم وأجل وأكبر من الأكوان كلها)، و(الذي يحق الله به الحق ويزهق الباطل)، وتجعله (الاسم الأعظم)، وتقول عنه إنه (الذي سمي العقل). فخمسة معالم في جملة واحدة من جواب أحمد الكون السابع، وقدس المعرفة، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، والاسم، والعقل تقابل موضعين متباعدين من الرسالة. وهذا يخرج المطابقة من دائرة التشابه العام، ويقوي أن أحمد كان يحيل إلى مادة بعينها في الرسالة، وأن صورة الرسالة التي عرفها سنة 598هـ توافق في هذا الباب الصورة التي وصلت إلينا (43).
فتعيين الكون السابع وصفاته استرجاع، أحمد رد السائل إلى مادة قائمة في الرسالة التي انبنى عليها الكتاب الذي سماه. أما وصله بمصدر النطق فتطبيق جديد فرضه السؤال، فنصر يسأل عن كون هو (سبب تركيب)، وأحمد يجعل الكون السابع (المحرك)، والرستباشية تجعله قدس المعرفة والاسم والعقل ولا تصله بالنطق، فخصوصية هذا الموضع موزعة بين الرجلين، السائل عين موضع السكوت في المنظومة بصياغة سؤال عن مصدر النطق، والمجيب مد حكم النص ليغطيه.
لا نعرف أكان نصر يجهل موضع الكون السابع في الرسالة، أم يعرفه ويرى أن (قدس المعرفة) لا يحل مشكلة النطق كما صاغها، أم كانت نسخته على غير ما بين أيدينا. ويستدعي هذا التجاور بين المادتين مجلدين، و قد يستدعي نسخة واحدة، فكتاب الرستباشية عرف صورا تتجاور فيها الرسالة وتعليقات (البحث والدلالة) عند خواتيم الفصول. فالمثبت أنه أحال إحالة دقيقة، وأنه صاغ من المادة سؤالا لا يرد جوابه في الفصل الذي عينه. أما الطريق المادي الذي جمع هذه المواد عنده فمجهول.
ويتم أحمد جوابه بتقسيم التجلي إلى ستة وجوه معللا عددها بعدد الأكوان، للشيء، وفي الشيء، ومع الشيء، ومن الشيء، وعلى الشيء، وكالشيء، مستشهدا لكل وجه بآية. وقراءة (على الشيء) في فرع الجنيدي توافق التعليم المنقول عن محمد بن علي الجلي، شيخ الطبراني، فيسقط فارق كان يعد فرقا بين أحمد وذلك التعليم، والأشبه أنه اختلاف نسخة (43).
الرابعة، هل الوجود في الباري أم الباري في الوجود؟ (وكيف وجه التوحيد في ذلك؟). والسؤال في ظاهره قصير وفي بنيته محكم، يضع الإشكال كله في حرف جر واحد ثم يعكسه. فإن قيل إن الوجود في الباري صار الوجود شيئا قائما فيه، وإن قيل إن الباري في الوجود صار الوجود أوسع منه أو محيطا به. ثم يطلب المخرج، (وكيف وجه التوحيد في ذلك؟) أي إنه يطلب صيغة ثالثة يسلم بها التوحيد.
وجواب أحمد من أطول أجوبة الصحيفة نسبة إلى قصر سؤاله. يرجع إلى كتاب الأسوس فينقل نفي الجهات والأشباه، ثم إشكالا ثلاثيا، إن كان ممازجا للأشياء فهو لها شكل، وإن كان مباينا فهو لها ضد، وإن كان لا مباينا ولا ممازجا فهو مجهول. ويحفظ فرع الجنيدي هنا حلقتي (ولا مباين ولا ممازج) ساقطتين من المطبوع، فيستقيم البناء. ثم يقرر أن المباينة في القدم والجوهرية والقدرة لا في الوجود والحضور، وأنه موجود فيها بالعلم والرؤية لا بالاختلاط والحلول.
وأحمد يسند هذا ، (وقول العالم منه السلام في هذا...). و(العالم) في بنية الأسوس هو الصوت المسمى بهذا الاسم داخل حوار الكتاب، حيث يتقابل (قال السائل) و(قال العالم) في أبواب متتابعة. والنص المتاح من الكتاب يحفظ السؤال الثلاثي نفسه وجوابه في ترتيب شديد القرب، أهو داخل أم خارج، أم ممازج أم مباين، أم لا مباين ولا ممازج؟ ثم إن الممازجة تستلزم المشاكلة، والمباينة المطلقة تستلزم المضادة، ونفيهما معا يفضي إلى الجهالة، قبل إثبات مباينة مخصوصة في الجوهر والإلهية والقدرة والعلم والقهر مع نفي اختلاط القديم بالمحدث. ويضاف إلى ذلك شاهد لمحمد بن علي الجلي في (حاوي الأسرار) يصرح، (قال العالم في كتاب الأسوس)، ويحفظ نواة (لا داخل ولا خارج، ولا مباين ولا ممازج)، ثم شبكة اقتباسات حرانية من الكتاب نفسه، أقواها في (حجة العارف) حيث يعلن النص أنه يورد الدليل من الأسوس ثم يعيد البرهان بحدوده الثلاثة. فنسبة أحمد هذا إلى الأسوس تتقاطع مع متن الكتاب ومع طرق نقل أخرى داخل الموروث (44).
وتبقى (والرؤية) موضعا دقيقا، أسقطها حامد حسن حين نقل العبارة كقول أحمد في (رد أسئلة نصر بن معالي الخرقي 598هـ) محيلا إلى (مخطوط خاص)، ولم يظهر لها بعد تطابق لفظي مستقل، وإن كان الأسوس يجعل الرؤية جزءا من جهاز المعرفة إلى جانب المكان والحدود والصورة. فهي عند النقلة المتأخرين من إنشاء المجيب، وهي في النص من خزانته. وليس في هذا كله ما يقرب الأسوس من رفوف نصر، فالإحالة إليه كلها في جواب أحمد (44).
الخامسة، علة الشر وإبليس والنار. (ما علة الشرور التي نتج عنها إبليس اللعين؟ ولم هي؟ ومن الفاعل لها بالحقيقة؟ وما علة النار؟ ومن أين كان أصلها وعلتها؟). وهذه أنفع مواضع الصحيفة في فصل الصوتين، لأن أحمد يحاكم الصياغة، (إن هذا السؤال مكرر، لأنه حرسه الله قال، ما علة الشرور، ثم قال، ولم هي والمقصود بذلك طلب علتها ثم قال، ومن الفاعل لها بالحقيقة، وما علة النار، ثم قال، ومن أين كان أصلها وعلتها؟). يتجاوز التكرار إلى حكم على الصحيفة، (وكان يغني عن هذه المسائل الأربع المسألة الأولى، إذ كان يلزم المجيب أن يشرح كل ذلك). فمقارنة مسألة بأخرى بعيدة عنها في الترتيب لا تستقيم إلا إذا كانت المسائل مجتمعة أمامه، فهو قرأ الصحيفة كلها قبل أن يشرع في الجواب.
ثم يعلم السائل كيف يسأل عن العلة قبل أن يجيبه، لكل مصنوع أربع علل، (علة هيولانية كالخشب للكرسي، وعلة إضافية كالنجار للصنعة، وعلة صورية وهي هيئته وكيفيته الخاصة، وعلة غائية وهي ليجلس عليه ويتكأ)، ويشترط ألا يسأل عن علة شيء قبل العلم بوجود ذاته، وإلا كان السؤال كالسؤال عن العنقاء. وموقع النجار في المثال موقع الفاعل بلا ريب، ومع ذلك تقرأ الطرق (إضافية) لا (فاعلية). و يفسر اللفظ من داخل المثال نفسه، فالعلة الأولى تعرض نسبة بين المادة والمصنوع، (الخشب للكرسي)، بينما تعرض الثانية نسبة بين الصانع وصناعته، (النجار للصنعة)، و ليس بينه وبين الكرسي. فالحد الثاني وحده مصوغ إضافة إلى غير المصنوع، ويكون هذا مأخذ التسمية. ويعضد ذلك أن (الإضافة) ليست لفظا غريبا عن خزانة أحمد، فالأسوس يستعمل (الإضافة) و(الإضافي) استعمالا تقنيا في أبواب الأسماء والأعراض، ومنه (العرض المكتسب الإضافة)، غير أنه لم يظهر فيه نوع سببي يسمى (العلة الإضافية). فيخرج اللفظ من العزلة الاصطلاحية من غير أن يصير اسما مثبتا للعلة الفاعلة(45).
ثم يأتي أوضح تصريح منهجي في الصحيفة، وهو موجه إلى السائل باسمه، (ولم نذكر هذه المباحث العقلية إلا ليعلم الشيخ حرسه الله أنا قادرون على البحث والتحليل، غير أننا اقتصرنا على النقل والسماعيات، لعلمنا أن أكثر الجماعة حرسهم الله يختارون الأخبار المنقولة من دون بحث عن أسرارها، وإنما ذكرنا السماعي مشوبا بالعقلي من غير استقصاء). وفي هذا ثلاثة أمور، تمييز بين طريقين للجواب هو التمييز نفسه الذي أعلنه في المسألة الأولى، وإعلان أن الإكثار من المنقول اختيار، ثم ذكر (أكثر الجماعة) وهو يخاطب رجلا واحدا، مما يوحي بأن المجيب كان يعلل منهجه بما يفضله جمهور أوسع من مخاطبه. أما تسمية الناتج في الخاتمة (الكتاب) فتثبت أن الأجوبة صيغت نصا مكتوبا متماسكا.
ويحلل الشر بعد ذلك تحليلا سلبيا، العمى عدم قبول المبصرات لعلة في الأعمى لا لأن المبصرات ليست موجودة، والجهل عدم العلم، والبيت المظلم نهارا لعدم انبثاق النور فيه لا لأن النور غير موجود. ثم يعرض هذا الرأي بعبارة ، (وهذا هو رأي الفيلسوف الذي جعل الخصيبي، نزه الله شخصه، دينه أفضل الأديان، وممن يعلم علل الأرواح والأبدان). فالمرجع فرد بعينه في ذهن المجيب، معرف بأن الخصيبي أثنى على دينه، لكن تركيب العبارة لا يسمح بتسميته. والعبارة مع ذلك ليست منقطعة ، ففي طبقة رد منسوبة إلى أبي نصر منصور، أدرج محررو (المناظرات والردود) مادتها في آخر (كتاب الجواهر)، يرد ما يسمى (قول الشيخ الخصيبي حقا) بصيغة (فسري ليس يعرفه حكيم على التفصيل إلا الفيلسوف)، ثم يشرح بأن الخصيبي (جعل الفيلسوف ودينه أجل الأديان، وممن يعرف سرائر النفوس والأبدان). واجتماع تقويم دين الفيلسوف ثم وصف معرفته بالنفوس والأبدان، بالترتيب نفسه وفي صلة مباشرة بقول منسوب إلى الخصيبي، قرابة أقوى من موازاة اصطلاحية عامة، فأحمد يتحرك داخل تفسير موروث لهذا البيت أو لما يقاربه. ولا يثبت ذلك أخذا مباشرا عن أبي نصر، ولا يعين (الفيلسوف) بأرسطو أو ابن سينا أو غيرهما، أما تعيين الجنيدي له بأرسطو فمرحلة لاحقة في تاريخ تفسير اللفظ (46).
السادسة، الأسماء البشرية الواقعة على العين والميم والسين. (من أي المعارف هي؟). والحروف الثلاثة رموز مراتب المعنى والاسم والباب. ونصر يفترض الرمز معروفا ويسأل عن الأسماء البشرية الواقعة على تلك المراتب، من أي جنس من المعرفة هي؟ وسكوت السائل والمجيب معا عن فك الحروف قرينة على معجم مشترك بينهما. فالمسألة أضيق من سؤال عام في الدلالة، إنها سؤال عن كيفية وقوع أسماء بشرية متغيرة على مراتب ثابتة عند الظهور.
ويجيب أحمد بقاعدة في الاسم والصورة والهيولى، (إن الأسماء تقع على الصورة، والهيولى لا تتبدل)، ثم مثال الشمع الذي يقبل الصور تارة بصورة إنسان وتارة بصورة حيوان وتارة بصورة نبات من غير أن تتبدل ذاته، ومثال الطين الذي تتغير أسماؤه بتغير صوره وذاته واحدة. ثم يمد القاعدة إلى ما لا مادة تحته أصلا، (كالصورة التي ترى في المرآة، وكما يرى أحدنا في النوم فرسا فيسميها فرسا، من غير أن تكون لها مادة أو حقيقة، لانطباع ذلك في مرآة القوة المتخيلة). وينتهي إلى التطبيق الذي يكشف غرض الأمثلة كلها، عند ظهور العين والميم والسين تحدث لهم أسماء بحسب الصورة الظاهرة. فالأصل ثابت، والصورة تتبدل، والاسم يقع على الصورة، وأمثلة الشمع والطين والمرآة أداة لحل مشكلة الأسماء البشرية للظهورات.
ونواة هذا البرهان أقدم من أحمد، وموضعها لافت. ففي (فقه الرسالة الرستباشية) قاعدة أن المعنى المحدث يحدث له اسم عند حدوثه، ويحفظ الطبراني الكتلة نفسها في (البحث والدلالة) ويشرحها، الدار يقع عليها اسم الدار عند بنيانها، والثوب عند نسجه، والرجل تتدرج أسماؤه من مولود وطفل وصبي وغلام وشاب ورجل إلى كهل وشيخ. وسياق ذلك عند الطبراني نزاع في هل يقال إن اسم الله محدث، فيدفعه بأن المحدثات إنما تحدث أسماؤها بحدوث معانيها. فالكتاب الذي يسميه نصر في مسألته الثالثة يحمل في موضع آخر منه المادة التي يقوم عليها جواب مسألته السادسة، وموضوعها هناك حكم الاسم بعينه. ولا يثبت هذا أن نصر أخذ المسألة السادسة من ذلك الموضع، ولا أن أحمد تلقى القاعدة منه مباشرة، لكنه يبين أن المسألتين تقعان داخل حقل واحد يحتله كتاب واحد ثابت في أفق السائل. أما ما يميز جواب أحمد فإدخاله النواة الموروثة في جهاز الهيولى والصورة والتخيل، ثم إعادتها إلى موضوعها الأول (47).
ويحيل في ختام الجواب إلى (رسالة التوحيد). والعنوان معروف، ويحفظ مجموع باريس مصنفا بهذا الاسم لعلي بن عيسى الجسري يبدأ بسؤال للخصيبي في ظهورات المعنى. ، فحلقة الجسري نفسها تحفظ، في تقرير الحسين بن هارون الصائغ لمجالس رمضان سنة 340هـ، قاعدة تجعل معرفة الاسم والمعنى شرطا للعمل المقبول وتقرر أن من عبد الاسم على الحقيقة فقد عبد المعنى، وتحفظ (مسائل) الصائغ إلى الخصيبي صياغة أدق تجعل التوحيد في عبادة المعنى بحقيقة الاسم، فهذه مادة تجعل (رسالة التوحيد) الجسرية مرشحا عقديا وموضوعيا قويا، ولا تبلغ درجة التعيين ولا تثبت أنها مصدر البرهان التفصيلي، إذ ليس في هذه المادة المبكرة مثال الدار والثوب، ولا قاعدة (الأسماء تقع على الصورة)، ولا جهاز الهيولى والشمع والطين والمرآة، وأقوى الموازيات النصية لهذه التفاصيل باقية في التقليد الرستباشي وعند الطبراني(47).
السابعة، حد الإنسان وحركة العالم وسكونه. (وسؤاله عن الإنسان وما حده، وما سبب حركة العالم وسكونه؟). ويجمع السؤال أمرين لا يبدو بينهما رابط، تعريف الإنسان، وعلة الحركة والسكون في العالم. والرابط يظهر في الجواب، النفس هي المحركة، وحد الإنسان يمر بالنفس.
ويبدأ أحمد بردة الفعل نفسها التي سيكررها في الثانية عشرة، (أما الإنسان فمهمل لا يستحق علمه حمدا ولا ذما، ولسنا نعلم المراد به، أهو الإنسان الذي علمه البيان؟ أم الإنسان الذي كان ظلوما جهولا؟). فيرفض اللفظ ، ويطلب تعيينه بين احتمالين قرآنيين. ثم يعطي الحد، (وأما حده فحيوان ناطق. والحد يتركب من جنس هو أقرب الأجناس إلى الشيء المحدود، ومن فصل، وإن كانت عدة فصول فلا بد من استيفائها فصلا فصلا. فالحيوان بالنسبة للإنسان جنس، والناطق فصل). ثم يقسم الحركة، طبيعية كحركة الحجر إلى المركز والنار إلى فوق، وقسرية كحركة الحجر إلى فوق، واختيارية وليست إلا لما فيه نفس. ثم النفس الجزئية معلولة النفس الكلية، والنفس الكلية تتحرك بجرمها السماوي إلى علتها التي هي العقل حركة شوق، (والمعلول مشتاق إلى التشبه بعلته، فهو يتحرك لطلب تلك الغاية ولا يسكن دونها، كحركة العاشق إلى معشوقه)، (وكل متحرك إذا بلغ غايته سكن).
وهذه شبكة تعليمية مركبة لها موازيات معروفة في الفلسفة العربية، وهي من المجيب وحده. والذي يخص نصر أمر واحد غير هين، أنه استعمل لفظ (الحد) استعمالا تقنيا، فعرف أن للإنسان تعريفا منطقيا يطلب وهذا لا يثبت أنه قرأ أرسطو ولا كتاب منطق بعينه.
ويختم أحمد الجواب بجملة تصل هذه المسألة بالثالثة، (وذلك دأب كل نفس من مواليد الستة الأكوان، وإن اختلفت في العيان فإنها بالحقيقة غير مختلفة). فالمنظومة الكونية التي حضرت في السؤال الثالث تعود في جواب السابعة عن حد الإنسان وحركته. ويلفت هذا التقاطع النظر إلى مجاورة (النطق) في الثالثة لـ(حيوان ناطق) هنا، لكنه لا يثبت أن نصر قصد هناك الفصل المنطقي، فالحد من صياغة المجيب. والمثبت أن المسألتين تتجاوران في أفق واحد يجمع الإنسان بالأكوان.
الثامنة، مادة إبليس ونار السموم. (سؤاله عن إبليس ومن أي شيء خلق، وعن نار السموم ومن أي شيء خلقت؟). وقد نبه أحمد إلى تداخلها مع الخامسة، والفرق بينهما فرق في نوع السؤال ، الخامسة تسأل عن العلة والفاعل، والثامنة عن المادة، الأولى سببية أخلاقية والثانية تكوينية.
ويجيب بأن إبليس خلق من النار والشك والحيرة والظلمة والمعصية وعدم الخير، ثم يميز نار السموم من هذه النار تمييزا حادا، (وأما نار السموم فهي التي خلق منها جمليت وهمليت في القبة الجانية، وأما خلقها فمن النور، لأن المخلوقين الذين كانوا منها مؤمنون، وقد بين ذلك مولانا الصادق منه السلام في رسالة الجان والجن). ثم يبني على الفرق نتيجة، (وليس إبليس من الجان الذين خلقهم الله من نار السموم... انما إبليس من الجن)، مستدلا بآيتي الحجر والكهف.
فالمسألة في يده حل لتعارض تفسيري قائم قبله، أهو الجان نفسه إبليس أم أبو الجن غيره؟ وهو خلاف مسجل في التفسير الإسلامي العام، ويختار أحمد فيه الفصل، ثم يستدعي من مدونته الداخلية رواية تفسر كيف كان أصل الجان مؤمنا ثم دخله الفساد. فتصير الثامنة امتدادا للخامسة، تلك تحل الشر تحليلا سلبيا، وهذه تحله سرديا.
وأما القراءة نفسها فيلزم فيها التحفظ. تقرأ النشرة المطبوعة (القبة الجانية)، ويعضدها أن التحقيق النقدي لـ(منهج العلم والبيان) يجعل بابه الحادي عشر في القبة الجانية ويحفظ رواية همليت وجمليت وأصل الجان، مروية فيه عن أبي الفتح محمد بن الحسن بن مقاتل البغدادي القطيعي عن شيوخ مرتبطين بـ(كتاب المبتدأ). غير أن المواز لا يثبت وحدة المصدر، فرواية (المنهج) تجعل عزازيل من ذرية همليت وجمليت، بينما يصرح أحمد بأن إبليس ليس من الجان المخلوق من نار السموم. فالتطابق في الأسماء والبنية يكشف موروثا روائيا مشتركا أقدم منه، وهذا الاختلاف المركزي يمنع رد جوابه إلى نص المنهج أو مساواة (رسالة الجان والجن) بـ(كتاب المبتدأ). وإذا قبل التأريخ الداخلي للصحيفة، كانت سنة 598هـ حدا أعلى لثبوت هذه الصيغة التي تفصل إبليس عن جمليت وهمليت في تقليد أحمد، ولا يثبت بذلك متى نشأ الاختلاف نفسه (48).
وكل هذا من جواب أحمد. والذي يثبت لنصر أنه رأى في مادة الخلق موضع إشكال يستحق أن يرسل فيه، وأنه فرق بين إبليس ونار السموم فسأل عنهما سؤالين.
وفي القسم الثاني ننتقل إلى المسائل الأربع الأخيرة، حيث تصبح لغة نصر أكثر تجريدا: الكل والجزء والمقولات، والجوهر والعرض، والظاهر والباطن، والهيولى والإبداع. وهناك تتضح أكثر الحدود بين ما كان في سؤال نصر وما فتحه أحمد من خزانته المنطقية والعقدية، قبل أن نقرأ المسائل الاثنتي عشرة معا ونستخرج منها الصورة الأخيرة للرجل.