كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشَّيخ مُقبِل - السلّاطة

تعريف بِمصطفى بربر آغا:
قال الياس صدقة - الطرابلسي -:
"انَّه ابنُ يوسفَ القرق من أهالي طرابلس". أمّا نحنُ فاكتشفنا اسمَ والدِ بربر الحقيقي في صَكٍّ مكتوبٍ في عام (1353هـ - 1837م)، وهو "حسن" لا يوسفَ. وأمّا أسرة بربر، فهي "بيت القرق" من طرابلس.
مولدُه ونشأتُه: وُلد مصطفى بربر سنة (1180هـ - 1767م)، وعُرفَ أنّ والدَه كان فقيراً خامِلاً. وماتَ تاركاً امرأته وولدَيه في حالةِ فقرٍ، ولم يزالا قاصرَينِ عنِ التَّسبُّب للحياة، فحملَتْهُما والدتهما إلى قرية "برسا" في منطقة الكورة فوق طرابلس.
صفتُه: كان مربوعَ القامة، بدينَ الجسم، متين البُنية، حنطِيَّ اللون، عيناهُ مُدَوَّرتان كبيرتان، حادَّ النظرات، وعلى وَجهه نُقاطٌ سوداء صغيرة كثيرة (نَمَش). وقد قضى صبوَته خادماً متنقّلاً في بيوت "برسا". ولمّا شبَّ ارتبط بخدمة الأمير علي الأيوبي في قرية "دِدَّة" بالكورة، وبعدها انخرطَ في سلك الإنكشارية وخدمة أحمد باشا الجزّار، وفيما بعد يتزعّمُ الإنكشارية ويستولي على قلعة طرابلس.
--(بربر يؤدّبُ الشَّيخ صقر المحفوض حاكم صافيتا)
وفي سنة 1806م رفع بربرُ العقيرةَ على شيخ النصيرية صقر المحفوض من بيت شمسين ملتزم بلاد صافيتا، وأبى الطاعةَ ودَفْعَ "الميري"، فأدَّبه بربر على الطريقة التالية؛ إذ يصفها الأمير حيدر شهاب في كتابه "الغُرر الحِسان"، وهو المعاصر ، قال: "وفي هذه السنة (1221هـ - 1806م) حضر إعلام من مصطفى بربر متسلّم طرابلس إلى جرجس باز أنّ صقر المحفوض من بيت شمسين حاكم بلاد صافيتا قد خرج عنِ الإطاعة، وعصا في أوامر الميرية، وطلبَ النجدةَ من الأمير بشير ومن جرجس باز ، فتوجّه جرجس باز، ووجَّه الأمير بشير البعضَ من بيت الشهاب في عسكر الشوف، وفي وصولهم لطرابلس اجتمع إليهم أهل بلاد الضنّية، وباقي تلك المقاطعات وأهل عكّار، وبلغ عسكرُهم نحو ثلاثة آلاف. وكان المُلّا إسماعيل يُطمئنُ صقر المحفوض وأنّه يُنجده ويقاتل معه، وقد قبض منه خمسين كيساً، ولمّا تحقّق المُلّا إسماعيل ذلك العسكر تأخّر عن نجدة الشَّيخ صقر". إلى قوله: "وسار جرجس باز في تلك العساكر التي تجمّعت إلى بلاد صافيتا، وفي وصولهم إلى أطراف البلاد ابتَدوا في الحريق، وكان ذلك زمن حصاد، وأحرقوا غلال تلك البلاد، وذهبوا من بلاد النصيرية أموالاً لا تُحصى، ونزلوا على نهر الأبرش. ولمّا تحقّق الشيخ صقر عدم إسعاف المُلّا إسماعيل له، وأنّ جميع حكّام تلك المقاطعات ضدّه، وَجّه أحدَ أولاد عمّه، وَوَقعَ على جرجس باز، وفي وصوله قَبِلَه جرجس باز أحسن قبول؛ لأنه كان خائفاً من خيانة تلك العساكر التي كانت مجتمعةً معه، فأمرَ حالاً بإبطال الحريق عن تلك البلاد، وأصلح أمرهم مع مصطفى آغا بربر تحت مايتَين وخمسين كيس، ورجعت تلك العساكر كُلٌّ إلى محلّه.
--------(بربر يؤدّب النصيريين مرّة ثانية)
وفي السنة التالية لرجوع بربر إلى منصّة الحكم؛ أي سنة 1811 خرج النصيريّون على النظام والطاعة في بلاد المرقب الشهيرة في البلاد العلوية، وعهدَ سليمان باشا إلى بربر لتأديبهم.
ويقصُّ علينا الأمير حيدر تلك الواقعة كما عرفها بنفسه: "وفي هذه السنة (1811) أمر سليمان باشا مصطفى آغا بربر المُتسلّم وقتئذٍ مدينة طرابلس الشام بأن يُغيرَ في العساكر لتأديب ملّة النصيرية". إلى قوله: "ثم أرسل مصطفى بربر يستنجد من سليمان باشا أن يأمر متسلّم حماة (المُلّا إسماعيل المعهود) بالمعاونة له، فحضر متسلّم حماة بعسكرٍ نحو ألفَين، وحين وصولِه أمرَه مصطفى بربر أن يهجموا على قرية النصيرية، وكان يُقال لها "عين الكروم"، وكانت وعرةَ المسالك صعبةَ الطرقات، ولم يقدر عسكر حماة أن يَجوزها، وبقي مصطفى بربر مثابراً أمام بلاد النصيرية إلى أن سلّموا له، وارتضى منهم بمالٍ يسيرٍ. وفي هذه السنة (1811) تظاهرَ بالعصاوة أهلُ مقاطعة القرداحة النصيرية في أعمال اللاذقية، فمشى عليهم (بربر)، وحاربهم، وقطع منهم سبعة وعشرين رأساً، وأرسلها إلى عكا.
--(بربر يؤدّب النصيريين مرّة ثالثاً تأديباً مُروِّعاً للغاية)
إنها لَغزوَة من غزوات التاريخ المُروِّعة للبلاد العلوية يقوم بها بربر سنة 1815، وهي جديرةٌ بمواضيع الروايات والأساطير المدهشة لِما ضمنت من أحداث وعِبَر، وقد حملَ بربر على النصيريين حملةً هذه مرّة ثالثة نزولاً عند أوامرَ مُشدَّدةٍ أصدرها إليه بذلك سليمان باشا العادل والي صيدا بعد الجزّار: "في تلك السنة جاء سائحٌ أوروبي يجول في بلاد العلويين مستطلِعاً ما فيها من قِلاعٍ، وحُصون مدهشة للصليبيين". إلى قوله: "وهناك فتكَ بهِ بعضُ النُّصيريين وقتلوهُ ابتزازاً لمالِه.... ذلك السائح الضحيّة يجعلُه الأمير حيدر الشهابي - المُعاصر لمقتله - رجلاً من أشراف الإنكليز، ويجعل قاتليه النصيرية "من مقاطعة بيت ياشوط" في كتابه (الغُرر الحِسان، قسم 3، ص : 630).
ثم يأتي جرجي يَنّي فيقول نقلاً عن إلياس صدقة أن القتيل كان طبيباً إنكليزياً.
أمّا حقيقة ذلك القتيل، فتؤكّدها الكاتبة الفرنسية الأديبة بول ابنة الكاتب الكبير المشهور هنري بوردو من الأكاديمية الفرنسية في كتابه (اللادي ستانهوب في الشرق - طبعة باريس سنة 1924)، فتقول: "أنّ ذلك السائح القتيل هو الكولونيل بوتان الفرنسي من رجال نابليون بونابرت الأبطال المغاوير، وأنه صديق اللادي أستير استانهوب النبيلة الإنكليزية الشهيرة، نزيلة لبنان - بلدة جون فوق صيدا - في عهد الأمير بشير، صاحبة الحَول والطول، والأساطير العجيبة، وأنها هي التي أرغمت سليمان باشا والي عكا ارغاماً على تكليف مصطفى بربر بالاقتصاص من النصيريين انتقاماً لمقتل صديقها بوتان.
-------------------(إسنادُ المُهمّة إلى بربر)
كان اختيار مصطفى بربر لهذه الغزوة التأديبية موافقاً للغاية وهو القائد العظيم، ويكرَهُ (الحشّاشين)١ من صميم قلبه، وقدِ استحلَف عساكرَه (بالحبل الديني)، وأثار ذكره في جوارحهم، فألهب حماسهم، ومشوا إلى (حربٍ مقدَّسة)، وفي عقيدتهم أنّ قتلَ (حشّاش)٢ هو تمجيدٌ للنبيّ محمَّد، فاجتاحوا البلاد العلوية، ومهَّدوا وعرَها، فاقتلعوا صخورها صخراً صخراً، وقطعوا أشجارها، وهدموا بيوتها، وذبحوا كلَّ ما وقعَ في حَوزتهم من الحشّاشين حتى الشيوخ والأولاد، وسبوا النساء وباعوهنّ رقيقات ... إلخ".
وقد أرّخ الرواية :
أولاً - الأمير حيدر الشهابي - ابنُ ذلك العصر.
ثانياً - جرجي يَنّي نقلاً عن إلياس صدقة - المعاصر.
ثالثاً - العلّامة محمَّد كرد علي الكردي الأصل.٣
وتحدّث عنها الدكتور فرج زخّور في كتابه (بربر آغا - ص: 55 - 56).
وذكرها هاشم عثمان.٤
والكاتبة بول هنري بوردو - ص: 231 - 238).
----(الشّيخ مُقبل والشَّيخ إبراهيم بجليلا - ق - )
إنّ جميع أهل منطقة القرداحة يرَون عند مدخلها الغربي/الأوتستراد العام/ جامعاً صغيراً يُسمّى (الشيخ إبراهيم بجليلا)، وعلى طريق القرداحة القديم (مفرق قرية السلّاطة) يستقرّ مقامٌ يتدفّق من تحته ينبوعٌ غزيرٌ واسم هذا المقام (الشيخ مُقبل). وهما في الحقيقة ؛ أي المقامَين (الرأس والجسد) يعودان لشيخٍ واحدٍ، وقدِ استُشهدَ على يدِ مُجرمِي مصطفى بربر آغا.
وقد أوردت الكاتبة غيد بيطار في كتابها (اللاذقية عبر الزمن): "إنه حدث عصيانٌ، فأمر الوالي بتأديب العُصاة، فجاءت حملةٌ أحرقَتْ، وخرّبتٍ، وقطَعتْ (7) رؤوس سقطَ إحداهُنّ في الطريق، فأراد العسكرُ تعويضَ الرأس، وهي في الحقيقة رؤوس قطعوها لا على التعيين، والتقوا برجُلٍ فقطعوا رأسَهُ، وأضافوهُ إلى الرؤوس السبعة، ولمّا رآه المتسلًم عرفَه، وحزنَ عليه، فقد كان يزورَه... إلخ.٥
-------------------------------------------------------------
١ الحشّاشون هم فرقة إسماعيلية القسم النزاري انفصلت عن العبيديين الفاطميين في أواخر القرن الخامس هجري لتدعو إلى إمامة نزار المصطفى لدين اللَّه ومَن جاء من نسله. كان معقلُهم أول الأمر في قلعة آلموت - بلاد فارس (إيران)، وبعدها تمدّدت إلى مدينة مصياف، وقلعتها، وكان زعيمها سنان راشد الدين (شيخ الجبل).
٢ لقد اختلط على مصطفى بربر آغا كما قبله على (ابن تيمية) العلويِّينَ وقد جعلهم إسماعيليين - باطنيين، واعتقد أنهم الحشاشون أنفسهم. وهيهات، فالعلويون إماميّون اثناعشريون، والإسماعيلية سبعية (إمامهم إسماعيل ابن الإمام السادس جعفر الصادق - ع).
٣ مصطفى آغا بربر حاكم طرابلس واللاذقية (1767 - 1834) - ص (34 - 35 - 36 - 37 - 45 - 100 - 101 - 129 - 150 - 151 - 154 - 155 - 156)، الأب إغناطيوس طنّوس الخوري - الطبعة الثانية 1985 - دار الخليل - طرابلس.
٤ تاريخ صافيتا في العهد العثماني - ص (217 - 218)، منير عبد الحميد صقر.
٥ التاريخ إن نطق، زين العابدين أحمد رمضان - الطبعة الأولى 2026م - المطبعة العربية - بيروت/ لبنان.