كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان

---------معركة طبرية - قصة أمجاد وبسالة--------
إنّ قراءة تاريخ لبنان، وزيارة الأماكن التي وقعت فيها العديد من الحوادث تجعلني حذراً للغاية ممّا قرأته، وتدفعني للبحث عن مئات الكتب والمقالات حتى أتمكَّن من معرفة الحقيقة الدقيقة حول العديد من الكتابات التاريخية التي تم اعتبارها بأنها "الحقيقة الوحيدة". في النهاية كان هناك ذلك الفصل الأسود من تاريخ لبنان حيث قُتل كثيرون، ودافع الكثيرون عن أراضيهم، وأصبحوا شهداء، والمفارقة في كل هذا هو أن الكثير ممَّن يعيشون اليوم ليس لديهم فكرة عمّا كان ذلك الماضي، وعن الذين عاشوا ذلك الماضي ودافعوا عن أرضهم حتى الموت.
ربما يمكنني كتابة الكثير من الكتب عن هذا الموضوع؛ لأن لبنان شهد آلاف القصص المماثلة عبر التاريخ، ولكني سأتوقف هنا، وأتحدث عن مكان ملأ الشهداء قُراهُ.
كان هذا المكان في كسروان حيث كتب الشهداء تاريخ لبنان بدمائهم منذ آلاف السنين.
وفي هذا المقال سوف أسلط الضوء على بعض الحوادث التاريخية الرئيسية.
كان أحدُها في نهاية القرن الثالث عشر وهذا ما غير الاسم التاريخي لكسروان، والذي كان يُعرف بـِ"العاصية " التي لم تخضَع يوماً لمحتلٍّ أو لفاتحٍ، فكان أهلها دوماً يدافعون عنها ببسالةٍ، وشرفِ، وقدَّموا قوافلَ من الشهداء ولاحقاً سُمّي بكسروان أو كسروان – الفتوح .
وفقاً لذلك خَضع هذا القضاءُ لتغيرات ديمغرافية على صعيد سكانه، فكانت الهجرة المتتالية إلى أن استقرَّت على ما هي عليه اليوم بأغلبية مسيحية – مارونية، واستقر معها مركز قرار الطائفة المارونية – أي بكركي. لكن ماذا حدث بالضبط لإحداث هذا التغيير الكبير؟.
ففي أواخر القرن الثالث عشر ضعفت الخلافة العباسية للغاية، وظهرتِ العديدُ من الدويلات الأخرى مثل المماليك وغيرهم. والمماليك كان أكثرهُم من التُرك، والمغول، والشركس، ولم يكونوا أبدًا من العرب، ولم يُحبّوا العرب أبدًا، وأُصُولهم رقيقٌ مُحاربين استقدمهم الخُلفاء العبَّاسيين الأوائل من تركستان والقوقاز وغيرها وجعلوهم حُرَّاسًا لهم وقادةً لِجُيُوش المُسلمين، وقد ازداد نُفُوذ المماليك بِمُرور الزمن حتَّى أصبحوا يُهيمنون على الخِلافة وعلى مركز صناعة القرار، وكانوا طغاةً، وقتلوا مئات الآلاف من الناس بطريقةٍ وحشيةٍ فقط لأنهم مختلفون عنهم.
وفي أيام المماليك كان مُفتيهم الديني أحدُ المتشدّدين، وهو ابن تيمية، وهو أبُ الحركات الإسلامية المتشدّدة الحالية.
كان في اعتقاد ابن تيمية أن حال الانقسام التي كانت موجودة في الدولة الإسلامية بين شيَع ومذاهب ومِلَل ونِحَل هي التي ساهمت في سرعة وسهولة انتشار الفرنجة الصليبيين في المشرق، لذلك قام المماليك ببدعة توحيد العالم الإسلامي تحت راية واحدة هي الراية السنيّة، لذا كان ينبغي إقناع (الشيعة) بأن يتركوا مذهبهم، وأن ينتقلوا إلى السنّة، وإلا سيتم قتلهم.
حاول المماليك بالحُسنى وأخيراً استعملوا القوة، ولم تكن مجرّد قوّة بل كانت عملية إبادة لمناطق كاملة من لبنان وكانت إحدى هذه المناطق "العاصية" أو " كسروان"، والمقصود بكسروان ليست كسروان الحالية بل منطقة الجبال الكسروانية من نهر إبراهيم إلى نهر بيروت.
كل هذه المنطقة التي تشمل اليوم كسروان والمتن جرت فيها عملية إبادة للشيعة الذين كانوا يشكلون أغلبية السكان في هذه المنطقة.
المعركة الأصعب في كسروان كانت بجانب نهر إبراهيم، وهي بالفعل منطقة طبيعية صعبة جداً، وكان يتمركز هناك الشيعة.
وبما أن المماليك افتتحوا هذه المنطقة، فأطلقوا عليها اسم "الفتوح"، وأجروا عملية إبادة للبشر، وللحجر في معركة جرت قرب أنطلياس، وقُتل فيها أربعة آلاف محارب، ثم هرب الناس إلى المغاور التي أغلقت عليهم، وماتوا بداخلها، ولم يبقَ ساكنّ في هذه المنطقة من نهر إبراهيم إلى نهر بيروت وأُحرقت بالكامل وماتت الناس، إما خنقاً، أو طُردوا لاحقاً باتجاه طرابلس، وقسم آخر طُرِد باتجاه اقليم الخروب، وجزين، والبقاع، واستُقدم "التركمان" للإقامة فيها، ومراقبة الشواطئ في ما لو عاد الناس إلى هذه المنطقة. كانت هذه واحدة من أولى معارك الشهداء في الألفية الأخيرة، والمعركة الأخرى وقعت بعد ما يقرب من 500 عام في مكان يسمى طبرية داخل قرية رعشين.
يذكر التاريخ معركة طبرية – رعشين في العقد الرابع من القرن التاسع عشر، والتي دافع أبناء العاصية وانتصروا على عسكر ابراهيم باشا الذي جاءهم من مصر، وما زالت المنطقة حتى تاريخه تحكي قصة أمجاد وبسالة أهلها، وما زال كهول المنطقة يذكرون كيف وصل بعض العسكر الى كنيسة مار جرجس- رعشين وحاولوا تمزيق الصورة الموضوعة فوق المذبح، وكيف تلبدت السماء وقتها بالغيوم وبدأ تراجع العسكر، وتم محاصرتهم في ساحة طبرية فمنهم من قضى في المكان، ومنهم من هرب تاركًا وراءه سلاحه وعتاده، وبالطبع، وكالعادة حدثت الخيانة، والعديد من العائلات الكسروانية تواطئت مع ابراهيم باشا ضد أهل منطقتهم.
وحتى اليوم يُعرف هؤلاء بالغرباء وكلمة " غريب " أطلقت على مرّ التاريخ على كل فرد أو مجموعة تواطئت مع العدو، ضد مصلحة العاصية، وأبناء العاصية.
وهناك كنيسة جميلة ما زالت تتحدث عن هذه الشهادة وهي تقع في منطقة طبرية – رعشين , حيث وقعت المعركة التاريخية القديمة في كسروان . تلك الكنيسة جميلة للغاية ومبنية داخل التلال الصخرية ، وارض وكنيسة مار اسطفان كانت، وما زالت ملك وقف مدرسة عين ورقة حيث أنّ البطريركية المارونية هي قيّمة على ادارتها. والمنطقة مليئة بحدائق أشجار الأرز داخل تلك الأرض التي سقيت مرة بدماء الشهداء منذ أيام المماليك مع المسلمين الشيعة.
-------------------------------------------
نقلها زين العابدين رمضان عن ali badawi (بتصرّف).
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع