مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
2026.07.21
عماد بلان
..وكاد مستقبل الفهد أن يحطمه صديقان..
==================================
..برفقتكم الطيبة أستأنف من نهاية الحلقة السابقة (5)، لأتابع حكاية الصداقة الحميمة التي جمعت الفهد بـالصديقين (س. غ. د) و( ف. ح) وما تخللها من مفارقات غريبة وأحداث مؤسفة.. وكيف انتهت..؟
..اعتاد الصديق (س..) على زيارة الفهد عدة مرات أسبوعياً، وفي أوقات من التاسعة ليلاً وما بعدها، يجلسان على الشرفة الشرقية من "العليّة" وأمامهما طاولة صغيرة، عليها بطحة عرق، وبعض المازوات الخفيفة التي تكاد تتناسب مع دخل كل منهما، فالفهد لا يتقاضى راتباً أكثر من ثمانين ليرة في الشهر، وصديقه كذلك، والحال مثل بعضه.. ومع ذلك فلا بأس من إنفاق ليرات ثلاثة ليرات كل سهرة..
..بعد دوران أقداح العرق برأسيهما على نغمات العود وبعض الأغاني الشعبية، كان الفهد يترك صديقه وحيداً مرات متكررة، لينزل ويطيب خاطر زوجته وبقية أفراد العائلة المنزعجة من ضيفه ثقيل الظل، ويطلب منهم المزيد من المازوات، لكن.. عندما يرجع إليه كان يتفاجأ به واقفاً عند زاوية من سطح العلية ويتحدث مع جهة أخرى بلغة غريبة غير مفهومة من جهاز يستخدمه.. جهاز أسود اللون كالهاتف الصغير بحجم كف اليد يمتد منه هوائي بطول حوالي عشرين سنتيمتر. وبعد أن يلاحظ قدوم الفهد ثانية يسارع بالنزول على السلم الخشبي إلى حيث كان.. يسأله الفهد باستغراب: ولك شو هالتلفون هذا..؟ ومع مين كنت بتحكي يا زلمة..؟ يرد عليه الصديق بعد أن يدسَّ الجهاز في جيب سترته الفضفاضة قائلاً: لا.. ولا شي.. انت بتعرف يا فهد أني بشتغل مع المطار.. ولازم إحكي مع الطيار منشان أعطيه معلومات قبل ما يهبط بالطيارة.. فهمت إسـَّـا خيي..؟ ما لنا ومالهم.. خلينا نرجع وندندن عالعود..
..يصدقه الفهد..! وكيف لا وهو الصديق الصدوق الموثوق؟! وتستمر السهرة حتى بعد منتصف الليل.
..بعد حوالي سنة من تلك الصداقة، وذات ليلة، بينما كان الفهد وصاحبه (س) يمضيان سهرتهما الهادئة، طرق باب بيتنا شخص آخر (ف. ح).. كان قد تعرف إلى الفهد قبل أسابيع فقط، نزل الفهد واستقبله وصعد به الدرج إلى الشرفة حيث تم اللقاء والتعارف بين الضيفين، باتوا الآن ثلاثة.. الفهد و(س) و(ف) يجتمعون ويسهرون كل ليلة على تلك الشرفة الشرقية من العلية حتى طلوع الفجر..
..في ليلة صيفية والسماء صافية، نهض (ف. ح) بسرعة من على كرسيه وتسلق السلم قاصداً سطح العلية وسط ذهول من الفهد وصديقهما الآخر (س).. أمضى (ف) أكثر من نصف ساعة يتحدث من خلال جهاز شبيه بالجهاز الذي يحمله (س).. وبعدما انتهى من مكالمته عاد إلى صاحبيه شبه مرتبك يتمتم ويقول:
..ما تواخذوني يا شباب.. كانت مكالمة مهمة مع صاحب المزرعة.. مزرعة البقر يللي بشتغل فيها بالغوطة..
..ردَّ الفهد ساخراً: يا حبيبي.. هذا بيشتغل بالمطار.. وهذا بيشتغل بمزرعة بقر..! ما شاء الله وبدها تلفونات وبنص الليل كمان.. ولازم الحكي من فوق السطح.. يعني ما بيصير تحكوا من هون وقدامي كمان.. شو الحكاية شباب..؟
..عندئذ.. مـدَّ (س) كفه وصافح (ف).. وبخبث و غمزة عين ذات دلالة واضحة قال له:
..خيي (ف).. حياك الله.. يبدو أنا وأنت بنشتغل بمصلحة واحدة.. مش هيك..؟..
..ماذا كان يجري..؟ تابعوني:
..كما ذكرت لكم أعزائي، كانت سهراتهما بسيطة على قدر الحال الميسور لكل منهم.. بطحة عرق.. و سجائر.. وقليل من المكسرات.. صحن لبنة.. حبيتين مكدوس.. ورغيفا خبز.. لا أكثر..! لكن وبعد شهور قليلة من بداية التعارف بين (س) و(ف).. طرأ تغيير ملحوظ على حياة الصديقين المحبين للفهد. استغنى (س) عن دراجته النارية وامتلك سيارة فوكسفاكن، وبات أنيقاً.. بدلة وقميص مناسب مع ربطة عنق ثمينة.. وكذلك الحال مع (ف).. إذ إزدهرت أموره وتبدلت أحواله، فانتقلت السهرات البسيطة من الشرفة الشرقية للعلية، إلى سهرات صاخبة داخل علب الليل الدمشقية التي تعتصر جيوب روادها بالخمسينات والمئات من الليرات – آنذاك - على المشروبات الروحية الأجنبية الفاخرة وما حولها من أطعمة متنوعة.. هذا فضلاً عن نشاطات "شبابية" مرافقة لتلك السهرات.. كل ذلك كان يجري والفهد في ذهول واستغراب.. يسألهما: يا شباب.. شو صاير بالدنيا..؟ من وين هالبذخ والصرف بلا حساب.. الله يرزقكم، لكن بسرعة هيك..؟ مش معقول.. أجابه (ف) وهو قمة الثمالة: يا زلمة انت اشرب وانبسط ..و سكوت وبَـسْ.. وبالفعل سكت الفهد والتزم الصمت.. لكنه كان قلقاً من شبهات كانت تثيرها هواجسه وتساؤلاته حول طبيعة أعمال صديقيه.. الأمر الذي لفت انتباههما.. ففاجأه (ف) بقوله:
..يا فهد.. بدك تشتغل معنا براتب ما بتحلم فيه طول عمرك.. شو رأيك..؟
فكان رد الفهد بمنتهى الثقة و الصدق والبراءة:
..لا.. لا خيو.. حلم حياتي بس اني صير فنان.. والله كافيني..
..ومع مرور الأيام، ومع اختلاف وتفاوت الحالة المعيشية والمادية بين الصديقين من جهة والفهد من جهة أخرى، فقد قلـَّت لقاءاته بهما وتلاشت علاقاته معهما إلى أن انعدمت تماماً وبات هو في طريق.. وهما في طريق آخر.. فأي طريق سلكه الفهد آنذاك..؟ وأي طريق سلكه الصديقان..؟
..ومن لم يشعر منكم بالملل.. فليتفضل بمتابعتي:
..مضت سنتان، انطلق الفهد خلالهما و حقق بفضل الله نصيبه الوافر من الشهرة في سوريا ولبنان والأردن.. وأصبحت أغنياته الشهيرة على كل شفة ولسان.. وبات ذلك الفنان المعروف: فهد بلان.. تعددت أغانيه وبلغت العشرات.. وانضم إلى بطولة بعض الأفلام السينمائية، حتى عرض عليه بطولة فيلم "عقد اللولو" مع صباح ودريد لحام ونهاد قلعي.. وخلال الحلقات اللاحقة سأسرد عليكم بداية انطلاقته الفنية وما تلاها من تطورات..
..وأعود و إياكم لقصة الصديقين:
..خلال التحضير لذلك الفيلم - عقد اللولو - حدث الآتي:
..بعد انتهاء مخرج الفيلم من تصوير مشهد للفهد وهو يحرث أرضه وتتبعه الفنانة الراحلة صباح وهي تبذر القمح خلفه، وكان التصوير في حقول متاخمة لبلدة جرمانا.. آنذاك.. وبينما كان الفهد يأخذ قسطاً من الراحة، وصل شقيقه غالب فجأة بسيارة الفهد – وكانت بويك ريفيرا حمراء اللون – إلى موقع التصوير.. ترجل من السيارة وحالة من القلق والاضطراب تبدو عليه، مشى يحث خطاه فوق أثلام التربة المحروثة مستعجلاً وصوله إلى شقيقه الفهد حتى أخذه جانباً يهمس في أذنه عبارات بدت وكأنها قد زلزلت كيانهما معاً..
.."يا فهد.. انت مطلوب الآن من قبل الأمن للتحقيق معك..".. ردَّ الفهد: الأمن طالبني أنا..؟ خير شو الحكاية..؟ أجابه غالب: أصحابك.. ما غيرهم.. (س) و(ف).. تم إلقاء القبض عليهما.. ردَّ الفهد: ليش..؟ شو عاملين هذول.. وشو تهمتهم..؟ أجابه غالب: التهمة هي التجسس والتخابر لصالح إسرائيل..
..أسرع الفهد – وبملابس التصوير – مع شقيقه غالب إلى السيارة، وخلال نصف ساعة كان أمام ضابط ذي رتبة عالية في الأمن.. أجرى تحقيقاً مطولاً مع الفهد حول علاقته السابقة والحالية مع الجاسوسين، وهل كان عنده علم بنشاطاتهما التجسسية، وما يمكن أن يضيفه لصالح التحقيق والقضية.
..صرَّح الفهد بكل ما لديه من معلومات دون أن يخفي شيئاً البتة.. وبعد أن وقـَّـع على محضر التحقيق، وقف أمام الضابط وقال بصوت واثق: سوريا هي بلدي الأقدس بعد الله تعالى.. ولو كان ابني بذاته متورطاً في هكذا خيانة شائنة للوطن وأهله ما كنتُ قد ترددتُ لحظة بتسليمكم رقبته فوراً..
..ومضى الفهد في سبيله متأملاً مفارقات الحياة وأسرارها ومفاجآتها ليشق طريقه إلى عالم الفن والشهرة.. بينما مضى الجاسوسان إلى مصيرهما المحتوم.. إلى حبل المشنقة جزاءً عادلاً لما اقترفت يداههما من خيانة عظمى للوطن.. لا تغتفر..