كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: "الفوضى" بوصفها بديلاً للنّظام.. و الصّراع على "الشّرعيّة"!

يكادُ يقول الباحث السّياسيّ في "التّاريخ" و "المجتمعات" باستحالة الرّكون إلى "علم اجتماع" سياسيّ، جامد القوانين، يضمن له تقلّبات الحدث و ظروف الاختبار. غير أنّ الدّراسة الوضعيّة لمكوّنات الّلحظة "السوسيولوجيّة" كفيلة بتقديم أحدث و أفضل ما تطرحه الأحداث، في ديناميّتها، من أوضاع و حالات جديدة و مستجدّة. و هذا ما ينطبق على تطوّرات الحرب السّوريّة - مع سورية وعليها وفيها - بشكلٍ نموذجيّ. فالقانون الاجتماعيّ الذي يمكن أن يُطبّق على مجريات الأمور في واقعها المتبدّل، هو شيءٌ لا ينتمي إلى البحث السّوسيولوجيّ. ذلك أن موضوع علم الاجتماع- كما يراه (ماكس فيبر)- "هو الفهم المتعلّق بتقديم تفسير سببيّ للفعل الاجتماعيّ".. ذلك "أنّنا نفهم لأنّنا ندرك الدّافع" كما يقول (فيبر) [ماكس فيبر و مفارقات العقل الحديث- فيليب راينو- ترجمة و تقديم محمد جديدي- منشورات الاختلاف- الجزائر العاصمة- الطبعة الأولى- 2009م].

و في رأينا لا تُدارُ "الأزماتُ" كما يُشاعُ و يجري طرحه في "علم السّياسة" و "علم الإدارة" المعاصِرَين - المُلحَقَينِ بالأصول - اليومَ؛ و لكنّها تُعالج "الأزمة" وفق "مبيانٍ" واقعيّ و لو كانت حلولها مركّبة أو متضايفة أو متراكمة أو متقطّعة على أجزاء أو متسلسلة، و ذلك في سياق "حُكمٍ" أو "برهانٍ" صحيح، على كلّ من الأزمة و العلاج و أدوات و وسائل و كوادر هذا العلاج.

سبق أن قلنا، في مناسبة سابقة من الحديث، إنّ قوّة الدّولة ليست بأخلاقيّاتها المتعارف عليها "اجتماعيّاً" أو عرفيّاً، و إنّ "الدّولة" كمؤسّسةٍ ليست "خيريّة أخلاقيّة" عليها أن تجعل "الجميع" سُعداء، على ما يحمله مفهوم السّعادة من متطلّبات أبديّة في الطموح والطّمع و الجموح و الجنوح. و قلنا كذلك إنّ قوّة الدّولة هي الأخلاق السّياسيّة للدولة، و إنّ قوّة الدّولة - بكلّ عناصر هذه القوّة - هي نفسها أخلاق الدّولة؛ ذلك لأنّها تستطيع، و فقط عبر هذه القوّة "الأخلاقيّة"، و تتمكّن من تحقيق "عدالتها" التي تكمن في جذور أسباب وجودها كدولة ضامنةٍ للقيم و الاستقرار و "الحقوق". و حتّى أنّنا قلنا أيضاً إن "العنف" نفسه في معرض تطبيق الدّولة للقانون و ممارستها للسّيادة، هو عنف مشروع و مطلوب أيضاً. و لكنّ ما لم نقله حتّى الآن هو ما يتعلّق بالحقل أو بالحقول الاجتماعيّة و السّياسيّة و الإداريّة و الاقتصاديّة التي تظهر فيها الدّولة مشخّصة بالأدوات و الوسائل الضّابطة و الرّادعة و المنظِّمة. أين و كيف تمارس الدولة "قوّتها" التي وجدت بها و لأجلها في آن واحد؟

لن نخوض هنا في مفهوم "السّلطة" و "النّظام" و "الضّابطة العدليّة" و "القمع" و "الكفّ" و "التّوجيه"؛ فهذا ممّا علينا أن نفرد له بحوثاً خاصّة - ربّما -  في مناسبات أخرى. نحن هنا سنتحدّث- و باختصار- على "الفوضى" التي تهملها "الدّولة" و التي تشكّل أهمّ عوامل الخطر المهدّدة للدّول و الشّعوب في الإندثار و الإنقراض.

ما هي "الفوضى"؟ و ما هي أنواع "الفوضى"؟ ما هي مظاهرها؟ و لماذا على الدّولة أن تواجهها باستمرار؟

و يبدو كما هو واضح أنّ "الملاحظات" إنّما تتعلّق بصيغة "الدّولة" كظاهرة اجتماعيّة على وجه الحصر، و لهذا فإنّ علم الاجتماع (أو في الحقيقة علوم الاجتماع المختلفة) هو المبيان العلميّ و غير المتحيّز قدر الإمكان، الكفيل بالإضاءة على ما نتحدّث عنه. و قد يستغرب البعض من غير المطّلعين أنّ رائداً من روّاد " علم الاجتماع " مثل (ماكس فيبر) يرى أنّ الغرض من علم الاجتماع، كعلم، هو ليس دراسة الوقائع أو الظّواهر الاجتماعيّة، بل على التّحديد دراسة و تحليل سلوكات الأفراد.

من هنا اشتهر عنه أنّه أحد المؤسّسين الأوائل للفرديّة المنهجيّة في علم الاجتماع (Methodologique Individualisme). و نحن نرى أنّ البحث في العلاقات الاجتماعيّة يتطلّب الدراسة و البحث في الأفراد كشخوصٍ اجتماعيين و ثقافيين و سياسيين، كما تتطلّب الدّراسات السّياسية البحث في البنيات و المؤسّسات. و  عندما نشير إلى "الفوضى" على مختلف أشكالها نكون قد حقّقنا غرضنا في دراسة "الفرد" السّياسيّ في إطار البنية السّياسيّة لمؤسّسة الدّولة على الحصر.

خضعَ المجتمعُ السّوريّ لممارسات فرديّة و جماعيّة تمثّلت تاريخيّاً في "أسطرة" الأحكام المختلفة و رفعها إلى مستوى التّنزيه. و قد اجتمعت في تلك الأسطرة مختلف الأفكار و التّمثّلات و الامتثالات و المعتقدات و الغيبيّات و الأحكام النّظريّة غير العمليّة و غير العلميّة، حتّى إذا ما شكّلت منظومة ثقافيّة كاملة دخلت في الأوهام التي هي إحدى مكوّنات "الأسطورة". و كانت سبل التربية و الثقافة و التّعليم كافية لخلق هذه المنظومة و تشكّلها و تعضّيها بهدوء تاريخيّ.

و لطالما قرأنا و شاهدنا و عرفنا في "المناهج" التّربويّة و المقرّرات "الأكاديميّة" و "المكتبات" الخاصّة و العامّة التّجاريّة منها و المجّانيّة.. مصنّفاتٍ و مراجعَ و مؤلّفاتٍ و إنشائيّاتٍ، كرّست في الذّهنيّة الفرديّة الاجتماعيّة جميع أصناف "ثقافات" العزلة و الانعزاليّة الفكريّة القائمة على احتكار "الحقيقة" التاريخيّة و الدّينيّة و السّياسيّة. و من الطّبيعيّ أن تنفردَ و تنعزل هذه " الحقائق " المزعومة و تتضاعف مرّة أخرى في التّخييل الفرديّ للتّمثّل الإدراكيّ، ما ينتج عنه مفرداتٌ لا حصر لها من الشّخصانيّة الثّقافيّة التي يجمعها رابط واحد في المنظومة التّاريخانيّة و اللاتاريخيّة، و هو انتشار النّظريّ و "الشّفاهيّ" النّقليّ غير العقليّ و غير العمليّ في آن معاً؛ مع اشتغال تلك المنظومة المغلقة  تأسيس قواعد الفهم و الممارسة و السّلوك. هذه هي على الضّبط "جينالوجيا" (أصلويّة) التمزّق الاجتماعيّ- السّياسيّ السّوريّ.

عندما تنشب أسباب الفوضى التّألُّهيّة المعروفة جيّداً في المجتمع السّوريّ و المؤسِّسَةِ الأهمّ للنّرجسيّات الثّقافيّة و السّياسيّة، يكون علينا من الواجب أن نتابعها تلقائيّاً في المدرسة و الجامعة و الجامع و الوظيفة العامّة بل و حتّى في المؤسّسات السّياسيّة القائدة للمجتمع! و هذا شرح يطول. أمّا الأهمّ، هنا، فهو أن ندركَ أنّه في هذا النّسيج المضطرب لمنظومة الأسطرة الإدراكيّة، ستنمو الكثير من "قواعد السّطوة" التي ستنافس قانون الدّولة في كلّ مفصلٍ من مفاصل القوّة و التّاثير، و سوف تتفوّق عليها، أيضاً، نظراً لخلفيّتها الاجتماعيّة "المقدّسة" بالتّديّن - و هذا في العموم - و الدّاعمة لها في استفرادها ثقافة الدّولة السّياسيّة التي تخلّت عن "قوّتها" في معرضِ الإهمال و الشّعور الفارغ بالتّفوّق في "السّلطة".

غالباً ما تنسى مؤسّسة الدّولة (و ما تستهتر مؤسّسات الدّولة التّنفيذيّة، لمصلحتها في المنظومة..) أنّ قواعد السّطوة الاجتماعيّة - السّايكولوجيّة، الفرديّة أو المتفرّدة، هي قادرة على أن تشكّل سلطاتٍ موازية لسلطة الدّولة و تفوقها في التأثير على المدى الذي خرج من قائمة احتمالات "الدّولة" في كونه أساس المُعَانَدَةِ المدمِّرة في المواجهات الغزيرة و اللحظيّة القادرة عليها و التي لا تُعدّ و لا تُحصى، فإذا بها سيلٌ جارف من السّلطات المواجِهة و المقارِعةِ و الفاعلة إلى حدّ قدرتها على الإلغاء!

لقد أصبحنا، في حالةٍ من حالات "الطّبيعة" المتوّحشّة و القائمة على "الاغتذاء" (بكلّ ما يعنيه من اغتصاب و سرقة و اعتداء و استهتار..)، منضافاً إليها "الثقّافة" التي تختزل كلّ جهدٍ زائدٍ في "قانون الضّيعان" الطّبيعيّ الذي يصفُ "الجهود المهدورة"! نحن الآنَ في مجتمع من الفوضى الطّبيعيّة "المثقّفة" و التي لا وجود فيها للهدر..، في مقابل مؤسّسة "الدّولة" التي أهدرت قوّتها الضّائعة في المشاهدات المجانيّة الخاسرة..!؟

لقد أظهرت "الفوضى" ذاتها باضطرادٍ مع عدم الاكتراث بقانونٍ وضعيّ أو مسلكيّ لا يمكن أن يُطبّق من قبل أهل الفوضى، القائمين أنفسهم على "القضاء"! و كانت أنواعها عديدة. نحن عاصرنا فوضى السّلوك الفرديّ في المرافق العامّة، و فوضى استخدام المشاعات الاجتماعيّة و الخدميّة، و فوضى نظام سير الرّاجلين في الشّوارع إلى جانب فوضى قانون السّير و القائمين على تطبيقه! و الجميع عاصر فوضى الإدارة العامّة و المؤسّسة الحكوميّة، هذه الفوضى التي اتّخذت لها مظاهر شهيرة من استباحة المال العام و كرامات المواطنين.. كما عاصرنا فوضى التّقنين و التّقعيد - من قانون وقاعدة -  المُفضيان إلى تشريع " القانون " كما عاصرنا فوضى إلغائه و إعدامه في الّلوائح و التّعليمات التّنفيذيّة المزعومة و الخرقاء، و أيضاً عاصرنا فوضى اتّخاذ القرار و تطبيق القرار و انعدام الأخلاق المسلكيّة في الوظيفة العامّة، ناهيك عن فوضى الإعلام و النّشرِ.. و كذلك فوضى المناهج التّربويّة و التّعليميّة و حقنها بثقافة الجريمة المبكّرة و ثقافة الإرهاب التّمهيديّة التي ينتظرها مع "المستقبل" أدوات و وسائل التّنفيذ..!؟

إنّه على جسامة و صراحة و وضوح مخاطر كلّ ذلك، نحن لم نعاصر البَتَةَ أيّ إدراك نظريّ أو تنظيريّ أو عمليّ في مواجهة تلك "الفوضى" أو تشخيصها أو معالجتها أو الحدّ من الفائض منها.. أو إفراد الدّراسات المتفرّغة لرصدها كظاهرة أصبحت من ضمن "عَتَلَةِ" (الكتلة الصّلبة الصّمّاء) "المشروعيّة" و الإباحة الشّاملة.

من الطّبيعيّ أن تنظرَ السّياسة إلى "الفوضى" كمقابل (النّقيض المطلق) للنّظام. و من الطّبيعيّ أيضاً أن نفهم أنّ هذه "الحالة" العامّة من "الخطأ الجوهريّ".. لا يمكن أن تستمرّ أو تُطاقَ، و ذلك بمعنيين:

- الأول: من حيث أنّ "الحالة" (الفوضى) ستقوم طبيعيّاً و تلقائيّاً بتظيف و تعقيم "الأضداد" الذين على قلّتهم في مجتمع الفوضى المنسجم (الأفضل أن نسمّيهِ المُنقَسَم) سيتحرشّون نسبيّاً بحالة الفوضى هذه و بممثّليها (و هم "الجميع"!)، ممّا يعني إقصاءهم "المنظّم"، و هذا ما يؤدّي إلى انسحابهم الهادئ أو "الفوضويّ" أيضاً - كردة فعلٍ يتيمةٍ و عجماء! - من المجتمع و من الشّأن العامّ، و بالتّالي اختفاءهم نهائيّاً من قانون الفعل الاجتماعيّ و السّياسيّ، و خلّو "المسرح" لممثّلي "الفوضى" القاهرة.

- و الثّاني: و بحكم تضخّم "الفوضى" نفسها و تناقضاتها الدّاخليّة و تبايناتها على الطّرق الكفيلة بالإمعان المتزايد في ترسيخها، و بحكم توتّر "طاقاتها" المتزايدة، و اعتلاء فئاتها بتنظيمٍ كطبقات متناضدةٍ، و أخيراً بحكم الطّموح "المسوّغ" ذاتيّاً و داخليّاً في "المنظومة" نفسها.. للأشخاص و العصابات و الجماعات الأكثر نفوذاً فيها و الأكثر ثراءً و الأكثر دهاءً.. فإنّ قانون الضّغط التّركيبيّ و البنيويّ و الهيكليّ الدّاخليّ هذا، سوف يؤدّي "تلقائيّاً" إلى ظهور "دولة الظّلّ" هذه التي ستعلن عن نفسها، بأدواتها العنيفة، في أقرب الظّروف.

من منافسة "الدّولة" إلى "احتلالها" الدّاخليّ في المجتمع و المؤسّسات، إلى التّعبير "الضّروري" عن كلّ ذلك في "السّياسيّ"، يتحول الطّموح المستتر إلى طموح معلن في تحدّي "المشروعيّة". فالمشروعيّة التي كانت "الدّولة"، هي الآن في مواجهة مباشرة مع "المشروعيّة" الجديدة، و تُستعاد حكمة "القوّة" التي انقسمت.. مع "دولة الظّلّ" فإذا بنا أمام اختبارٍ تاريخيّ لشرعيّة "الدولة" و فلسفتها في المواجهة التي انقادتْ إليها علة الرّغم منها و دون خيار.

هكذا تحدثُ "العامّيّات" التّاريخيّة (أو العوامّيّات) المسّماة بالثّورات. و لقد انطلقت "الثّورة"(!!) في سورية، و نحن- جميعاً- لا نزال قيد الاختبار..!؟

باختصارٍ أخير.. لا شيءَ يدعو الدّولة إلى "المساومات" التّاريخيّة، و لا شيء يهدّد "الدّولة"، كما تفعل "الفوضى" كسبب لهذا و ذاك.

الوالي العثماني سليمان باشا والي صيدا ودمشق وطرابلس وامرية الحج ١٨٠٤/ ١٨٢٠م وسبب غنى يهود دمشق
يوسف الرداد الحلبي مناظر ونص ومقام في جبال الساحل السوري.. ج1
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2