آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
2026.07.08
سيمون خالد علي
انتهى الجزء الاول عند صورة الشيخ علي بن منصور الصويري في قريته ونسبه ومقامه وتغريبته، فاستقر الاسم قرية في جبل المناصف، ونسبا يمتد الى لقب الرفدي، ومقاما يتوارث السدنة حراسته. ويبدا هذا الجزء من النقطة التي يتحول عندها الصويري من ولي محلي وصاحب مقام الى عالم شاعر مناظر تحمل نصوصه اسمه الى خزائن المخطوطات في مانشستر وباريس والقاهرة وبرلين واسطنبول.
۞
الرسالة النورية
أقرب صوت الى الشيخ نفسه
تعد الرسالة النورية أقرب النصوص الى صوت الشيخ علي نفسه، فهي تحفظ خطابه في الرد والمناظرة، و عنوانها الرسالة النورية للامير علي بن منصور الصويري ردا على العصبة الحاتمية الغيبية، وتظهر ضمن سلسلة التراث العلوي في باب المناظرات والردود، اذ وردت احالة الى موضع منها في الجزء الثاني من المناظرات والردود قرب الصفحة 291 من المجلد الثاني عشر من السلسلة، وهو موضع ينقل نصا مهما للشيخ الصويري.
وتحفظ الرسالة صوت الشيخ في المناظرة، وموضع قرية الصويري، وخيط سيرته الشخصية. فهي تنسبه الى قرية الصويري من قرى جبل المناصف، وتذكر انه كان يومئذ في قريته، وانه اطلع على عقائد أهل الجبل فوجد فيهم من خالف ما يراه صوابا، ثم تنقل خبرا انسانيا مؤثرا، إذ فقد غلاما له فاثرت فيه مفارقته، وضجر من المحاورة، فرحل الى البلاد الشرقية، وهجر الصويري مدة طويلة. وهذه العبارات تجعل قرية الصويري مركزا في حياته، وتصل نص المناظرة بقصة تغريبته.
وتظهر الى جانب الرسالة النورية صيغة قريبة هي النورية في اثبات الذات العلية على لسان الشيخ الصويري، عنوانا آخر للرسالة نفسها او نصا قريبا منها في باب الرد، ويرد في هذا المحيط ذكر مسائل ابي الحسن محمد بن علي الجلي، وفيها جواب يتصل بكوكب ابراهيم وقمره وشمسه، فيمتد خيط بين نص الصويري ومسائل الجلي يضاف الى صورة الشيخ العالم المشتغل بالرمز والتاويل. وتستكمل الرسالة صورتها من خبر المحاورة الثانية في اجتماع اسفين بحضور علي بن منصور الصويري، اذ تقف اسفين بين قرية الصويري وحركة الرداد والنشابي، فتقرا الرسالة مع اسفين والبلاد الشرقية وخبر الغلام في نسيج واحد.
وتزداد الرسالة رسوخا بعد تثبيت نسخة خطية مبكرة لها في دار الكتب المصرية ضمن مجاميع تيمور 123، مؤرخة سنة 1105هـ / 1693م بخط علي بن حسين العنسي، تسبق النسخ الباريسية والمانشسترية بقرن، وتمنح النص اصلا اقدم. واهمية هذه النسخة في هوامشها، اذ ربطت تعليقاتها فصول الرسالة بابيات محددة من ديوان المشغفة، وهذا ما يثبت ان النص النثري والشعري كانا يدرسان معا في حلقة واحدة: الرسالة تضبط البيان والرد، والمشغفة تحفظ النظم والاشارة، فتصير نسخة القاهرة اقدم شاهد مؤرخ معروف للنورية، وبابا لمقابلة ترتيب الفصول والالفاظ والهوامش.
النورية والصورة المرئية
التنزيه في مواجهة التجسيم والحلول
قيمة الرسالة النورية كونها مفتاحا لفهم موقع الشيخ في البيان العقدي العلوي، ومن هنا تحتل هذا الباب موقع القلب في فكره كله. فهي نص رد ومناظرة، يظهر فيه الشيخ طرفا في نقاش دقيق حول الظهور والصورة والاسم والمعنى والحجاب، وحدود القول في الذات العلية. والقضية المركزية معنى الصورة المرئية: فالقراءة السطحية تقف عند الصورة التي رآها الناس في عالم البشر فتظن ان موضع الاعتقاد هو الجسد المرئي المحدود، اما لغة النورية فتجعل الصورة بابا للفهم والهداية والامتحان و ليس جسدا يعبد من دون الله. وعلى هذا الفارق تقوم قراءة الصويري كلها، لان سوء فهمه هو الذي جعل الخصوم يرمون العلويين بعبادة علي الانسان المرئي، مع ان النصوص نفسها تفرق بين المرئي المحدود وبين الغيب المنيع الذي لا يحد ولا يدرك ولا يجري عليه وصف الاجسام.
العلوي في قراءة الصويري يعبد الله الغيب المنيع الذي لا تدركه الابصار ولا تحده الجهات ولا تحصره الصورة، ويقرا الاسم النوري بابا الى هداية ومعرفة، فتكون الولاية طريق معرفة، اما علي التاريخي فصورة مرئية في الزمان والمكان شاهدها الناس واختلفوا في فهمها، والمعبود هو الله وحده. وبهذا تصير النورية نصا بالغ الاهمية في الرد على تهمة التجسيم، فالشيخ يحفظ الرمز ومقام الولاية والتوحيد معا، ويقيم لغته على التمييز بين الظاهر والباطن، وبين الاسم والمعنى، وبين الصورة التي تخاطب الخلق على قدر طاقتهم والغيب الذي لا يقاس بالاجسام.
وتلتقي النورية بباب اوسع في المناظرات والردود، يرد على من قالوا بالحلول وعلى من حاول تشبيه المسالة بمزج اللاهوت والناسوت، وهو تشبيه خطر يفتح باب قراءة الصويري بعيون مسيحية ظاهرة. والوجه الاقرب الى نصوصهم ان رموز الدير والقسيس والصليب والزنار، متى وردت في الشعر او الرمز، تدخل في طريقة علوية خاصة في التاويل، تتحول فيها الصورة الى علامة، واللباس الى ستر، والدير الى مقام معرفة، والخمرة الى رمز عرفاني، والنور الى طريق في فهم الولاية.
نحن نعبد الله الغيب المنيع، وعلي في طريق الولاية باب معرفة واستقامة، ووصيته الاداء، والاداء العمل الصالح. فيظهر الصويري في النورية مصلحا للمعنى يعيد التوحيد الى حقيقته العملية، ويدافع عنه من جهتين: نفي التعطيل الذي يجعل الغيب مفقودا لا طريق اليه، ونفي التجسيم الذي يجعل المرئي المحدود عين المعبود، وبين الطرفين تقوم الولاية طريقا وسطا. وهنا فرادته: يملك لغة شعرية رمزية واسعة، ويبقي التنزيه اصلا، فيتكلم في النور والصورة والمشكاة والحجاب من غير ان يترك الرمز بلا ضابط. كتبنا هي ميداننا، فالدفاع عن العقيدة يكون بما حفظته نصوصها من تنزيه ومعرفة وولاية وعمل صالح، لا بما يقوله الخصوم عنها.
۞
الديوان والقوافي والمثل النوري وشعر النور
يثبت خير الصنيعة ان للشيخ علي التصانيف الحسنة نظما ونثرا، وان له الديوان المعروف بالقوافي المسمى المشغفة لاهل العلم والمعرفة، ويذكر تاريخ العلويين له ديوانا كبيرا واراجيز وتوسلات. وتتكرر في القوائم الحديثة عبارة ديوان الشيخ الصويري، فترسم خريطة ادبية واسعة لشعره تجمع تحت اسمه عناوين متعددة: ديوان القوافي، والمشغفة لاهل العلم والمعرفة، والمثل النوري، والشافية ومنهاج الصحة والعافية. وتظهر هذه العناوين في حزمة شعرية نصيرية الى جانب اسماء كبيرة، من الخصيبي وخليل النميلي وابراهيم الطوسي ويوسف ابو طرخان ومحمد الكلازي وحسن المكزون السنجاري ويوسف الخطيب، فيتداول شعره داخل تقليد ادبي متصل يتبادل رجاله القصائد والنظم.
وتبقى العلاقة بين العناوين مفتوحة، فقد يكون ديوان الشيخ الصويري هو نفسه ديوان القوافي او المشغفة، وقد تكون المسميات ابوابا في ديوان واحد. ويزداد هذا الباب قوة بما يورده تاريخ العلويين في بلاد الشام عند المفاضلة بين الدواوين، اذ يذكر ديوان الصويري معيارا للرقة الشعرية، فيقول في وصف ديوان آخر انه لم يكن ارق منه غير ديوان الصويري، ثم يورد عبارة صنف لنا الشيخ الصويري حكمته، فتجعل هذه الاشارة اسم الديوان معروفا في النص القديم ، ويصير الديوان والمشغفة والمثل النوري والارجوزة والرسالة النورية اساسا اقوى في بناء صورة الشيخ من كل رواية سردية تالية.
المثل النوري وشعر النور واللحن المحفوظ
يبرز المثل النوري بين آثار الصويري نصا في النور والمشكاة، تدور قراءته الزمنية حول نهاية القرن الثالث عشر ومطلع الرابع عشر، ومن ابياته المنسوبة اليه:
هلا عرفت المثل النوريا
اذ ضرب الله مثلا جليا
به انار العالم العلويا
وهي السما والعالم الارضيا
نور كمشكاة بدا مضيا
تفتح هذه الابيات باب شعر النور عند الصويري، فتصل المثل بالعالم العلوي والارضي، وتجعل النور مشكاة تضيء الوجود، فيتصل المثل النوري بمضمون الارجوزة في المشكاة والمصباح والشجرة، ويصير شعر الصويري في النور خيطا واحدا يجمع نصوصه المتفرقة. وتكتسب الابيات قيمة اضافية بدخولها مبكرا في الدراسة الاستشراقية الفرنسية، فقد نشر كليمان هوار سنة 1879م في المجلة الاسيوية دراسته عن الشعر الديني النصيري، في المجلد الرابع عشر من السلسلة السابعة، صفحات 190 الى 261، عن دار ارنست لورو بباريس، معتمدا على الباكورة السليمانية ومخطوطات باريسية، وحفظ فيها خريطة شعرية واسعة تضم ابراهيم الطوسي وحسن بن مكزون السنجاري وعلي بن صارم ومحمد بن كلازو وخليل النميلي ويوسف الخطيب ويوسف ابو طرخان وحسن الاجرود، وهي البيئة التي يتحرك فيها ديوان القوافي والمشغفة والمثل النوري.
وتنقل المادة ان هوار ترجم ابياتا من المثل النوري عن مخطوطة وصلته من اللاذقية، مطلعها هلا عرفت المثل النوريا، وان ناسخها اثبت بجانبها لحنا خاصا تنشد به، اشارة نادرة تجعل النص جزءا من انشاد، فيلتقي مع ليلة الصويري وقراءة المشغفة كاملة حول المقام، ويصبح صوت الشيخ مسموعا في القرية.
كشف النور عن سر المثل النوري في السليمانية
يتسع باب الرمز النوري والديري مع رسالة محفوظة في مكتبة السليمانية باسطنبول، ضمن مجموعة اسعد افندي برقم 1452 على 4، بعنوان كشف النور عن سر المثل النوري، منسوبة الى الشيخ درويش العجمي، ترجع مادتها الى القرن السادس عشر للميلاد، وهي شرح كامل لابيات الصويري في المثل النوري، تدخل رموز القسيس والدير والخمرة في باب الحروفية والجفر، وتربطها بمقامات الحروف، ولا سيما الالف واللام والنون، وبحركة الافلاك ودورات الظهور والستر. وتفتح هذه الرسالة بابا في انتقال شعر الصويري الى دوائر اناضولية وحروفية وبكتاشية اوسع من الاطار النصيري الشامي المباشر، فالمثل النوري صار نصا قابلا للشرح الرمزي في اسطنبول والاناضول، وبهذا يفهم جانب من حضوره الكيليكي ايضا: قصيدة تقرا في قرية الصويري، وتشرح في السليمانية، ويقوم لها مقام في اضنة.
مخطوطة برلين وترجمة ادرنة العثمانية.
الى جانب شرح السليمانية، يثبت شاهد برلين ان المثل النوري خرج باكرا من بيئته العربية المباشرة الى دوائر اناضولية عثمانية، ففي مكتبة الدولة ببرلين تحفظ المخطوطة بترمان الثاني رقم 492، في الاوراق اربع وثلاثين ظهرا الى واحد واربعين وجها، نص هلا عرفت المثل النوريا مذيلا بترجمة وشرح بالتركية العثمانية بخط نسخي واضح، تنسب الى درويش علي الخلوتي الذي اعدها لاتباعه في ادرنة نحو سنة 1130 هـ / 1718 م. وهذا التاريخ يجعل حضور المثل النوري في بيئة تركية عثمانية عميقة سابقا بزمن طويل على كثير من التدوين الميداني الحديث للمقامات والانشاد، فقد اخترق البيت النوري الدوائر الخلوتية والبكتاشية والاناضولية، وهو ما يفسر جانبا من اتساع حضوره بين الساحل الشامي وكيليكيا واسطنبول وادرنة.
۞
موسى الربطي والوداعية ومرثية باريس
تدفع المادة الخاصة بموسى الربطي نسيجه خطوة ابعد في ملف الصويري، فهو شيخ شاعر وولي من طريق ابي قبيس، له اشعار في التوحيد والغاز وبراهين، وتذكر المصادر العلوية انه خمس قصيدة الوداعية للشيخ علي الصويري، ويثبت الجزء الاول من خير الصنيعة هذا الخيط ويحفظ مطلع الوداعية:
اقول وقلبي للتفرق باخع
وقد فاض من عيني سح المدامع
ويفتتح موسى الربطي تخميسه اياها بقوله:
شكوت ودمع العين على الخد نابع
وفي الوجد نيران بها لي لوادع
على فقد احباب لهم كنت قانع
اقول وقلبي للتفرق باخع
وقد فاض من عيني سح المدامع
فتخرج الوداعية الى نص صويري معروف تداوله شاعر آخر وخمسه، مع الفصل بين تخميس الوداعية وبين مرثية باريس المخمسة، فالنصان يجتمعان عند اسم موسى الربطي . وتتضح صورة موسى الربطي مكانيا في ابي قبيس، يوصف مقامه بقبة وايوان على راس نبع، يقام عنده موسم يعرف برابع نيسان او رابع النيروز، وصف يقرب مقامه من وظيفة مقام الشيخ علي: شعر وماء وزيارة وموسم. وتذكر بعض الروايات له اكثر من موضع، فمع مقامه الاقوى في ابي قبيس تظهر اشارات الى قنية جروة في جرد الدريكيش والى فجليت، مواضع تقرا مقامات او روايات ، ويتحرك الربطي داخل شبكة تنتهي الى كوكب الكلبي وآل ممو والمكزون وحسن الحيلونة.
مرثية باريس ووداعية الفراق: شعر من نظم الصويري
وفي مخطوط باريس نص شعري آخر يضيء وجه الصويري الشاعر اضاءة مباشرة، فالمجموع المحفوظ في المكتبة الوطنية الفرنسية يحفظ في اوراقه من 167 ظهرا الى 174 مرثية او وداعية يذكر في صدرها ان الشيخ علي بن منصور الصويري قال شعر مرثية، وان موسى الربطي خمسه، فيصير النص شاهدا على شعر صويري اصيل دخل التخميس والتداول، ويبدا التخميس بمطلع في الفراق والبكاء وفقد الاحبة:
اقول ودمع العين على الخد نابع
وفي القلب نيران لهن لواذع
على فقد احباب بهم كنت قانع
اقول وقلبي للتفرق باخع
وقد فاض من عيني سح المدامع
ثم تمضي القصيدة الى استعادة زمن مضى بين الاهل والاخوة، ثم تقابله بالنأي والتشتت:
لهفي على دهر مضى لي بصفوتي
وعيش رغيد بين اهلي واخوتي
قضاه الله علينا بالنأي والتشتت
ووجدي بهم بعد فقد احبتي
ونار الاسى في مهجتي والاضالع
وهذه اللغة، لغة الفراق والوجد وفقد الاحبة والحنين الى زمن الصفوة، تصل شاهد باريس بخيط الوداعية والتغريبة في الرواية، فتجعل الصويري شاعرا يتكلم من داخل تجربة البعد والرحيل ويقرا النص الباريسي مع تخميس الربطي للوداعية على انهما نصان يجتمعان عند اسم الربطي وعند بيت مشترك.
النورية المخمسة وحجة الشيخ علي في التداول الطقسي
تذكر بعض الرسائل الحديثة قصيدة مخمسة ذات منزلة عالية في الطريقة، توصف بانها نورية، وفيها افكار العقيدة وتفاسيرها، وهي تسمية تبقى بابا للتمييز بين نصوص الصويري المتجاورة قبل ادخالها في خط النصوص المحققة، الرسالة النورية، والمثل النوري، ومرثية باريس المخمسة، والوداعية التي خمسها موسى الربطي، وقصيدة الدير، وارجوزة مانشستر.
ولا ينحصر حضور الصويري في التخميس، فقد دخل مواد طقسية حية. ففي مخطوطة محفوظة في خزانة خاصة بقرية المريقب من قضاء القدموس، ترجع مادتها الى القرن الثامن عشر ، يرد اسم الشيخ علي ضمن اصحاب المقامات الذين تستدعى اسماؤهم في افتتاحيات عيد الغدير وليلة المباهلة، بعد الخصيبي والمكزون والطبراني، منزلة تخرجه من صورة شاعر محلي الى ولي كبير في خطاب الدعاء. وتنفرد المخطوطة بعبارة حجة الشيخ علي، فتجعل له دورة كلامية او نصا معتمدا في بعض المجالس، ويثبت كتاب المشيخة في مانشستر ان صاحب الحجة هو ايضا صاحب حلقة تلقين، اي رجل نص وتلقين وطقس معا،
۞
الشيخ علي عالما وشاعرا وصاحب مناظرة
اذا كان الجزء الاول قد قرا الشيخ علي وليا وصاحب مقام، فان صورته النصية هي التي تنقله من صاحب المقام الى صاحب النص. تنسبه المصادر القديمة بصيغة علي بن منصور بن سلامة بن فرج بن معالي الرفدي، وتجمع له القابا متعددة تكشف اتساع صورته: الامير، والشيخ، والشاعر الشهير، والمؤدب الجليل، والعارف النبيل، وصاحب الردود والمناظرات. وتثبت له آثارا مكتوبة تنقله من صاحب مقام الى صاحب نصوص: الرسالة النورية في الرد والمناظرة، وارجوزة الصويري المحفوظة في مانشستر، والديوان المعروف بالقوافي المسمى المشغفة، والمثل النوري، والشافية ومنهاج الصحة والعافية، والقداديس الشعشعانية، وقصيدة في الاعياد العربية والرومية، وقصيدة في رجال القائم المهدي، وقصيدة في مدح مشائخ بلاد المناصف، وقصيدة في رثاء الشيخ حمدان جوفين مؤرخة سنة 1315 او 1316 م، ومدائح في مسلم البيضا وابراهيم شاما وجابر الرفدي، ومرثية او وداعية خمسها موسى الربطي، وقد وصفته بعض الدراسات الحديثة بانه من آخر المدافعين والمؤرخين في سلسلة المناظرات النصيرية، فاضافت الى صورته وظيفة المؤرخ الموثق الى جانب الشاعر.
قصيدة مدح مشائخ بلاد المناصف
ومن النصوص التي تعيد الشيخ علي الى جغرافية المناصف قصيدة طويلة يرد في عنوانها انه يمدح مشائخ بلاد المناصف، وتبدا بالمطلع المتداول:
ذروني فلي عن لومكم شغل شاغل
ولا تعذلوني قد سئمت عواذلي
بلغت القصيدة اثنين وتسعين بيتا، وقيمتها انها تحفظ اسماء رجال وبيوت ومشيخات ومواضع داخل المجال نفسه الذي نسبت اليه قرية الصويري، فتجعل بلاد المناصف مجالا حيا للزيارة والمدح والاعتراف بالمشيخة،
تكفي للدلالة على شبكة مشيخية واسعة، وتزيد الرواية الشفهية قيمتها حين تصلها برجوع الشيخ الى موضع بليبل بعد حادثة علول، الكتاب او النص الذي كان يقرا في السهرات.
اجتماع اسفين وسند الرسالة الرستباشية
يجعل خير الصنيعة بداية الشيخ علي من التعليم ، فيرد في خبر اجتماع اسفين باسم علي بن منصور المؤدب معلم الاولاد الخط والقراءة، ثم يذكر انه كان اصغر الجماعة سنا واعمقهم فقها، وفي هذا الاجتماع مال الى قول الرداد الحلبي في مسالة خلافية كبيرة فوقف معه، فكفره ربيعة بن نصر العصيدة، وتحمل بسبب موقفه قطيعة وخصومة.
ويضاف الى حضوره النصي خيط مخطوطي دقيق في تداول الرسالة الرستباشية، اذ تذكر خاتمة في المستدرك بخير الصنيعة ان احدى النسخ ترجع الى خط الشيخ احمد افندي الخير، عن خط الشيخ حمدان يونس، عن خط العلامة الشيخ علي الصويري. وهذه الاشارة،تجعل الشيخ علي حلقة في سند نصي ومخطوطي، وتخرجه من صورة الشاعر والولي وحدهما الى صورة العالم الناسخ او صاحب الاصل الذي تقابل عليه النسخ.
حقائق التبيين والرسالة الردادية
تضيف مراجعة كتاب حقائق التبيين في نسب المسلمين العلويين للشيخ كامل بن علي بن ابراهيم عباس سلمان بيصين شاهدا داخليا مباشرا، اذ يذكر الشيخ علي بصيغة ابي الحسن علي بن منصور الملقب بالصويري، ضمن رجال الدعوة والعلم والاصلاح، فتجمع الصيغة بين الكنية ابي الحسن، والاسم علي بن منصور، واللقب الصويري، وتؤكد ان الكتاب يتحدث عن الشخصية نفسها التي تدور عليها الرسالة النورية وخبر اسفين.
وينقل حقائق التبيين عن الرسالة الردادية للشيخ يوسف الرداد الحلبي عبارة ذات قيمة في رسم صورة الشيخ داخل جيله: انه كان اصغرهم سنا واكبرهم علما وفهما، وتلتقي هذه العبارة مع صيغة خير الصنيعة في انه حضر اجتماع اسفين شابا قليل السن عظيم الفقه، فتتكون من المصدرين صورة واحدة: عالم مبكر النبوغ اتت شهرته من اعتراف مشايخ عصره بعلمه. ويفيد الكتاب في تثبيت موضع النسبة، اذ يذكر سفر الشيخ من قريته السامية الصويري الى اخوانه الحلبيين، ويوسع مسار رحلته الشرقية الى ماردين وديار بكر وعينتاب والموصل وبغداد والكوفة والبصرة، ثم يخص عانة بعبارة انه ما وجد فيهم حائدا عن الحق ومذهب التوحيد، ويجعل جهاده في اخوانه ست عشرة سنة.
الشيخ علي وشاهد رثاء حمدان جوفين
يتضح التسلسل الزمني للشيخ علي حين تقابل قرائن النصوص بتواريخ خير الصنيعة، فهو يجعل ولادته في حدود سنة 1240م، وحضوره اجتماع اسفين سنة 1266 او 1267م وهو اصغر الجماعة سنا واعمقهم فقها، ثم ينسب اليه القوافي في حدود سنة 1297 او 1298 م، ويدور تاريخ المثل النوري عنده بين سنة 1298 و1300 و1308م، ثم ينقل عمن نقل وفاته سنة 1314م. غير ان قصيدة رثاء الشيخ حمدان جوفين المؤرخة سنة 1315 او 1316م تجعل الشيخ حيا في هذه السنة، فتصير سنة 1314 المنقولة موضع اضطراب يحتاج مراجعة، والاثبت ان حياته امتدت من نحو سنة 1240م الى ما بعد سنة 1315 او 1316م.
يظهر في الرسالة النورية وفي شعره النوري والرمزي عالما مناظرا يشتغل على ضبط المعنى العقدي، ومن هنا تذهب بعض القراءات الحديثة الى ابرازه واحدا من كبار مجددي البيان العقدي العلوي بعد ابي سعيد، قراءة تجد ما يسندها في حضور النورية وفي عنايته بالصورة والاسم والمعنى والنور والستر. وتاتي شهادة محمد امين غالب الطويل في تاريخ العلويين الصادر باللاذقية سنة 1924م لتمنح هذه المنزلة صياغة داخلية مبكرة، اذ يذكر في حديثه عن رجال القرن الثالث عشر ان القطب الشيخ علي الصويري كان من المجددين، وان ديوانه المشغفة يتلى في مجالسهم، فيجمع القطبية والتجديد وتلاوة الديوان في جملة واحدة.
*****
ما تقدم في الجزء الثاتي هو نص الصويري ورمزه النورية، والتنزيه، والديوان والقوافي، والمثل النوري، وكشف النور، وبرلين، والوداعية ومرثية باريس، وصورته النصية عالما شاعرا مجددا. ويبدا الجزء الثالث بمواطن هذه النصوص في خزائن المخطوطات وشبكة رجالها وامتدادها.
۞
مخطوطات الصويري بين مانشستر وباريس والقاهرة وبرلين واسطنبول
تتوزع نصوص الصويري ومروياته على خزائن مخطوطات في اوروبا والمشرق، وكل مخطوط يضيف وجها الى الصورة، ارجوزة عقدية في مانشستر، ومرثية مخمسة في باريس، وشرح للمثل النوري في السليمانية، ونسخة اناضولية في برلين، ونسخة للرسالة النورية في القاهرة، وكتاب مشيخة في مانشستر يثبت مقام التلقين. ومن جمع هذه الشواهد تظهر شبكة نصية متصلة تربط قرية الصويري الحمصية بخزائن جون رايلندز والمكتبة الوطنية الفرنسية ومكتبة الدولة ببرلين ومكتبة السليمانية.
ارجوزة الصويري في مخطوط جون رايلندز بمانشستر
تحفظ مكتبة جون رايلندز بجامعة مانشستر المخطوط العربي 452، الذي يقابل الرقم القديم في مجموعة كروفورد رايلندز 655. وفيه، في القسم المرموز بحرف الهاء، الاوراق من 216 الى 250، ارجوزة عقدية يصفها فهرس منجانا بانها من نظم علاء الدين بن منصور الصويري سنة 708 هـ / 1308 م في المثل النوري، وتبدا بذكر المثل النوري بصيغة قريبة من هلا عرفت المثل النوريا اذ ضرب الله الناجيا. وتقع هذه الارجوزة الى جانب نصوص نصيرية معروفة في المجموع نفسه، من ديوان الشامي والغريب المنسوب للخصيبي، وديوان المنتجب العاني، ومخمس شهاب الدين بختيار الديلمي، فيقرا حضورها في هذا الجوار قرينة على مكانتها في المتن العقدي الشعري النصيري ،وتنتهي الارجوزة نحو الورقة 250، ثم تليها خاتمة نسخ مؤرخة بسنة 1122 هـ / نحو 1710 م، فبين النظم والنسخ نحو اربعة قرون.
655 رقم قديم في مجموعة كروفورد يقابل في كتالوج منجانا المخطوط العربي 452. وتذكر ورقة نحو 237 اسم موسى مخول، وتشير مادة الارجوزة الى مسائل يعالجها المنصف بن عبد الجليل في دراسته عن الفرقة الهامشية، ويثبت وصف منجانا لصاحب الارجوزة صيغة علاء الدين بن منصور الصويري، وهي الصيغة العلمية للاسم الذي يرد في شاهد باريس علي بن منصور الصويري، فتعتمد هذه الدراسة الصيغة الجامعة الشيخ علي، او علاء الدين، بن منصور الصويري، وتقرا اختلاف الصيغتين اختلاف لقب وعلم.
مدخل فريدمان وتنبيه في ارقام مانشستر
يخصص يارون فريدمان في معجمه لاعلام النصيرية وكتبهم مدخلا للصويري ضمن حرف السين، يثبت شاعرا نصيريا له ارجوزة عقدية في مانشستر، ويربط مادتها بمسائل الذات والمراتب والظهور، ويقرن مادته بذكر راس باش عز الدولة الديلمي وبتاريخ سنة 708 هـ / 1308 م، ويذكر شخصية توبان الفتى التي تقرا حاتم الطوباني في شبكة رجال الصويري، ويقسم الارجوزة على ثلاثة محاور، الذات المجردة، واهل المراتب، وظهور الذات في المراتب، وهي محاور تلتقي بجوهر الرسالة النورية والمثل النوري.
كتاب المشيخة وطاووس المشائخ
يحفظ رصيد مانشستر ايضا كتاب المشيخة في المخطوط العربي 124، وقد درسته بيلا تندلر في اطروحتها عن الكتمان والكشف عند النصيرية الاوائل في برنستون سنة 2012 م في فصلها الثالث، ويثبت لصاحب الحجة صفة صاحب حلقة تلقين، ويربط الشيخ علي بلقب طاووس المشائخ، ويصل خيطه بابي سعيد ميمون، فيعيد صورة الصويري الى شبكة مشائخ القرن السابع للهجرة. ويقع هذا المخطوط في المحيط نفسه الذي عرفه صموئيل لايد في القرن التاسع عشر حين جمع مواد عن النصيرية في الساحل السوري.
مرثية باريس في المكتبة الوطنية الفرنسية
تحفظ المكتبة الوطنية الفرنسية مخطوطا نصيريا برقم عربي 1450 في 179 ورقة، عنوانه العام كتابات مقدسة عند النصيريين، فالنص محفوظ داخل مجموع ديني نصيري واسع، وفي الاوراق من 167 ظهرا الى 174 ترد مرثية او وداعية تثبتها فهرسة بيبليسيما بتخميس نصيري للشيخ موسى الربطي، غير ان صدر النص في صورة المخطوط ينسب اصل الشعر الى الشيخ علي بن منصور الصويري، ثم يذكر ان موسى الربطي خمسه، فيكون شاهدا على شعر صويري اصيل دخل التخميس. وقد نسخ الجزء الاكبر من المجموع حسن الخطيب بن منصور بن خليل الشجاعي المحرزي في صافيتا في اعوام 1793 الى 1796 م، ودخل المكتبة الفرنسية سنة 1866 م هدية من انطوان كلوت بك.
ويضم المجموع نصوصا نصيرية اخرى تجعله خزانة صغيرة للتراث: كتاب الاصيفر لمحمد بن شعبة الحراني، ورسالة التوحيد لعلي بن عيسى الجسري، ومسائل ابي عبد الله بن هارون الصائغ، وبابا في حجة المعارف لحمزة بن شعبة الحراني، ومناظرة يوسف بن العجوز الحلبي النشابي، وكتابا في اثني عشر حرفا للمفضل بن عمر الجعفي، وبعد المرثية مباشرة نصوص لمحمد بن يونس كلازي في الورقة 174 ظهرا وللحسن الاجرود في 175، ثم رسالة للحسين بن هارون الصائغ في وجوب معرفة الاسم والمعنى من 176 ظهرا الى 179. وحضور علي بن عيسى الجسري في المجموع نفسه لافت، لان لقب الرفدي في نسب الصويري ربط في بعض القراءات بالجسري، فيجتمع الاسمان في مخطوط واحد. وعلى المجموع حواش معادية للنصيرية بخط حسن دبور سنة 1808 م، ووصفته بطاقات فايدا وسوفان ضمن نطاق العربي 1236 الى 1594 في معهد البحث وتاريخ النصوص بباريس.
وتضيف بطاقة الفهرسة الرسمية ضبطا نافعا، فالرقم القديم للمخطوط ملحق عربي 275 هاء، وهو مجموع من احد عشر نصا نصيريا ، وتحدد الفهرسة موضع المرثية القطعة الثامنة في المجموع في الاوراق 167 ظهرا الى 174، وان ناسخها حسن الخطيب المحرزي اتم نسخها سنة 1796 م لفائدة يوسف بن علي بن يوسف بن بلال بن يونس بن سلمان في صافيتا قرب عكار.
قصيدة الدير
رمز عرفاني غنوصي و ليس انتسابا مسيحيا
من النصوص المنسوبة الى محيط الصويري قصيدة تعرف بقصيدة الدير، تحشد رموزا مسيحية من دير وقسيس وزنار وصليب، وتوظفها توظيفا عرفانيا رمزيا ، وفيها عبارة تجعل المسيح نفسه اعلى من دعوى التنصر، على معنى اننا لسنا مسيحيين اكثر من المسيح، فتقرا نفسا غنوصيا حذرا يخفي السر تحت رمز ظاهر، وتتردد فيها وصية الحذر على السر المصون من الكشف، وهي وصية تلتقي بشهادة الاجرود في حفظ سر الطائفة. وبهذا تدخل قصيدة الدير خط النصوص الرمزية التي عرف بها الشعر النصيري، وتقرا مع المثل النوري والرسالة النورية في باب واحد: باب الرمز الذي يستر المعنى ويكشفه لاهله. فالنور والمشكاة والسر المصون والدير والقسيس والخمرة والصليب شبكة رمزية واحدة صاغها الصويري بلغته وبيئته ومقامه، وتحول العلامة الدينية الظاهرة الى باب معرفة باطنية، ويلتقي هذا مع خبر بستان النصارى والخوري اليامر في التغريبة، اذ يظهر الجوار المسيحي جزءا من عالم الشيخ .
۞
شبكة الشيخ علي
شعراء ومناظرون ومشائخ
تحرك الشيخ داخل شبكة واسعة من المشائخ والشعراء والمناظرين، يجمعها الشعر النوري والمناظرة العقدية وطرق الزيارة، تحفظها المصادر العلوية وفي مقدمتها خير الصنيعة والمغمورون القدامى وفهرس اعلام اميل آل معروف، وقراءة هذه الشبكة تخرجه من صورة الشاعر الوحيد الى صورة حلقة في سلسلة علم وشعر ومقام تمتد على الساحل السوري وريف حمص، فتصير قوافيه وسيلة علم ومودة ومناظرة .
يوسف الرداد الحلبي
من ابرز رجال الشبكة يوسف الرداد الحلبي، المعروف بالنشابي وابن العجوز، وله في المجموع الباريسي مناظرة باسم يوسف بن العجوز الحلبي النشابي، تحفظ الرواية قصة مقاليع الاربعين التي تجمعه بمحيط الصويري وتجعله من مؤاخيه في اجتماع اسفين، ويصل حضوره في مخطوط باريس بين شعر الصويري ومناظرات الطائفة. وتزداد صلته بالشيخ قوة بعد فحص حقائق التبيين، اذ يجعل الرسالة الردادية مصدرا للعبارة التي تصف الشيخ علي بانه اصغر الجماعة سنا واكبرهم علما، فتصير الردادية شاهدا مزدوجا، على مجلس الرجال، وعلى منزلة الشيخ بينهم.
مسلم البيضا ومناظرة الموصلي
ومنهم مسلم البيضا، واسمه مسلم بن عبد الله بن رسلان بن عبد الله السامري الحلبي، ينسب اليه موضع بيضة الشيخ مسلم في ريف الدريكيش، وله مناظرة الموصلي وابيات يرد فيها كيده:
كفانا امور الموصلي وكيده
وعاد بنصر شامل وثبات
ويجمعه خيط الشعر بحمدان جوفين الذي له ابيات في المعنى نفسه:
فنوى لهم ان يسوم القوم خسفا
فرد الله كيدهم نحورا
ولمسلم البيضا قصيدة مطلعها امن مربع قفر احالت عهوده، شرحها يوسف علي الخطيب في كتابه منحة الكرام، فيلتقي مسلم البيضا بالصويري في بيئة الشعر النوري والمناظرة والشرح.
بدر بريعين ومحمود القصير
ومن رجال الشبكة بدر بريعين، له ابيات تقصد برعين موضعا ورجلا، ومحمود القصير، ويذكر بالقصير، واسمه الكامل محمود القصير القضبون بن صبح بن حامد بن يعقوب بن حيدر الضهر، له مقام ومعبد يعرف بمعبد القصير شمال شرقي القدموس، وترد له ابيات تصله بالصويري في باب التعليم والحلقة:
ثم المعلم محمود القصير
له في العلم باع لا يجارى
فهرس اعلام اميل آل معروف ورجال آخرون
يجمع اميل آل معروف فهرسا لاعلام القرنين السابع والثامن الذين تحرك بينهم الشيخ، منهم عبد الغني الثمودي، وفراس بارمايا المعروف بموقفه ضد الحلولية، ومسلم البيضا، ويوسف بن العجوز، وسلمان التفافيح، وبنو بدر، وابراهيم شاما، واحمد الجزري الرقي الايوبي، وابو الحسن الرفدي، وبدر البرعيني، وجابر اسقبلة الرفدي، وجمال الدين الكركي العاني، وحمدان بن عبد العزيز جوفين الخزرجي، وعلي بن سابق العبدي، وعلي بشاما، وعلي بن نصر الغساني، ومحمد الزراق البعريني الفارقاني، ومحمود القصير، ونصر الفاخوري، ويوسف الثعالبي.
وتضيف الرواية وخير الصنيعة رجالا آخرين: الشيخ جامع المريج وموسى بن ايوب، وابو محمد جبرين اسفين صاحب الاجتماع، وحاتم الجديلي، والشيخ علي الصغير، والبديعي، والغرابيلي، ويوسف بن سلمان الصفيفات، والشيخ ناصر الحكيم، والشيخ عيسى عمران، وابراهيم السلطان، ومنصور البطائحي ، ومرشد حريصون واسمه غريب بن جمعة بن ابراهيم من موضع حريصون بين جبلة وبانياس، وابراهيم الطوسي صاحب قصيدة الفطرة في مئة واحد وخمسين بيتا التي ذكرها عبد الرحمن بدوي في مذاهب الاسلاميين، وحسن الاجرود صاحب الشهادة في شعر الصويري ونسبته الى عانة، وخليل النميلي، ومحمد بن يونس كلازي، وكوكب الكلبي وآل ممو واحمد القاضي الذين يتصل بهم خيط موسى الربطي. وبهذه الاسماء تكتمل صورة شبكة تصل الصويري بمشائخ الساحل وحلب والرقة وعانة.
۞
الامتداد الكيليكي والاناضولي للنص النوري
اسم الصويري امتد شمالا الى سهل كيليكيا ومدينة اضنة، ودخل الدوائر البكتاشية والاناضولية، وسجل صوتا على اسطوانة شمع في ثلاثينيات القرن العشرين، فهو الوجه الكيليكي لقصة النورية والمثل النوري.
يحصي كتاب سهل القديسين والانبياء لستيفان بروخازكا وجيدرون بروخازكا اايزل مقامات علوية كثيرة في كيليكيا، ومنها مقام يعرف باسم مقام الشيخ علي الصويري في حي حوض البستان باضنة، عليه نقش يجمع تاريخين يوافقان نحو سنة 1240 ونحو سنة 1314 م. ويورد احمد صوناي في دراسته عن علماء العرب العلويين النصيريين في اضنة هذا المقام الرمزي، ويصفه بانه من القرن الثامن الهجري، وان في داخله قبري الشيخ احمد دياب البوغا والشيخ مصطفى الحسن، ويفيد فهرس كتاب بروخازكا ، اذ يقع القسم العام لوصف الاضرحة في الصفحات 115 الى 214، وقائمة اصحاب الاضرحة في الصفحات 132 الى 143، فحضور اسم الشيخ في هذا الفهرس الحضور يقوي مقام اضنة شاهدا ميدانيا.
وفي قرية يني كوي موضع باسم علي الصويري سلطان، وفي حي البك جنوبي اضنة مقام لموسى الربطي عليه قبة بيضاء، فيلتقي الربطي بالصويري في كيليكيا كما التقيا في مخطوط باريس، ويرد اسم بدر الغفير قرب يقه كوي مع ان قبره الاصلي في قرية الشيخ بدر شرقي طرطوس، انتقال الاسم مع المهاجرين، وتقيم جمعية الصويري في كيليكيا موسما في الحادي والعشرين من آذار في النيروز يقرا فيه ديوان المشغفة وتوقد الشموع ويقدم القربان، فيتكرر نظام الموسم نفسه المعروف في القرية الحمصية. وتقوي الموازاة بين نقش اضنة، الذي يضع الشيخ بين نحو سنة 1240 ونحو سنة 1314 م، وتاريخ ارجوزة مانشستر سنة 708 هـ / 1308 م، قرينة زمنية تجعل الصويري رجل القرن السابع الهجري ومطلع الثامن.
ويضاف الى مقالة صوناي عن مقام حوض البستان مقالتان مرافقتان عن علماء العلويين العرب النصيريين في اضنة وطرسوس في القرن العشرين، منشورتان في مجلة اي ماكالات، وقيمتهما رسم البيئة العلمية الكيليكية التي بقي فيها مقام الشيخ واسمه ونصوصه حاضرة، مع احتمال ظهور اسماء سدنة او علماء محليين يصلون مقام اضنة بشبكة الصويري الاوسع. ويضاف مصدر عثماني تركي مباشر عن الجيب الكيليكي هو دراسة علي سنان بيلگيلي عن نصيري اضنة وطرسوس ومرسين في وثائق الارشيف العثماني، فتنقل خيط اضنة من باب المقام والرواية وحدهما الى باب الوثيقة الادارية.
ويضيف التوثيق الصوتي وجها نادرا، فقد تداول خبر تسجيل منسوب الى الموسيقي البلجيكي بول كولير سنة 1937 م لانشاد هلا عرفت المثل النوريا ضمن بعثة الى سوريا، وان رصيده محفوظ في متحف الانسان بباريس، . كما يرد خبر آخر عن شريط في ارشيف الاذاعة التركية بانقرة يضم سماحا بكتاشيا سجل في حلب وانطاكية في ستينات القرن العشرين، يذكر فيه اسم الشيخ علي الصويري على مقام الحسيني. ويفتح مخطوط برلين وترجمة ادرنة بابا لا يقل اهمية، فالنص النوري دخل مجال الشرح والترجمة والتلقي التركي العثماني، فتصير مجاميع البكتاشية والخلوتية في السليمانية وانقرة ومكتبات التكايا مجالا للبحث عن الصويري والمشغفة والمثل النوري وحجة الشيخ علي، وتبقى شخصية درويش علي الخلوتي لافتة، صلته ببيئة ادرنة الصوفية كان حلقة بشرية بين زوايا حلب وكيليكيا والروملي.
۞
الصويري في الدراسات الحديثة واشتراك الاسم
عاد الصويري الى الظهور في الدراسات الحديثة عن النصيرية العلوية، عربية واوروبية. فتتوزع العربية بين شهادة غالب الطويل المبكرة، وترجمة موسى مخول في كتابه عن العلويين، ودراسة اميل آل معروف عن الصوري، وكتاب محمود عبد الرحمن آل عباس سلمان المفرد عنه بعنوان الشيخ علي بن منصور الصويري، وعنوان غلافه عالم الشاعر الشيخ علي بن منصور الصويري، الصادر عن مكتبة شاش بطرطوس سنة 2009 م في مئة وسبع وعشرين صفحة ضمن سلسلة من مدرسة اهل البيت. اما الاوروبية فيخصص يارون فريدمان في كتابه عن النصيرية العلوية مدخلا له، ويترجم له ستيفان وينتر في تاريخ العلويين، ويعالج مئير بار آشر واريه كوفسكي عقيدة النصيرية وطقوسها بما يضيء نصوصه، ويقرا هاينتس هالم الغنوصية النصيرية اداة للمقارنة ، ويعود اقدم التوثيق الاوروبي الى رينيه دسو في تاريخ النصيريين ودينهم الصادر سنة 1900 م، والى دراسة شتروتمان سنة 1929 م التي نبهت الى ان اللاذقية لم تكن المركز الديموغرافي الوحيد، ويحصي بروخازكا مقامات كيليكيا.
وينبغي الفصل بين الخط الشامي وبيوت اخرى تحمل الاسم: فهناك صويريون مغاربة تنسب اسماؤهم الى مدينة الصويرة وآسفي وسوس والرباط ومراكش ومكناس ورجراجة وحاحا وتنانة، ذكرهم ابن سودة في اتحاف المطالع، وابن زيدان في اتحاف اعلام الناس، والكتاني في فهرس الفهارس، والزركلي في الاعلام، وكحالة في معجم المؤلفين، وعددهم يقارب ثمانية وثلاثين علما لا صلة لهم بالشامي، وصويريون في البقاع اللبناني، وصويرة العراق، وصويرة مصر، كلها تذكر للتمييز اللفظي فقط، ولا تدخل في نسب آل الصويري الشامي صاحب الرسالة النورية وارجوزة مانشستر ومرثية باريس.
۞
ينتهي هذا الجزء الى صورة القرية والنسب والمقام التي فرغ منها الجزء الاول. فمن قرية صغيرة في جبل المناصف خرج اسم صار خيطا يجمع الرسالة النورية وارجوزة مانشستر ومرثية باريس وكشف النور ونسخة برلين، ويصل قوافي المشغفة والمثل النوري بشبكة رجال من يوسف الرداد ومسلم البيضا الى موسى الربطي ومحمود القصير وآل رفد وآل الوحش، ثم يمتد نصا وانشادا الى كيليكيا واضنة واسطنبول وادرنة.
