آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
2026.07.03
أيمن حمدو
في نهاية القرن السابع عشر واجه العثمانيون في اوربا اعداء اشداء تزعمهم آل هابسبورغ حكام الامبراطورية الجرمانية المقدسة . التي مركزها فيينا . وفشلت محاولة العثمانيين الثانية لاحتلال فيينا في عام 1683. واضطروا في عام 1699 الى توقيع معاهدة كارلوفيتز مع آل هابسبورغ، وتخلوا بموجبها عن جميع هنغاريا و ترانسلفانيا وبودوليا. وكانت هذه أول خسارة كبرى للعثمانيين منذ حوالي ثلاثمائة عام، حين هزمهم تیمور لنك في موقعة انقرة في عام ١٤٠٢. كما كانت هذه أول مرة وقع فيها العثمانيون الصلح كمنهزمين، وتخلوا عن مناطق سيطروا عليها منذ فترة طويلة. ولم يتمكن العثمانيون من استعادة ما خسروه بل تخلوا عن مناطق اخرى. ينظر ((بلاد الشام ومصر. من الفتح العثمانى الى حملة نابليون بونابرت: (١٥١٦-١٧٩٨) - رافق عبد الكريم)).
((الدولة العثمانية في المجال العربي: دراسة تاريخية في الأوضاع الإدارية في ضوء الوثائق والمصادر العثمانية حصراً فاضل بيات)).
و على أثر تلك الهزائم اجتاحت إقليم طرابلس وجبال اللاذقية و الساحل السوري التمرد الحمادي الذي أدى إلى خروج جبال اللاذقية من السيطرة العثمانية إثر تمرد ملتزمي الجبل على دفع الضرائب.
و من ثم تطورت الأحداث ووصل المتمردون إلى مركز لواء جبلة أمام ذلك الوضع المتدهور كلف أرسلان باشا المطرجي بولاية طرابلس وكانت مهمته الأساسية تتعلق بالقضاء على التمرد و في سبيل ذلك قام بنقل مركز اللواء إلى اللاذقية في عام 1693 لتبدأ بذلك رحلة صعود اللاذقية وتحولها إلى مركز اقتصادي خاصة مع ازدهار تجارة التبغ فيها حيث يذكر جبرائيل سعادة، في كتاب "المختصر في تاريخ اللاذقية"، أن "مدينة اللاذقية منذ أواخر القرن السابع عشر، عرفت ازدهاراً كبيراً بفضل تجارة تصدير التبغ خاصةً إلى دمياط".
و يشير ستيفان وينتر، في كتابه "تاريخ العلويين"، إلى أن التبغ بدأ يصل إلى السلطنة العثمانية في بدايات القرن السابع عشر من أمريكا، وزراعته بدأت على نطاق واسع في المناطق الساحلية والجبلية للساحل السوري في نهايات القرن نفسه، وأصبحت خاضعةً للضرائب منذ تسعينياته، إذ ظهرت ضريبة جديدة؛ "رسم دونم دخان" ينظر ((تاريخ العلويين، من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية المؤلف: ستيفان وينتر دار ميسلون ترجمة: باسل وطفة، أحمد نظير الأتاسي)).
وقد ارتبطت فترة آل مطرجي برحلة صعود اللاذقية بعد قرون طويلة من الجمود وذلك بسبب تمييز اللاذقية وتخصص اقتصادها بتجارة التبغ، وما تبع ذلك من تفعيل لميناء اللاذقية في تصديره إلى مصر وتحوله أيضًا، إلى مستودع لتجارة حلب، أو "أسكلة" Echelle لتجارها كبديل من مرفأ الإسكندرونة بسبب وباء هوائها، وتحولت اللاذقية مع اطراد ازدهارها التجاري، ومن ثم العمراني - البشري من مركز مؤقت للواء إلى مركز دائم، وإن ظل اللواء يعرف في القيود الرسمية العثمانية حتى دخول القوات المصرية، في عام 1832، باسم "لواء جبلة.
ينظر ((التحول من النظام التيماري إلى نظام الالتزام في لواء طرابلس العثماني - أسطور 2017 محمد جمال باروت))·
((الصراع العثماني – الصفوي وآثاره في الشيعية في شمال بلاد الشام، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، محمد جمال باروت)).
أصل العائلة من القديم من مدينة (أرضروم) في الهضبة (الأناضولية التركية) و(المطرجي) سقا القافلة والساقي رتبة عسكرية في الجيش العثماني ولاتزال العائلة مستمرة ومعروفة الى اليوم في مدينة اللاذقية وجدها الاعلى (محمد باشا مطرجي) جدد حمام (التصاوير) في جبلة سنة 1047هجرية ـ 1665م كما تذكر اللوحة على باب الحمام ((ينظر بحث بعنوان الجوامع والمساجد والزوايا الاثرية المندثرة في مدينة اللاذقية لمحة موجزة إعداد مضر عبد القادر كنعان)) نقلا عن ((نشرة اللاذقية الصادرة عن مديرية أوقاف اللاذقية العدد الخامس ذو القعدة 1437هجرية ـ آب 2016م ص13 ـ 15ـ من آثار اللاذقية المندثرة - نشرة إلكترونية غير دورية تصدرها لجنة الدراسات الأثرية والتاريخية في مديرية أوقاف اللاذقية)).
عندما أسندت ولاية طرابلس إلى والٍ اسمه (أرسلان باشا بن محمد باشا المطرجي) (أرسلان تعني الأسد باللغة التركية) عيّن أخاه (قبلان المطرجي) (قبلان تعني النمر باللغة التركية) أميراً على اللاذقية، فحول مركز اللواء من جبلة إلى اللاذقية، و شيد جامعاً ومدرسةً في حي الأشرفية باللاذقية سنة 1101هـ/1689م وهو مسجد إدريس وجامع (أرسلان باشا مطرجي).. وذكرت حجة وقف الجامع الآتي: ((ويشمل حرم هذا الجامع على حرم لطيف تقام به الجمعة والجماعات الإسلامية وعلى مدرسة لطيفة يقرأ بها العلوم الشريفة وعلى أربعة سدات يسكنها طلاب العلم )) (ينظر 3 ـ سجل الحجج والإعلامات الوقفية المخطوطة وثيقة رقم40 بفهرستنا مؤرخة في أوائل ربيع الاول 1101هجرية ـ كانون الاول 1689م ص80) هُدم الجامع وجُدِّد سنة 1383هـ/1963م كما تذكرُ اللوحة الحديثة اليوم أعلى باب حرم الصلاة. ((المصدر السابق))
كما قام ببناء خانُ الصغير أو خانُ الدقَّاق (حارة الموارنة) في حي الكامليَّة: يقعُ جنوب جامع (البازار) في سنة 1101هـ (1689م). يشغلهُ (سوق البالة). ((ينظر المعالمُ الأثريَّةُ في مدينة اللاذقـيَّة إعداد: مضر كنعان)).
كما قام ببناء حمَّامُ البازار أو حمَّامُ العشر (الشيخ ضاهر 412): يقعُ غرب جامع البازار، أنشأتهُ السيِّدة (حليمة خانم بنت الحاج محمَّد باشا المطرجي) في سنة 1101هـ (1689م). معرضٌ لبيع اللوحات والأثاث الشرقيّ اليوم ((المصدر السابق)). ينظر ((صاري ياسر صفحات من تاريخ اللاذقية ط1 دمشق منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية سلسلة بلادنا 2، 1992م ص63و66ـ67)).
وخلال تلك الفترة زار الشيخ (النابلسي) مدينة اللاذقية عام 1105هجرية ـ 1693م، وقدم لنا وصفا جيدا عن اللاذقية في تلك الفترة فيقول ((نزلنا فيها في جامع الأمشاطي وصلينا به الظهر مع الجماعة، فأرسل إلينا حاكمها يومئيذ فخر الأمراء المعتبرين قبلان آغا المعروف بابن المطرجي سلمه الله مع كتخداه وجماعة أخرى يدعوننا الى النزول عنده)).
((ثم عدنا إلى مكاننا في جامع الأمشاطي، ونحن في كمال السرور والصفاء، وتمام البشر والوفاء، فدعانا تلك الليلة إلى داره مفخر الأكارم حضرة قبلان آغا المذكور سلمه الله تعالى، وعمل لنا ضيافةً عظيمة، ووليمةً جسيمة)).
ينظر الشيخ ((عبد الغني بن إسماعيل الكناني الحموي المقدسي الشهير بابن النابلسي ت 1143هجرية ـ 1731م) في رحلته (الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز) تحقيق رياض عبد الحميد مراد3 أجزاء ط1دمشق دار المعرفة 1419هجرية ـ 1998م ج1 ص182 ـ 184)).
كما عين أرسلان باشا أميراً لـ(ركب الحج الشريف) سنة 1109هجرية ـ 1697م وتولى أخوه قبلان باشا إبالة (طرابلس) وعاد (أرسلان باشا) من مأموريته في ركب الحج الشريف سنة 1110هجرية ـ 1698م وتولى (إيالة طرابلس) وتعين (قبلان باشا) على (صيدا) ثم صار أميراً للحج.
وظل (أرسلان باشا) يشغل باشوية (طرابلس) إلى سنة 1115ه ـ 1703م وشغل أخوه (قبلان باشا) إيالة (صيدا) بين عامي 1700 ـ 1704م وباشوية (طرابلس) بين عامي 1714 ـ 1715م.
ينظر: (شريف حكمت بك) ت1984م (تاريخ طرابلس الشام من أقد أزمانها إلى اليوم) حققه وعلق على حواشيه وفهارسة وقدم له (منى حداد يكن) و(مارون عيسى الخوري) ط1 طرابلس لبنان دار حكمت شريف ودار الايمان 1407هجرية ـ 1987م ص 134 ـ 137.
تم بعون الله و فضله
حرر بتاريخ يوم الأحد 5/10/2025