طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
2026.07.01
د. جوليان بدور
أقولها اليوم بكل فخر واعتزاز: كان من أجمل أقداري أن أولد في كنف أسرة متواضعة وبسيطة، لأبٍ وأمٍ أفنيا عمريهما في تربية أبنائهما على قيم المحبة والتسامح والكرامة، وحب العمل، والوفاء والعرفان. نشأتُ في قرية صغيرة نائية، بعيدة عن ضجيج المدن، تعانقها الجبال الشامخة، وتحتضنها أشجار السنديان والتوت والزيتون والغار والرمان، حتى بدا المكان وكأنه جنة على الأرض.
بُني من حجارة القرية وترابها وخشبها، بيتنا كان صغيراً لم يكن يملك من مظاهر الثراء شيئًا، لكنه كان يفيض بما هو أثمن من كنوز الدنيا كلها. كان بيتًا تسكنه المحبة، وتظلله الطمأنينة، وتدفئه قلوب صادقة عرفت معنى البذل والعطاء.
كأغلبية بيوت القرية، كانت أمام بيتنا، إلى جوار باب الدار، مصيطبة (مصطبة) ريفية تتوسطها شجرة توت معمّرة ذات جذع ضخم وعريض، تتسلقها دالية عنب قديمة، حتى بدتا كأنهما عاشقان تعاهدا ألا يفترقا.
لم تكن شجرة التوت مجرد شجرة نستظل بظلها، بل كانت شاهدًا على زمنٍ ازدهرت فيه تربية دود القز، ثم أصبحت ملاذًا للعصافير تبني أعشاشها، ومصدرًا لثمارٍ لذيذة ارتبط مذاقها بطفولتنا.
وفي أيام الصيف، كانت تبسط ظلها فوق المصيطبة (بارتفاع حوالي ٧٠ سم ومساحة ١٠م)، فتحمينا من وهج الشمس الحارقة، بينما كانت عصافير الدوري تملأ أغصانها زقزقةً وحياة.
وكثيرًا ما كنا نجتمع، أنا وأبي وأمي وإخوتي، على المصيطبة المفروشة بحصير من القش، نتكئ على الوسائد، وأمامنا أكواب الشاي الأحمر الذي بدأ يغزو حياتنا اليومية، تفوح بعطرها. في ذلك الزمن، قبل أن تعرف بيوتنا الكهرباء والتلفزيون والموبايلات، كان الهدوء يخيم على المكان، وكانت البساطة تمنح أيامنا سكينة وراحة البال وسعادة لا تُنسى.
بعد الغداء، كنا نستلقي على المصيطبة، نطلق أبصارنا نحو الجبال والحقول والسماء الزرقاء، ونتأمل الغيوم وهي تمضي ببطء. وعلى مقربة منا، كانت الأبقار والدابة تستريح في ظل شجرة التوت، تجتر ما رعتْه في الصباح، بينما تنبش الدجاجات التراب بحثًا عن شيء تأكله، أو تستحم بغباره في طقسها اليومي المألوف.
كان كل شيء بسيطًا...، هادئًا…، وجميلًا.
غير أن المشهد كان يتبدل مع أواخر الربيع وبدايات الصيف، حين تتزين شجرة التوت بثمارها السوداء الناضجة. عندها كنا، أنا وإخوتي، نتسابق إلى تسلق أغصانها، غير خائفين من علوها ومن الخطر الذي يحدق بنا، نقطف حبات التوت بأيدينا الصغيرة، ونأكلها بشهية الأطفال وفرحتهم. كان مذاقها الحلو، الممزوج بقليل من الحموضة، من أجمل متع الطفولة، في زمن كانت فيه الفاكهة نادرة وقليلة.
أما أمي، فلم تكن تغيب عن هذا المشهد. كانت تقف عند أسفل الشجرة، تتابعنا بعينين يملؤهما القلق، وتنادينا بصوتٍ اختلط فيه الحب بالخوف: «ديروا بالكم يا ولادي… لا تقتربوا من الأغصان الهشة… إذا وقعتوا بتموتوا.»
واليوم، كلما استعدت تلك الكلمات، أجدها أبلغ من أجمل القصائد، لأنها خرجت من قلب أمٍّ لم يكن يعرف إلا الحب والحنان ويخشى على أبناءه من كل أذى.
ومع قدوم شهري آب وأيلول، كانت عناقيد العنب المتدلية بين أغصان التوت تكتسي لونًا ذهبيًا، فتبدو لنا كأنها قناديل صغيرة علقها الصيف احتفاءً برحيله. يومياً كنا نقطفها ونتذوقها قبل أن تسبقنا إليها العصافير والشحارير، بفرح لا يعرفه إلا الأطفال، وكأننا نلتقط معها أحلامنا الصغيرة ونخبئها في قلوبنا، لأيام لم نكن ندري أنها ستغدو من أجمل الذكريات.
ومع مرور الوقت، شاء القدر أننا غادرنا البلاد للعيش في بلد آخر. مرت الأعوام، وتغيرت البلاد، وتعاقبت المدن، لكن شيئًا في داخلي لم يتغّير: ذكريات طفولتي، وبيتي الترابي، وشجرة التوت، والدالية.
حملت ذكريات طفولتي إلى باريس، ثم إلى غرونوبل، وبعدها إلى إيكس أون بروفانس، ثم عبرت بها البحار حتى انتهى بي المطاف في جزيرة بعيدة، جميلة وهادئة، وسط المحيط الهندي، في أقصى جنوب الكرة الأرضية، على مسافة آلاف الكيلومترات من البيت الطيني الذي شهد نشأتي وطفولتي.
وحين قررت بناء منزل، اشتريت قطعة أرض، ثم قمت، بشكل عفوي، بغرس شجرة توت ودالية بجانب البيت. وبهذا العمل، ومن دون أن أدري، كنت أرمم جزءًا من روحي، وأعيد بناء زاوية صغيرة من طفولتي في أرض الغربة. كانت هذه الخطوة، بالإضافة إلى تربية الدجاج، من أجمل الخطوات التي قمت بها، لأنه بعدما كبرت التوتة وتمددت الدالية، صار لفنجان القهوة الصباحي طعم آخر.
في كل صباح أجلس على كرسي، أرتشف قهوتي السورية بحب الهال أمام شجرتي ودجاجاتي، أنظر إليهم وأتأملهم بصمت وحنان، فأشعر أن المسافات تتلاشى، وأن قريتي تعود لتجلس بقربي، بكل وجوهها وأشخاصها وروائحها وأصواتها وأشجارها.
ورغم أن الدالية لم تمنحني عنبًا، لأن المناخ الاستوائي لم يناسبها، فإن شجرة التوت ردّت لي الجميل مضاعفًا، فأصبحت تثمر مرتين كل عام: مرة في بداية الصيف هنا، أي في شهر كانون الثاني، ومرة أخرى في شهر حزيران، أي حاليًا، وكأنها تقول لي إن القلب يحتاج إلى جرعتين من الحنين، لا إلى واحدة فقط.
بالأمس، وبعد أن أنهيت جولتي المعتادة في الجري داخل حديقتي، مررت بجانب شجرة التوت، فإذا بحبات التوت السوداء اللامعة تتدلى بين الأغصان، جميلة وبهية، تلمع تحت ضوء الشمس، وكأنها تبتسم لي وتقول:
"ما اشتقت إلى تذوق طعم التوت الذي كنت تأكله وأنت طفل صغير؟» ولأن قدميّ لم تعودا تعرفان خفة الطفل الذي كان يتسلق الأغصان بلا خوف، أحضرت السلم، وبدأت أقطف ثمار شجرة التوت بهدوء رجل يعرف أن العمر يمضي، لكن الذكريات لا تشيخ.
وما إن تذوقت أول حبة حتى عاد بي الزمان إلى الوراء…
عاد بيتي الطيني…
وعادت المصيطبة…
وعادت ضحكات إخوتي…
وعاد صوت أمي وهي تنادينا بحنان…
وعاد وعاد وعاد…
وعاد ذلك الشعور الذي لا تمنحه الحياة إلا مرة واحدة… في الطفولة.
بالنهاية، بعد كل هذه السنين، وبعد كل هذه الأسفار، أستطيع القول إن الأوطان لا تُقاس بالمسافات، بل بما تحتفظ به الروح من ذكريات مهما بلغت من العمر.