الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
2026.06.25
سيمون خالد علي
الجزء الأول:
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري
الشيخ كامل بن حسن بن حاتم بن سلمان حاتم
بسنادا 1920 — مشقيتا، 3 تموز 2010
أديب وشاعر وخطيب ورجل دين ومصلح اجتماعي من أعلام الساحل السوري في القرن العشرين
الجزء الأول:
عرف الساحل السوري في النصف الأول من القرن العشرين تحولا عميقا في أحوال أهله، فقد خرج المجتمع العلوي من عزلة جبلية طويلة فرضتها قرون من الاضطهاد والحرمان، إلى عالم جديد تتقاطع فيه الإدارة العثمانية المتأخرة، ثم الانتداب الفرنسي وما رافقه من تقسيمات وكيانات، ثم الاستقلال والوحدة السورية المصرية وما تلاها. وفي قلب هذا التحول برزت حاجة المجتمع إلى رجال علم يجمعون بين الدين والأدب، ويبنون المؤسسات الأهلية والمدارس والجمعيات الخيرية، ويدافعون عن هوية الجماعة في وجه حملات التكفير والتحريض التي ظلت تطاردها من خارجها.
في هذا الجو نشأ جيل من علماء الساحل حملوا على عواتقهم ثلاثة أعباء في وقت واحد تعليم الناس مبادئ الدين واللغة، وتنظيم العمل الأهلي عبر الجمعيات والمدارس والمساجد، وصياغة خطاب علني يعرف بالعلويين أمام المسلمين الآخرين ويرد عنهم الشبهات. والشيخ كامل حاتم واحد من أبرز هؤلاء، جمع في شخصه الواعظ والخطيب والشاعر والمؤلف ورجل المؤسسة، ومد من قريته الجبلية الصغيرة جسورا وصلته بالنجف وقم ومكة والكويت وصيدا، وبالمرجعيات الشيعية الكبرى، حتى صار اسمه علامة على بلدته مشقيتا وعلى زمن كامل من تاريخ الساحل.
الاسم والنسب والميلاد والانتقال إلى مشقيتا
أورد الأديب فؤاد غريب اسمه كاملا الشيخ كامل بن حسن بن حاتم بن سلمان حاتم، وقدمه أديبا وشاعرا معاصرا، وأحد دعاة النهضة والإصلاح في ساحل اللاذقية، وأثبت سنة ميلاده 1920. وهذا التاريخ نفسه ثبته الشيخ كامل عن نفسه في مفتتح مقابلته مع حيدر السلامي، فاتفق المصدران على السنة.
ولد الشيخ كامل في قرية بسنادا بمنطقة اللاذقية، وهي اليوم من أحياء المدينة، ثم انتقلت أسرته إلى مشقيتا في شمال اللاذقية بعد أن خفت الضغوط الطائفية المتكررة التي كانت قد دفعت العائلة من قبل إلى الهجرة. ومشقيتا بلدة قديمة جبلية تطل على بحيرات وغابات، يرد بعض الدارسين اسمها إلى أصل سرياني بمعنى الأرض المروية، لكثرة آبارها وينابيعها. وفي هذه البلدة نشأ الشيخ كامل وترعرع وأقام بقية عمره، حتى اقترن اسمه بها وبجامعها وجمعيتها الخيرية ومجالسها، وصار يعرف بشيخها وإمام جامعها، وبقي فيها إلى أن توفي يوم 3 تموز 2010.
أصل آل حاتم، ومنهم الشيخ كامل حاتم، يعود إلى بلوران، قبل أن تستقر الأسرة بين بسنادا ومشقيتا. تجتمع في سيرته ثلاث محطات بلوران أصل العائلة، وبسنادا موضع الميلاد، ومشقيتا البلدة التي صارت فضاء علمه وعمله ومجلسه وجامعه ووفاته.
وفي الصورة التي رسمها فؤاد غريب لختام حياته، يظهر الشيخ كامل مقيما في منزله المتواضع في مشقيتا، يؤمه الزوار ويقصده العلماء من كل صوب، في عيش هادئ يغلب عليه الخشوع والود والتفاهم. وتؤكد مقابلة حيدر السلامي أنه كان وقتها إمام جامع مشقيتا، إحدى قرى اللاذقية على الساحل السوري.
التكوين العلمي واللغوي
أخذ الشيخ كامل مبادئ القراءة والقرآن والكتابة عن والده الشيخ حسن حاتم، وحفظ القرآن الكريم منذ صغره وتتلمذ على والده وعلى لفيف من علماء المنطقة الساحلية. وتلقى مبادئ اللغة العربية على الأستاذ الشيخ محمود ديب الخير، يوم كان معلما في مدرسة مشقيتا الابتدائية. وفي سنة 1927 تابع تعليمه الابتدائي في تلك المدرسة، ولازم الدراسة فيها ثلاثة أعوام، حتى إذا كانت سنة 1930 غادرها عائدا إلى التلقي عن والده والمطالعة الذاتية في القرية التي أحبها.
وقد ثبت كامل سلمان الجبوري ترجمة الشيخ كامل في الجزء الخامس من معجم الأدباء، ضمن باب الكاف، فذكره باسم كامل حاتم، وأورد نسبه وولادته في بسنادا سنة 1920، وعودته مع أسرته إلى مشقيتا، ثم لخص تعليمه الأول ومؤلفاته اعتمادا على أعلام الأدب في لاذقية العرب لفؤاد غريب وعلى الموسوعة الموجزة.
انصرف بعدها إلى تحصيل العلم بنفسه، فقرأ مبادئ الصرف والنحو، وتلا بإشراف والده مقطوعات من الشعر، ثم أخذ يكتب في فن الإنشاء العربي، فنظم الشعر في مقطوعات قصيرة، ونشر طائفة من مقالاته في مجلات متعددة. وقد أعجب فؤاد غريب بإتقانه العربية تكلما وكتابة وشعرا، وحرصه على النطق بها في غالب أحواله، وأشاد بقدرته على الارتجال وبذاكرته الشعرية القوية، فكان إذا سئل عن الشيخ سليمان الأحمد أو الشيخ أحمد محمد حيدر ردد من شعرهما عن ظهر قلب بلغة عربية سليمة خالية من اللحن، وكان يتمثل بقول المكزون السنجاري
فإن هبت أمرا لا غنى عن لقائه
فلجه بقلب دونه يصدع الصخر
مشقيتا والعمل الأهلي الجمعية الخيرية والمدرسة
عد فؤاد غريب الشيخ كامل من المراجع الدينية التي يوثق بها ويرجع إليها، ووصفه برجل الدين وداعية الخير ورسول المحبة والإصلاح بين قومه ومجتمعه، الداعي إلى التعاون والتكافل ونبذ الطائفية والإقليمية والتعصب بين الفئات جميعا. وذكر أنه دعي مرة من طلاب العلم وغيرهم في قومه، فلبى بصدر رحب، وأقام فيهم مدة يعلمهم مبادئ القرآن وبعض دروس اللغة العربية، حتى أحال جهلهم إلى نور عام شامل.
في سنة 1945 عمل الشيخ كامل في حقل الجمعية الخيرية بمشقيتا، ثم صار أمينا لسرها حتى سنة 1966. وتلتقي هذه المعلومة عند فؤاد غريب بشهادة حفظتها صفحة مشقيتا صورة وحكاية في منشورها المؤرخ 10 حزيران 2017، إذ ذكرت أن مدرسة مشقيتا تأسست سنة 1945 على يد الجمعية الخيرية في القرية، وأن الطلاب كانوا يؤدون أقساطا رمزية لتغطية النفقات ورواتب المعلمين، فيما اكتفت الجمعية بدور الإشراف من غير تدخل في الشؤون التربوية.
وذكرت الصفحة نفسها أن الجمعية كانت برئاسة الشيخ أحمد ماخوس، وأن من أعضائها الشيخ كامل حاتم والشيخ عبد اللطيف ناصر ومحمد علي جوني أبو نديم ومحمد سليمان جوني، وأن أول مدير للمدرسة كان محمد بدر تكليفا، ثم تولى الإدارة رسميا جعفر سلمان من قرية البرازين بجبلة، ثم تعاقب على إدارتها أحمد حيدر وسليمان حاتم.
وتؤكد الرواية أن المدرسة التي أنشأتها الجمعية الخيرية سنة 1945 عرفت باسم مدرسة طرفة بن العبد الخاصة، وكانت تمول بأقساط رمزية يدفعها الطلاب لتغطية نفقات التعليم ورواتب المعلمين، فيما تولت الجمعية الإشراف العام من غير تدخل في الشؤون التربوية. أما ما ورد في بعض الصحف من اسم البحتري، ثم طرفة بن العبد بعد انتقال المدرسة إلى مديرية التربية سنة 1963، ثم عدنان حسين فيما بعد، فيعكس الأسماء الرسمية والإدارية التي رافقت انتقال المؤسسة من المبادرة الأهلية إلى التعليم الحكومي.
وتحفظ قصة خاصة عن بناء المدرسة، ارتبطت بمقام الشيخ علي بن سلمان الماخوسي وبأشجار السنديان المحيطة به. فقد نسبت بعض الروايات هذه المبادرة إلى الشيخ كامل حاتم، غير أن شهادات أخرى من أبناء مشقيتا وآل ماخوس وآل الراهب تجعل صاحب المبادرة الكبرى الشيخ أحمد ماخوس، والد الدكتور إبراهيم ماخوس، وهو الذي عرف في رواية الوباء لهاني الراهب بكنية شيخ السنديان. وتقول هذه الرواية إن الشيخ أحمد ماخوس قطع أشجارا من الغابة وباع خشبها لإتمام بناء المدرسة، ثم أكمل ما بقي من كلفتها من ماله الخاص، وساعده في ذلك رجال متنورون من القرية. وكان الشيخ كامل حاتم واحدا من المساهمين في هذا المشروع ومن المدرسين الأوائل فيه، كما شارك في دعم المدرسة وجمع التبرعات لها من أهل القرية في الأعياد والمناسبات.
ومن هنا يتصل خيط نشاطه التعليمي اتصالا واضحا حين قام سنة 1974 بتدريس مادة التربية الإسلامية في ثانوية الشهيد عدنان حسين باللاذقية، بتكليف خاص من مديرية التربية. الأمر الذي يجعل سيرته التعليمية مرآة لتحول المدرسة من نشأتها الأهلية إلى مؤسستها الرسمية، وقد عاصر هذا التحول كله وشارك فيه أمينا لسر الجمعية التي أنشأتها. وكان الشيخ كامل، لما عرف به من الأريحية، يندب إلى بناء المدارس والإشراف على المشاريع الخيرية، ويستثمر فراغه في المطالعة في أمهات الكتب الدينية والفقهية والأدبية، وكان قسم كبير منها في مكتبته العامرة بمنزله في مشقيتا.
الجمعية الإسلامية الجعفرية في اللاذقية
نقل الشيخ كامل خبرته من العمل الأهلي القروي إلى نطاق المدينة، فاشترك سنة 1951 في تأسيس الجمعية الإسلامية الجعفرية في اللاذقية، ثم صار عضوا في مجلس إدارتها، فأمينا لسرها حتى سنة 1970. وتؤيد مقابلة حيدر السلامي هذا الخط في موجزها للسيرة بقولها إنه ساهم في تأسيس وإدارة الجمعية الجعفرية في اللاذقية. وتبقى سجلات هذه الجمعية من المواد الصعبة التتبع، فهي جمعية قديمة تعاقبت عليها إدارات ومجالس متغيرة، وتبدلت فيها المناصب والأعضاء عبر الزمن، كما تعرض أرشيفها الحديث وحضورها الرقمي للضياع أو الحذف بعد إغلاقها في الفترة الأخيرة.
وفي سنة 1952 اتخذ حضور الشيخ كامل في الحقل الديني طابعا رسميا واضحا، إذ صدر عن المفتي العام للجمهورية السورية الشيخ محمد شكري الإسطواني القرار رقم 8، في 9 تموز 1952 الموافق 17 شوال 1371، بناء على المرسوم التشريعي رقم 3 الصادر في 15 حزيران 1952. ونص القرار على تأليف لجنة فرعية في مركز محافظة اللاذقية لفحص كفاءة المتزينين بالكسوة الدينية على المذهب الجعفري، فجعل الشريف عبد الله رئيسا، والشيخ علي حلوم مفتي قضاء اللاذقية عضوا، والشيخ عيد ديب الخير عضوا، ثم أضاف إلى اللجنة ممثلين عن الأقضية عندما يتعلق البحث بقضائهم. وفي هذه القائمة ورد اسم الشيخ كامل حاتم صراحة ممثلا عن قضاء اللاذقية، إلى جانب عبد الله عابدين عن الحافة، وحيدر محمد أحمد عن جبلة، ويونس ياسين سلامي عن بانياس، وعبد الهادي حيدر عن مصياف، ومحمود سليمان الخطيب عن طرطوس، وعبد اللطيف إبراهيم عن صافيتا، وعلي صالح حسن عن تل كلخ. وبذلك لا يعود خبر عضويته في لجنة فحص رجال الدين مجرد إشارة عامة في ترجمته، بل يصبح خبرا موثقا ضمن قرار رسمي يضعه بين العلماء الذين أوكلت إليهم مهمة ضبط الكسوة الدينية والتمييز بين أهل الكفاءة والدخلاء على سلك رجال الدين. وقد حفظت صيغة المرسوم التشريعي في مقدمة كتاب الهداية الكبرى المطبوع للحسين بن حمدان الخصيبي، وتداولت صورة الوثيقة من أرشيف إبراهيم علي الجهني، ونقل نص القرار رقم 8 عن صفحة يافع منصور.
شكلت هذه الجمعية مظلة دينية واجتماعية في المدينة، وإطارا موازيا لنشاط الجمعية الخيرية في مشقيتا، لكن على مستوى اللاذقية كلها بدل قرية واحدة، وتولت ربط الهوية الدينية العلوية بالمذهب الجعفري الاثني عشري في إطار مؤسسي معترف به. وكان الشيخ كامل أحد أركانها العاملين قرابة عقدين، ينقل إليها ما اختبره في إدارة العمل الأهلي بمشقيتا.
مسجد الإمام علي زين العابدين
في سنة 1972 أتم الشيخ كامل بناء مسجد الإمام علي زين العابدين في مشقيتا، وجعل هذا المسجد جزءا من مشروعه الإصلاحي. وقد ربط بينه وبين كتابه كلماتي الصادر في دمشق سنة 1975، إذ خصص قسما من ريع الكتاب بعد طبعه لإتمام بناء المسجد، فجمع بهذا العمل بين الكلمة المطبوعة والحجر المبني، وجعل عائد قلمه وقفا على بيت من بيوت الله في قريته.
في الأمسيات والمناسبات الكبرى خطيب التأبين
تحت عنوان في الأمسيات، أحصى فؤاد غريب عشرين مناسبة دينية كبرى وحفلة تأبين دعي إليها الشيخ كامل في محافظة اللاذقية وفي القرى المجاورة والنائية، و حتى خارج القطر ويكشف ترتيب هذه المناسبات زمنيا عن حضور خطابي ممتد قرابة ثلاثة عقود، يبدأ من مطلع الخمسينيات وينتهي عند أواخر السبعينيات.
افتتح هذا السجل بمهرجان اليوبيل الذهبي في مدينة صيدا بلبنان يوم 14 تشرين الأول 1951، تكريما لصاحب مجلة العرفان الشيخ أحمد عارف الزين. وكان أحمد عارف الزين قد أنشأ مجلة العرفان سنة 1909 ثم نقلها إلى صيدا، فصارت مدرسة متنقلة بلغ إشعاعها أقاصي الريف، ووصل إلى جبال العلويين في الساحل السوري وإلى العراق وأفريقيا، فكانت بابا دخل منه كثير من أدباء الجبل والساحل إلى الحياة الأدبية الواسعة. وحضور الشيخ كامل هذا التكريم منذ مطلع الخمسينيات يثبت أن صلته بالعرفان ومحيطها اللبناني الشيعي كانت قائمة باكرا، وتوفي أحمد عارف الزين سنة 1960 وهو في إيران زائرا، فدفن في مشهد بجوار مرقد الإمام الرضا.
ثم تتوالى المناسبات حفلة تأبين أحمد علي كامل في قرية الرويمية بمنطقة الحفة يوم 10 نيسان 1966، وتأبين الصحفي عابد جمال في قرية بيت غانم بمنطقة اللاذقية يوم 19 نيسان 1968، وتأبين الشهيد النقيب غسان حرفوش سنة 1971، وتأبين العلامة الشيخ أحمد محمد حيدر في محلة عاراء بمنطقة جبلة يوم 5 نيسان 1975، وتأبين الشهيد المقدم نصر الدين غزال في قرية وتلا بمنطقة الحفة يوم 20 آب 1976، وتأبين العلامة الشيخ محمد ياسين في قرية قرنقى بمنطقة بانياس في محافظة طرطوس سنة 1976.
ويستمر السجل في أواخر السبعينيات ذكرى مولد الرسول الأعظم في الجمعية الخيرية الإسلامية باللاذقية يوم 24 شباط 1978، وذكرى أسبوع الشيخ مطيع ناصر في قرية الفنادي بمنطقة اللاذقية يوم 31 آذار 1978، وذكرى أسبوع الشهيد العقيد نديم رسلان في قرية بكسا بمنطقة اللاذقية يوم 7 نيسان 1978، وذكرى أسبوع الشهيدين إبراهيم سوادي وإبراهيم يونس في قرية مشقيتا يوم 16 حزيران 1978، وتأبين الشيخ محمد الجندي في قرية الرامة بمنطقة الحفة يوم 23 آذار 1979، وتأبين الأستاذ أحمد عبد الرحمن حسين في قرية الصفصاف بمنطقة اللاذقية يوم 1 حزيران 1979.
أيضا حفلة تأبين والدة المرجعين السيد حسن والسيد محمد مهدي الشيرازي في مقام السيدة زينب بدمشق، وتأبين الشيخ صالح ناصر في الزوبار بمنطقة اللاذقية، وتأبين الشيخ علي حلوم مفتي منطقة اللاذقية، وتأبين الشيخ علي صالح من عين التينة بمنطقة الحفة عضو الجمعية الخيرية الجعفرية، وتأبين الشيخ أحمد ماخوس رئيس الجمعية الخيرية في مشقيتا، وتأبين النقيب الطيار علي صبح في قرية عين الشرقية بمنطقة جبلة، وتأبين الملازم الأول الطيار مجد الله خير بك في قرية الصنوبر بمنطقة جبلة. وهذه القائمة وحدها صورة مصغرة لحياة اجتماعية ودينية نشطة كان الشيخ كامل أحد أصواتها الكبرى، يرثي العلماء والشهداء والأعيان، ويحيي المواسم الدينية بالكلمة والقصيدة.
وفي تأبين الشيخ أحمد ماخوس، رئيس الجمعية الخيرية التي عمل في حقلها، استهل قصيدته بقوله
رزئ الصلاح بموتكم يا أحمد
ومتى يتاح لنا شبيهك سيد
أنت الذي للخير أوقف نفسه
ومضى على نهج الحقيقة يجهد
أنت الذي خدم القضية مخلصا
لا يبتغي غير الثواب وينشد
لك في مجالات الصلاح مواقف
غراء ناصعة عليها تحمد
هذي مآثرك الجليلة بيننا
أرج يضوع وشعلة تتوقد
ولسوف تبقى الذكريات فتية
ذكراك باقية وأنت مخلد
ثم انتقل في القصيدة نفسها إلى مخاطبة شعبه داعيا إلى الوحدة والاستقامة
يا شعبي الغالي على قلبي ومن
بالسعي نحو صلاحه أتعبد
جدا إلى ضم الشتات وسر على
الدرب السوي وأنت موحد
الدين حض على التضامن والهدى
وبذا أتى عيسى وجاء محمد
مقال النجف وصلته بمجلة العرفان
طلبت هيئة السدنة الحيدرية في النجف الأشرف كلمة لإلقائها في مناسبة مولد أمير المؤمنين الإمام علي في 13 رجب، فأرسل إليها مقالا بعنوان مولاي أمير المؤمنين، نشرته مجلة العرفان في صيدا سنة 1954. وهذا الخبر يؤكد أن صلته بالعرفان امتدت من حضوره مهرجان صيدا سنة 1951 إلى نشره فيها بعد ثلاث سنوات. وقد ظلت العرفان طوال تلك الحقبة منبرا فعليا لعلماء الطائفة العلوية والشيعية، تنشر مقالاتهم وردودهم ومناظراتهم.
وتكشف فهارس العرفان في مجلداتها اللاحقة أن صلة الشيخ كامل بالمجلة لم تقف عند مقال مولاي أمير المؤمنين، إذ يظهر اسمه في مواد أخرى، منها نادرة بقلم الشيخ كامل حاتم، وتصحيح خطأ بقلمه، مما يدل على أنه كان يتابع المجلة ويشارك فيها أديبا وقارئا وناقدا لغويا.
وفي محيط هذه الصلة الأدبية حفظ فؤاد غريب شهادات أدباء كبار في الشيخ كامل، منها ما كتبه حليم دموس في العرفان معبرا عن سروره بالرد الصريح النزيه بقلم الأديب الشيخ كامل حاتم، ومثنيا على آرائه الوجيهة في كلمات تدخل في باب الجواز ولها وجوه في معاجم اللغة وعند الأئمة والمدققين. ومنها أن الشاعر المهجري إلياس فرحات شكر الشيخ كامل والسيد هاشم معروف، وخص الأول بالثناء على خاتمة رده البديعة التي تدل على تقديسه حرية الفكر. وأثنى الأستاذ عباس أبو الحسن الموسوي على دوره في سجال أدبي ونقدي. وهذه الشهادات مجتمعة تدل على أن الشيخ كامل كان معروفا خارج دائرته المحلية، يشارك في سجالات أدبية وفكرية يرد عليها كبار الأدباء بما يثلج الصدر، على حد عبارة فؤاد غريب.
يتبع