كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

آل شمسين والتحالف مع صافي في مواجهة حملة إبراهيم باشا (1832)

عقمان/عثمان/أقمان باشا اللبيب العلوي
وآل شمسين والتحالف مع صافي في مواجهة حملة إبراهيم باشا (1832)
سيمون خالد علي
في الفترة الممتدة بين 1831 و1832 زحفت الحملة المصرية بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي نحو بلاد الشام، فاحتلت غزة ويافا وحيفا، وحاصرت عكا التي استعصت عليها نحو ستة أشهر، بينما سيطرت طلائع الجيش على صور وصيدا وبيروت وطرابلس. في الوقت الذي جاء تعيين عقمان باشا اللبيب والياً على طرابلس الشام من الباب العالي، في محاولة لوقف التمدد المصري عبر استنهاض جبال العلويين.
ترد الشخصية بصيغتين:
عقمان باشا اللبيب، وعثمان باشا اللبيب. والصيغة الأولى وردت في الدراسة الأكاديمية المتخصصة لشادي عبده مرعي المنشورة في مجلة الشرق الأوسط للعلوم الإنسانية والثقافية سنة 2024 بعنوان: التمرد العلوي خلال حملة إبراهيم باشا على ولاية طرابلس. أما الصيغة الثانية، عثمان باشا اللبيب، فهي الأوسع انتشارا في المصادر العامة والمتون التاريخية، كما في كتاب سليمان أبو عز الدين، إبراهيم باشا في سوريا، بيروت، 1929، وفي عدد من الحوليات الحديثة.
قراءة الاسم على صورة عقمان تقربه من الصيغة التركية Akman، يدل المقطع Ak على الأبيض أو النقي أو الصافي، ولقب اللبيب في العربية بمعنى العاقل الفطن الذكي. وبذلك يمكن فهم الاسم بمعنى الرجل النقي أو الأبيض، اللبيب الفطن.
كان عقمان باشا اللبيب رجل دولة عثمانيا. اميناً للمعادن وقائمقاماً سابقاً في دمشق، جمع بين منصبين: منصب اداري ضريبي متخصص في شؤون التعدين، ومنصب قيادي في عاصمة ولاية الشام.
كان من اهالي جبال العلويين اصلا وله كلمة نافذة فيهم. وهذا الوصف ثابت في خطاب ارسله ابراهيم باشا الى ابيه محمد علي باشا بتاريخ 23 رمضان 1247هجرية، شكا فيه من ان عقمان "اغرى تلك الجبال واستمالهم اليه وافسدهم علينا".
انقلبت العلاقة بين السلطان العثماني محمود الثاني ومحمد علي باشا والي مصر انقلابا حادا في سنة 1831 حين زحف ابراهيم باشا بجيش قوامه 30 الف مقاتل نحو الشام. سيطر المصريون على طرابلس الشام بعد مقاومة يسيرة، وانحاز واليها الموجود مصطفى اغا بربر الى الحملة المصرية، مما جعله عقبة امام الدولة العثمانية. ولمواجهة هذا الوضع عيّن الباب العالي عقمان باشا اللبيب والياً على طرابلس، خلفاً لبربر الذي تحول الى خصم.
اختيار سياسي مدروس لشخص يجمع بين خبرة ادارية عثمانية وقدرة على مخاطبة الجبل الساحلي واستنهاضه. وقد حشد عقمان نحو عشرين الف مقاتل ضم اليهم جموعا من العرب والاكراد وفرسان القبائل، وتحرك نحو اللاذقية وطرابلس لاستعادة ولايته.
عثمان باشا اللبيب كان شخصية عسكرية وإدارية ظهر في مصادر الحملة المصرية والي طرابلس الجديد وقائد القوة العثمانية التي حاولت رفع الحصار عن عكا ومواجهة تقدم إبراهيم باشا في بلاد الشام. ففي كتاب الجيش المصري وحروب الشام الأولى في ضوء وثائق عابدين يرد أن الدولة العثمانية حشدت، بالكاد، نحو عشرين ألف مقاتل بقيادته، مع من انضم إليه في الطريق من الأكراد والعرب، وأن تحركه أقلق إبراهيم باشا وهو يحاصر عكا، فاضطر إلى ترك قوة حول المدينة والتوجه بقسم من جيشه لملاقاة الخطر العثماني قبل وصوله إلى عكا. وتؤكد الصحوة المصرية في عهد محمد علي، وبناء الدولة الحديثة في مصر، والعسكرية المصرية من طرد الهكسوس إلى طرد اليهود، وتاريخ البعثات المصرية إلى أوروبا: عصر محمد علي، أن مهمة عثمان باشا كانت رفع الحصار عن عكا، وأنه حاول انتزاع طرابلس من الحامية المصرية، قبل أن يتحرك إبراهيم باشا عبر الساحل، فيتراجع عثمان عن المدينة، ثم تتطور المواجهة نحو حمص وسهل الزراعة، فحسمت المدفعية المصرية المعركة لصالح إبراهيم باشا.
يكشف تتبع الأخبار المتفرقة عن عثمان باشا اللبيب أنه لم يكن مجرد اسم عابر في أحداث سنة 1832، بل كان واليا عثمانيا وقائدا عسكريا حاول الباب العالي أن يجعله رأس المواجهة مع الحملة المصرية في شمال بلاد الشام. فقد عُين واليا على طرابلس، وجعلت مهمته الأساسية رفع الحصار عن عكا ومشاغلة إبراهيم باشا قبل أن يتمكن من تثبيت سيطرته على الساحل. ولهذا حشدت الدولة العثمانية بقيادته قوة كبيرة قُدرت في أقوى الروايات بنحو عشرين ألف مقاتل، انضم إليهم في الطريق جماعات من الأكراد والعرب والفرسان غير النظاميين. ولم يكن هذا التحرك بسيطا في حسابات القيادة المصرية، إذ اضطر إبراهيم باشا، وهو أمام أسوار عكا، إلى إبقاء قوة حول المدينة لمتابعة الحصار، والتحرك بقسم آخر من جيشه لملاقاة القوات العثمانية قبل وصولها إلى عكا أو تثبيت موقعها في طرابلس.
لم يكن مشروع عثمان باشا حملة عسكرية منفردة، بل محاولة عثمانية لإحياء شبكة المشايخ والملتزمين في شمال بلاد الشام. فقد امتدت التعبئة من طرابلس إلى الضنية وعكار وصافيتا واللاذقية، وجرى استدعاء ولاءات محلية قديمة لمساندة الدولة العثمانية في مواجهة الحكم المصري الصاعد. في الضنية وعكار، خوطب مشايخ آل رعد وآل مرعب بوصفهم حلفاء محتملين للسلطنة، وطُلب منهم الثبات والمساعدة وأن يكونوا يدا واحدة مع المطيعين للدولة. وفي عكار، أدى وقوف المراعبة إلى جانب العثمانيين إلى تعرضهم لاحقا للتنكيل بعد سقوط المنطقة بيد إبراهيم باشا. أما في طرابلس، فقد كان مصطفى آغا بربر قد انحاز إلى المصريين، فحصن القلعة واستعد لهجوم عثمان باشا، بينما حاول عثمان مراسلته أولا بالإقناع ثم بالتهديد، وتقدم إلى طرطوس، وأرسل بعض رجاله إلى عكار، واتصل بوجهاء داخل طرابلس وعدوه بتسليم المدينة. لكن بربر كشف الأمر، فاعتقل القاضي والمفتي وعددا من الأعيان، ثم وقعت المواجهة التي انتهت بتراجع قوات عثمان نحو البداوي ونزوله على نهر البارد.
وتضيف الروايات المحلية والعلوية بعدا أعمق لهذه الحركة، إذ يظهر عثمان باشا حلقة وصل بين الشرعية العثمانية وشبكات الجبل الساحلي. فميل قسم من العلويين إليه لا يفسر بالولاء العثماني وحده، بل أيضا بذاكرة العنف والحملات السابقة التي ارتبطت باسم مصطفى آغا بربر في الجبل. لذلك بدا عثمان باشا، في لحظة معينة، بديلا عثمانيا يمكن الالتفاف حوله في مواجهة بربر والحكم المصري. كما تذكر بعض الروايات أنه تحرك ببضعة آلاف من الخيالة غير النظامية ومعه أربعة مدافع، وأخذ يستنفر الأهالي لمقاومة محمد علي وإبراهيم باشا بسبب خروجهما على طاعة السلطان. وتربط هذه الروايات بينه وبين فرع صقر المحفوض في صافيتا، فتذكر أن قائدا من هذا البيت، ترد تسميته في بعض الأخبار بضاهر صقر المحفوظ، بينما تؤكد مصادر صافيتا أنه صافي بن صقر المحفوض، كان يحرض عثمان على الحضور إلى طرابلس وتعهد له بجمع ثلاثة آلاف من النصيرية للسيطرة عليها. لذلك تبقى تسمية هذا القائد بحاجة إلى تدقيق، لكن الثابت أن تحالفا عسكريا نشأ بين عثمان باشا وفرع صقر المحفوض في صافيتا.
حركة عثمان باشا امتدت على محور أوسع شمل اللاذقية وطرابلس وحلب. أقام في اللاذقية مع قادة عثمانيين آخرين ونحو ثمانية آلاف عسكري، ثم سار إلى طرابلس بعد أن تحولت المدينة إلى نقطة صدام حاسمة بين العثمانيين والمصريين. أدخل ابراهيم باشا عثمان في حساباته العسكرية، ودرس إمكان القضاء عليه واحتلال اللاذقية. غير أن تقديره للموقف جعله يتجنب التورط في احتلال مدينة مكشوفة، بعيدة عن قاعدة قواته في طرابلس، وقريبة من حلب، وصعبة التموين، خصوصا أن جيشه كان لا يزال منشغلا بحصار عكا. لذلك فضل مواجهة الخطر العثماني عند طرابلس ثم تعقبه باتجاه حمص وسهل الزراعة، حيث حسمت المدفعية المصرية المعركة لصالح إبراهيم باشا.
عقمان واليا عثمانيا وقائد تعبئة عسكرية ومحورا لشبكة محلية واسعة امتدت من اللاذقية وصافيتا إلى طرابلس والضنية وعكار. فقد حاول أن يجمع بين الشرعية السلطانية، وقوة الملتزمين، وولاءات الجبل، واستياء بعض القوى المحلية من بربر والمصريين. لكن مشروعه اصطدم بجيش مصري منظم، وبمدفعية أكثر فاعلية، وبانقسامات محلية، وبعجز الدولة العثمانية عن إمداده في الوقت المناسب. وانتهت محاولته بهزائم طرابلس/المنية والزراعة، فاتحة الطريق أمام الحكم المصري المباشر، وبداية مرحلة جديدة اتجهت إلى تقليص نفوذ المشايخ والملتزمين وكسر بنية الحكم المحلي القديم.
التحالف مع صافي بن صقر وقوات صافيتا
المرتكز الثاني في مشروع عقمان/عثمان كان التحالف مع قوى الجبل الساحلي، وفي مقدمتها الشيخ صافي بن صقر المحفوض، ملتزم مقاطعة صافيتا وحاكمها. وصافيتا مقاطعة جبلية تتبع لواء طرابلس وتقع شرق طرطوس، وكان اهلها من آل شمسين (الشماسنة) قد اداروا التزامها على مدى عقود.
بلغت قوات صافيتا تحت قيادة الشيخ صافي نحو ثلاثة الاف مقاتل مسلح، يساندهم اكثر من مئة شخص في التامين الاداري واللوجستي، ومن بينهم الف فارس بجاهزية قتالية اعلى. وحين صدر قرار المشاركة في الحملة استدعى صافي الفاً اخر من الاحتياط والرديف، فصار مجموع قوته يناهز اربعة الاف ومئة مقاتل. و قدم لقوات عقمان/عثمان القادمة من اللاذقية الفاً من رؤوس الغنم ومئة راس بقر ومئة شنبل برغل ومئة شنبل شعير، فضلاً عن خيش التبن.
تحركت قوات صافيتا يوم الثلاثاء الرابع من شوال 1247هجرية جنوباً نحو طرطوس وتمركزت على ضفاف نهر الغمقة الذي ينبع من ريف صافيتا ويصب في البحر المتوسط عند المدخل الجنوبي لطرطوس، ثم التقت بقوات عقمان المتجهة من اللاذقية، وعقد عقمان اجتماعاً في طرطوس مع الشيخ صافي اطلع فيه على جاهزية القوات.
وكانت رسالة ابراهيم باشا الشخصية الى صافي دليلاً على الثقل السياسي الذي يمثله هذا التحالف؛ فقد خاطبه ابراهيم بعبارة "فخر المشايخ المكرمين محسوبنا الشيخ صافي الصقر ملتزم مقاطعة صافيتا حالاً زيد قدره"، وحذره من الانحياز الى عقمان وطلب منه حسن الارتباط مع مصطفى بربر. رفض صافي هذا الاستمالة واختار الوقوف مع الوالي العثماني الجديد.
معركة طرابلس في 5 نيسان 1832
في 4 نيسان 1832 وصل ابراهيم باشا الى منطقة بادون على بعد ست ساعات من طرابلس. حين سمع عقمان باقتراب الجيش المصري ترك مدفعيته وعتاده وتراجع نحو حماه، فدخل ابراهيم طرابلس في اليوم التالي الخامس من نيسان دون مقاومة.
وفي هذه المعركة كان للشيخ صافي بن صقر الدور الاكبر. اشتبك رجاله مع قوات الحملة المصرية واصيب صافي بجرح خطير في القتال. حمله رجاله عائدين نحو بلادهم في الجبل، لكنه فارق الحياة في الطريق قبل وصوله. وبلغت خسائر قوات صافيتا، بحسب دراسة شادي عبده مرعي، نحو ستين قتيلاً ومئة وخمسين جريحاً. وانتقلت القيادة بعد موت صافي الى اخيه خضر بن صقر المحفوض.
معركة الزراعة في 14 نيسان 1832
بعد دخول طرابلس قرر ابراهيم باشا مطاردة عقمان. تجاوز لبنان وادرك حمص، ثم تراجع الى سهل الزراعة الواقع بين حمص وبعلبك على ضفاف نهر العاصي. توهم عقمان ان هذا التراجع علامة ضعف، فجمع قواته المتبقية وحشوداً من اهالي المنطقة والاكراد وفرسان العرب بلغ عددهم نحو خمسة عشر الف مقاتل، وسار بهم الى مواجهة الجيش المصري.
كان ابراهيم قد دبر له خطة محكمة؛ اذ وقعت قوات عقمان في نيران المدفعية المصرية وانهارت صفوفها، وطاردها المصريون حتى دفعوا بها الى نهر العاصي فغرق عدد كبير من المقاتلين. وانتهت المعركة في الرابع عشر من نيسان 1832 بهزيمة ساحقة لقوات عقمان وفراره نحو بلاد الحصن ثم حمص.
مصير عقمان/عثمان بعد الزراعة
بعد فراره نحو بلاد الحصن ثم حمص يختفي عقمان من المشهد العسكري بعد انتقال المبادرة العثمانية الى قيادات اخرى، في مقدمتها حسين باشا الذي قاد الجيش العثماني في موقعة حمص في 8 تموز 1832، ثم في المعركة الحاسمة عند مضيق بيلان في 30 تموز 1832، قبل ان يُهزم ويُسحق جيشه هناك ايضاً.
ولا تذكر المصادر عزل عقمان رسمياً او عن تاريخ وفاته او مصيره الشخصي.
كانت هزيمة عقمان بداية تحول عميق في جبال الساحل السوري.
خسارة آل شمسين وانتقال القيادة الى خضر
تسلّم خضر بن صقر المحفوض القيادة في أصعب لحظات فرع صقر، بعد مقتل أخيه صافي، وتحت ضغط الإدارة المصرية الجديدة، وبعد انكسار التحالف العسكري مع عقمان باشا اللبيب. وقد اضطرت القيادات في صافيتا إلى التعامل مع الواقع الجديد، فحصل خضر بين عامي 1832 و1833 على وثيقة التزام للمقاطعة من والي طرابلس المصري، في محاولة للحفاظ على ما بقي من موقع الأسرة داخل نظام اصبحت قواعده مصرية مركزية صارمة. ومع تصاعد سياسات نزع السلاح والتجنيد والضغط المالي، اصبح خضر يتحرك في عالم فرضه إبراهيم باشا بالقوة والإدارة المباشرة. وانتهى المطاف بنفيه إلى قبرص، في وسيلة لعزل الزعامة المحلية عن أرضها وشبكة ولائها تم نفي خضر الى قبرص (فاماغوستا). وبالمقارنة مع مصير محمد هواش بن إسماعيل خير بك، الذي تذكر وثيقة عثمانية سنة 1893 تخصيص مرتبات مالية له ولأبنائه وأحفاده بعد نفيه إلى جزيرة رودس، التابعة اليوم لليونان، أن النفي إلى الجزر كان أداة عثمانية معروفة لإبعاد الزعامات المحلية عن مجالها الاجتماعي مع إبقائها تحت الرقابة. وهكذا طوى نفي خضر المرحلة المركزية من نفوذ آل شمسين التي بناها صقر المحفوض خلال عقود الالتزام، كما تكشف حالة هواش أن الدولة كانت تلجأ إلى الجزر، من قبرص إلى رودس، لقطع الصلة السياسية بين الزعيم المحلي وبيئته الأصلية دون محوه تماما من السجل الإداري.
في العهد العثماني السابق كانت مناطق كصافيتا تدار عبر الوسطاء المحليين: ملتزم يجبي وشيخ يحمي وعائلة تتوسط وولاية تراقب من بعيد. بعد هزيمة عقمان بدات الادارة المصرية تفرض شكلاً مختلفاً من الحكم، مباشراً اكثر وتدخلياً اكثر. وقد جرى ذلك في اطار نظام بيروقراطي عسكري انها المرة الاولى التي يخضع فيها سكان تلك الجبال لحكم سياسي مباشر لا يعتمد على الوسطاء.
نزع السلاح
كان السلاح في الجبل ركيزة بنيوية يحمي القرية ويصون هيبة الشيخ ويوازن العلاقة مع السلطة. حين اتجهت الادارة المصرية الى نزع السلاح كان ذلك في نظر الجبل ضرباً مباشراً لكرامته واستقلاليته. وقد وثّق المجلد الثاني من مذكرات الليدي هستر ستانهوب الصادر عن Henry Colburn عام 1845 مشاهد نزع السلاح كيف كان الشباب يختبئون في البيوت والاقبية هرباً من التجنيد، وكيف كان الآباء يُضربون لاجبارهم على الكشف عن اماكن ابنائهم الفارين.
التجنيد الاجباري
اكثر خطورة من الضريبة لانه يطال الرجال. المجتمع الجبلي قائم على الاسرة والرجال القادرين على العمل والحماية، فلما جاء ما كان يعرف بالنظام اي التجنيد المركزي شعرت القرى ان الدولة صارت تطلب ابناءها لخدمة بلا افق عودة واضح. وقد وثّق المجلد الثالث من مذكرات الليدي هستر هذا الوضع بالاشارة الى جماعات الجبال بين طرابلس واللاذقية، ومنها العلويون والاسماعيليون والكلبية، مجتمعات يصعب على الرحالة الاوروبيين النفاذ الى اخبارها، ما يبين صلابة تلك البنى الاجتماعية في وجه الضبط المركزي المصري.
اسباب التمرد التالي (1834-1835)
وثّقت دراسة تمرد العلويين ضد الحكم المصري في 1834-1835 ان اسباب الانتفاضة شملت: نزع السلاح، والتجنيد الاجباري، وآلة كبس القطن، وقطع الغابات والاشجار. وهذا يجعل تمرد 1834-1835 امتداداً طبيعياً لهزيمة 1832 . ففي أيلول 1834 هاجم نحو اربعة الاف علوي الجنود المصريين السائرين من حلب الى اللاذقية، وتسبب الهجوم في خسارة نصف الجنود المصريين واجبارهم على التراجع الى اللاذقية، قبل ان تشن الادارة المصرية حملة انتقامية طالت القرى واحرقت بعضها. وقد مهّد لكل ذلك ما زرعته هزيمة 1832 من احتقان وشعور بانكسار البنية المحلية.
عقاب القرى المناصرة
اصدر ابراهيم باشا اوامر بنهب واحراق القرى والبلدات الجبلية التي ناصرت عقمان وقدمت له الدعم العسكري اثناء مطاردته اياه. هذا حوّل الهزيمة من حدث عسكري الى ذاكرة اجتماعية.
فشل مشروع عقمان/عثمان بسبب:
تفوق الجيش المصري النظامي المسلح بالمدفعية على تعبئة جبلية غير منتظمة.
غياب القيادة الموحدة بعد موت صافي بن صقر.
انكسار الثقة بالتحالف العثماني بعد ظهور عجزه عن حماية حلفائه.
الانقسامات المحلية والتنافسات بين المشايخ.
محدودية السلاح والعتاد مقارنة بجيش مركزي منظم.
ضعف الدعم العثماني المباشر من الاستانة.
النقطة الجوهرية،مشروع عقمان حاول مواجهة دولة عسكرية حديثة بادوات عثمانية محلية قديمة.
يمثل عقمان/عثمان باشا اللبيب شخصية وقفت على الحد الفاصل بين عالمين: عالم الولاية والالتزام والمشايخ الذي عاشت فيه عائلات كآل شمسين قرنا ونصفا، وعالم الدولة العسكرية المركزية التي ارسى دعائمها ابراهيم باشا في الشام. كان رجلا يعرف الجبل من داخله ويخاطب مشايخه بلغتهم. هذه الميزة وحدها لم تكن كافية في مواجهة جيش من ثلاثين الف مقاتل نظامي مسلح بالمدفعية الحديثة التي دربها سليمان باشا الفرنساوي.
سقوطه في الزراعة في 14 نيسان 1832 اسدل الستار على لحظة استثنائية وقف فيها الجبل الساحلي السوري مع الدولة العثمانية، وقاتل الى جانب جيشها . اما ما جاء بعد ذلك فكان الانكسار التدريجي لنظام ادار المقاطعات الجبلية طوال قرنين، وبداية مرحلة جديدة لم تستقر الى ان جاء الانسحاب المصري سنة 1840.
-----------------------------------------
المراجع:
1. مراسلات إبراهيم باشا إلى محمد علي باشا، سنة 1832، ومنها خطاب 23 رمضان 1247هـ.
2. فرمان السلطان محمود الثاني بتعيين عثمان/عقمان باشا اللبيب واليا على طرابلس الشام.
3. محفوظات محمد علي وإبراهيم باشا، دار الوثائق القومية، القاهرة.
4. وثائق عابدين المتعلقة بالحملة المصرية على بلاد الشام.
5. الأرشيف العثماني، إسطنبول BOA.
6. سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس.
7. سجلات الطابو والنفوس في طرابلس.
8. سجلات الأوقاف في طرابلس وقبرص.
9. الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي، CADN Nantes.
10. أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، MAE / Quai d’Orsay, Paris.
11. CPC Turquie-divers.
12. CCC Lattaquié.
13. الأرشيف البريطاني، FO 78.
14. الأرشيف البريطاني، FO 195.
15. Gallica.
16. Persée.
17. Internet Archive.
18. Google Books.
19. HathiTrust.
المراجع العربية
1. شادي عبده مرعي، «التمرد العلوي خلال حملة إبراهيم باشا على ولاية طرابلس 31 آذار 1832 – نيسان 1835»، مجلة الشرق الأوسط للعلوم الإنسانية والثقافية، مجلد 4، عدد 1، 2024، DOI: 10.56961/mejhss.v4i1.561.
2. شادي عبده مرعي، «دور قوات صافيتا في التصدي للحملة المصرية على ولاية طرابلس الشام، 5 نيسان 1832».
3. محمد رفعت عبد العزيز، الجيش المصري وحروب الشام الأولى 1247–1248هـ / 1831–1833م: دراسة في ضوء وثائق عابدين.
4. سليمان أبو عز الدين، إبراهيم باشا في سوريا، المطبعة العلمية، بيروت، 1929.
5. منير عبد الحميد صقر، تاريخ صافيتا في العهد العثماني.
6. بسام عيسى القحط، مقاطعة صافيتا: التاريخ الاجتماعي والاقتصادي 1790–1832م، دار الفتاة، دمشق، 2002.
7. بسام عيسى القحط، وثائق الالتزام في مقاطعة صافيتا.
8. هاشم عثمان، تاريخ العلويين: وقائع وأحداث، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1997.
9. إميل عباس آل معروف، تاريخ العلويين في بلاد الشام.
10. قاسم الصمد، تاريخ الضنية السياسي والاجتماعي في العهد العثماني.
11. أبحاث في تاريخ ولاية طرابلس إبان الحكم العثماني.
12. قلعة طرابلس: دراسة ميدانية معمارية تاريخية، مجلة الإنشاء، 15 حزيران 1980.
13. ياسين سويد، موسوعة تاريخ لبنان، التاريخ السياسي والعسكري، الجزء الثالث: الإمارة الشهابية.
14. سهيل زكار، الأعمال المكتوبة للدكتور سهيل زكار، فصل «قيام إبراهيم باشا إلى طرابلس».
15. محمد عبد الفتاح أبو الفضل، الصحوة المصرية في عهد محمد علي.
16. نشأت الديهي، محمد علي باشا: بدايات قاسية ومجد عظيم.
17. عبد الغفار محمد حسين، بناء الدولة الحديثة في مصر.
18. محمد عبد الواحد حجازي، العسكرية المصرية من طرد الهكسوس إلى طرد اليهود.
19. عبد الحكيم عبد الغني محمد قاسم، تاريخ البعثات المصرية إلى أوروبا: عصر محمد علي.
20. عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية وتاريخ محمد علي.
21. محمد شفيق غربال، محمد علي الكبير، مؤسسة هنداوي، 2014.
22. الأمير حيدر الشهابي، الغرر الحسان في أخبار أبناء الزمان.
23. الأب إغناطيوس طنوس الخوري، تاريخ بربر آغا.
24. محمد كرد علي، خطط الشام، مطبعة المفيد، دمشق، 1928.
25. عزة دروزة، العرب والعروبة.
26. أحمد علي حسن، تاريخ حمين خلال ثلاثة قرون.
27. الشيخ عبد الله المرتضى، الفلك الدوار.
28. حسان القالش، قطار العلويين السريع: الوعي السياسي عند العلويين، النشأة والتطور 1822–1949، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.
29. بحث «تمرد الفلاحين في فلسطين 1834»، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية.
30. يوسف / سعد الله نعيسة، 2004،
المراجع الأجنبية
1. Yousef Hussein Omar, “Alawites Rebellion in Syria Against Egyptian Rule (1834–1835),” Alevilik-Bektaşilik Araştırmaları Dergisi, no. 22, 2020.
2. Stefan Winter, “The Alawis in the Ottoman Period,” in The Alawis of Syria: War, Faith and Politics in the Levant, ed. Michael Kerr and Craig Larkin.
3. Stefan Winter, The Shiites of Lebanon under Ottoman Rule.
4. Stefan Winter, A History of the Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic.
5. Paul Van Caldenborgh, Savage Human Beasts or the Purest Arabs? The Incorporation of the Alawi Community into the Syrian State during the French Mandate Period, 1918–1946, Radboud University Nijmegen, 2005.
6. Memoirs of Lady Hester Stanhope, Vols. I–III, London: Henry Colburn, 1845/1846.
7. Travels of Lady Hester Stanhope, Vols. I–III.
8. Prince Pückler-Muskau, travel writings.
9. Lamartine, Voyage en Orient.
10. Burckhardt, Travels in Syria.
11. Lyde, The Asian Mystery.
12. George Douin, Une mission militaire Française auprès de Mohamed Aly: Correspondance des Généraux Belliard et Boyer, Société Royale de Géographie d’Égypte, Cairo, 1923.
13. Edouard Gouin, L’Égypte au XIXe Siècle: Mehemet Ali – Ibrahim Pacha – Soliman Pacha.
14. William Miller, The Ottoman Empire and Its Successors, 1801–1927, London, 1966.
15. Spencer C. Tucker, A Global Chronology of Conflict: From the Ancient World to the Modern Middle East, ABC-CLIO, 2010.
16. Osama Shams El-Din, Military History of Modern Egypt from the Ottoman Conquest to the Ramadan War, 2007.
المراجع العامة والموسوعية والصحفية
1. الموسوعة العربية، مدخل إبراهيم باشا.
2. ويكيبيديا العربية، «حصار عكا 1831».
3. اليوم السابع، مقال تاريخي، 14 نيسان 2023.
4. رصيف22، 2022.

5. فينكس Feneks.

حكّام الدولتين الحمدانية والبويهية العلوية من التأسيس إلى السقوط
عيد الغدير.. اليوم الذي بقي حيّاً في ذاكرة أتباع علي كرم الله وجهه
"شاهين" كنية واحدة وخيوط متعددة
إسماعيل بن عثمان بن خير بن إسماعيل بن كنعان بن حيدر السنجاري وعلي الشلة نهاية زعامة في صافيتا 1858م
الشيخ محمد محمود قرفول عالم الملاجة وشاعرها
الشيخ حسين الأحمد.. سيرة عالم ومصلح في جبال صافيتا والدريكيش خلال القرن التاسع عشر
الشيخ معلا حمين ووثيقة صافيتا عام 1846م: المشيخة والزعامة
الهويّة الدّينيّة للعلويّين: قراءة في الجذور والتّاريخ بعيداً عن صخب السّياسة
الشيخ خليل بن معروف النميلي المفكر الجوال ومعمار المقامات في الساحل السوري
آل شمسين والتحالف مع صافي في مواجهة حملة إبراهيم باشا (1832)
وجيه معلا محي الدين 1908-1939 طبيب طرطوس وصاحب النهضة
مدرسة الطليعي في صافيتا
العلويّون و"الجمهوريّة الثّالثة": من "رهائن الجغرافيا" إلى رحاب "الدّولة والرّقمنة"
بتول ليست قصة هروب.. قراءة نفسية- عصبية وجنائية في نمط اختطاف النساء كأداة كسر جماعي
قصة "النصيرية" (العلويين) الحقائق التاريخية الموثقة مع المرويات الدينية والقبلية