أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
2026.06.22
الباحث أسد القصار
__
فيما يخص علم الانساب والسلالات.. ومن خلال اطلاعي المتواضع حول هذا الباب المعرفي الغزير ومشاركتي لثلاث سنوات في فريق عمل بحثي مع النسابة والمؤرخ
د. محمد الصواف، إبان تاليفه كتاب:
"موسوعة الأسر الدمشقية"، مما أتاح لي الفرصة للولوج إلى أرشيف النفوس في دمشق والاطلاع على وثائق تاريخية عثمانية ومملوكية وسلجوقية وأيوبية ومشاجر وعواميد نسب قديمة للغاية أحدها كان ممهوراً بختم الخليفة هشام ابن عبد الملك، ناهيكم عن مقابلات مع عشرات الملمين بالانساب في سوريا ولبنان والعراق والسعودية واليمن.
وعندما قارنت ما بين الدراسات والكتب التي تتناول العرب كمجموعة عرقية واي دراسة أخرى تتناول أي مجموعة عرقية في العالم كالجرمان والسكسون والسلافيين أو الترك أو الأحباش أو الكرد.
وجدت أن الدراسات المعنية بالعرب هي الأكثر إرهاقاً وتشعباً وغموضاً ولا موضوعية ولا علمية في الكثير من الأحيان، وذلك للاسباب التالية:
- التزام النسابين بخطوط وعواميد نسب للعربي تبدأ باسمه الشخصي
وتنتهي عند جد أكبر تفرعت منه جماجم العرب وافخاذها واصبحت فيما بعد شعوب وقبائل قائمة بذاتها ك: ربيعة، مضر، وقيس عيلان وهمدان وكهلان سبأ، وحمير.. كمعيار دائم وفي هذا صعوبة بالغة للغاية ناهيكم عن انخفاض مستوى الثبوت الأكيد المدمغ، إذ أن كل تلك الأسانيد لم تكتب ولم تدون ألا في وقت متأخر للغاية سبقته حقبة تزيد عن الثلاثة قرون بلا أي أثر مدون يحفظه ويوثقه.
- عدم تناسب عدد الاجداد في عامود النسب مع الفترة الزمنية الفارقة بين الخلف والأسلاف.. مثلا: إذا ما أخذنا عامود نسب لرجل من عائلة الرفاعي "عقب القطب الصوفي الشهير أحمد الرفاعي المولود عام 1118 ميلادي" والذي يفصله في عامود نسبه عن الحسين 15 جد، وكان هذا الرجل من مواليد سبعينيات القرن الفائت فكل المشاجر التي بين أيدينا لا تفرق هذا الرجل عن الرفاعي جد الأسرة إلا بـ30 أو 35 جد! مما يجعلنا نفتقد من 20 إلى 30 جد حتى تصل السلسلة النسبية الى جد الأسرة الأكبر في تسلسل زمني مقبول ومنطقي. بالمناسبة الشيخ أحمد الرفاعي لم يعقب ولداً وكل الانساب والمشاجر المرجوعة اليه كجد أكبر مكذوبة.
- غموض يعتري السلسلة النسبية باكملها لعشائر عظيمة قد يصل تعدادها اليوم للملايين، كزبيد مثلاً وهي عشيرة عربية كبيرة منتشرة في الشام والعراق بشكل كبير وفي الخليج بشكل جزئي والتي ينتسب كل أفرادها إلى رجل واحد عمرو بن معد يكرب الزبيدي، أين اختفى نسل قبيلة من أعظم القبائل المذحجية اليمنية، هل فنوا جميعا ولم يبق منهم سوى عمرو بن معد يكرب الزبيدي حتى تقوم كل مشاجر النسب الزبيدية على جد واحد؟
حتى اسماعيل النبي ابن ابراهيم جد العرب المستعربة الأعلى كان له حسب المؤرخين والروايات التوراتية اثنا عشر ولد وهم: "نابت، قيذر أو قيدار، أذبل، ميشا، مسمعا، ماشي، دما، أذر، طيما، يطور، نبش، قيذما".
اختفى نسب وعقب كل الابناء تماما وكانهم تبخروا باستثناء نابت جد الانباط وقيدار الذي ينحدر من سلالته عدنان الجد الأعلى للعدنانية والذي أيضا اختفى كل أبنائه بشكل غامض باستثناء معد الذي أعقب كل العرب العدنانية.
- الحروب الطاحنة التي خاضها العرب ضد بعضهم البعض، أجبرت الكثير من المجاميع البشرية العربية العرق على إقامة قبائل تقوم على التحالف والاندماج والاختلاط لتحقيق مكسب أو سطوة أو حماية من غزو ، كحلف اللهازم الذي تكون بعد معركة ذي قار الشهيرة، ودخلت فيه حشود من قبائل ربعية كبكر وتغلب وعنز وعبد قيس والذي تمخض فيما بعد عن قيام قبيلة عنزة المشهورة.
وحلف الدواسر الذي قام بين الحقبان التغلبيين والأزديين
وحديثا حلف العقيدات الذي قام بين عدة قبائل زبيدية وقبائل مضرية وطائية لكسر استبداد شمر في الجزيرة السورية وقرى وبلدات الفرات وصولا الى بادية الموصل وضواحيها. شمر نفسها هي عبارة عن تحالف ما بين عشائر طائية متفرقة. والامثلة تكاد لا تنتهي أو تحصر وقد لا أبالغ إن قلت بصحة سحب نموذج التمازج هذا على كل القبائل والعشائر العربية القديمة والحديثة. باستثناء القبائل اليمنية التي ما زالت تسكن اليمن، يمكنني أن أقول أن حفاظها على هياكل موحدة وموثقة ومعروفة وقديمة أمر قد يشكل سمة خاصة بهم.
- منذ عشرون عام تقريباً لجا الكثير من المهتمين بعلم الانساب الى محاولة تطويع واقحام كل ما ذكرته سابقا من خلل وفجوات في عواميد النسب إلى العلم الحديث وتحاليل الDNA ووضع تحورات جينية لكل قبيلة عربية مما أزهر فعلا سوقا جديدًا للنصب علمي الطابع تمخض عن عمليات تقدر بالمليارات، وكلها حتما خزعبلات كاذبة.
مثال، ثلاثة قبائل نزارية قيسية حديثة وكل واحدة على تحور جيني مختلف:
. التحور الجيني لقبيلة العوازم ZS5198
. التحور الجيني لقبيلة عتيبة FT61268
. التحور الجيني لقبيلة عبس FGC1713
- إذا ما أحصينا العشائر والاسر ذات الأصل العربي في الشرق الأوسط والتي تمتلك مشاجر وشهادات نسب سنجد أن أكثر من نصف السكان "ما يقرب ال 300 مليون نسمة" ينسبون أنفسهم للحسن والحسين ابنا علي ابن أبي طالب!... أنساب مكذوبة بشكل يدعو الضحك والسخرية، السبب الكامن خلف ذلك هو الامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية لحملة النسب الشريف وأهمها الاعفاء من الخدمة العسكرية وخوض معارك السلطنة ليصحوا المشرق في بدايات القرن الثامن عشر على دمشق وبغداد وقاهرة وحمص وحماة و أكثر من ثلثي قاطنيها وسكانها أشراف حسنيون وحسينيون وبختم الوالي والباب العالي "نسب مشترى بالطبع"
ناهيكم عن عشرات القبائل البدوية والعشائر الريفية التي اشترت السلامة بشرائها النسب الشريف لتتحول عشائر مضرية وقيسية ويمنية الأصل بقدرة قادر الى سلالات شريفة.. أذكر منهم: زعب، البقارة، الجواعنة، البوخابور، الحريري، الالوسي، القلعي، السعدون، السبعاوي، المشاهدة، قبيلة النعيم. وغيرهم الكثير الكثير الكثير
حتى ان قبائل كردية لم تفوت عليها مهرجان بيع النسب الشريف الهزلي هذا مثل: القرة داغية، البزرنجية، الكسنزانية.
وايرانيون آريون فرس كالصدر والشيرازي والخميني، وغيرهم الكثير.
جميعهم... عربا واكرادا وفرساً.. لا يحوي أحدهم وثيقة يزيد عمرها عن الـ100 عام على أكثر التقدير وكلها عثمانية الختم والتوثيق "إن صحت".
ثم أن الأسرة العلوية كانت أسرة محاربة في خضم الصراعات السياسية الطاحنة مع الأسر التي حكمت الشرق، فكيف تأتى لها هذا التكاثر والانتشار الصاروخي في مدن وبلدات وأرياف وبوادي الشرق بأكمله؟
- السكان العرب في مدن الشرق الأوسط فقد أغلبهم الانتماء إلى عشيرة وأصبح ينتمي إلى عائلة والى الجغرافيا التي يعيش وعاش أسلافه عليها منذ قرون. وعليه فأننا أمام مجاميع بشرية يقدر عددها بمئات الملايين تنتمي حتما إلى العرقية العربية، وقد يُعرف تقديراً أجدادها الأعلون، إلا أنه ومن المستحيل وصل الخلف بالسلف عبر عامود النسب التقليدي.
ختاماً:
ان الدراسات المختصة في علم الانساب والاعراق هي فصل هام للغاية من الدراسات التاريخية، تناوله بهذا التسلسل الجزمي رغم كل الثغرات التي حاولت اختصارها قدر الامكان في مقالي هذا "وكل واحدة منها تحتاج إلى بحث منفصل لايفائها حقها" لهو خطأ علمي فادح.
الأصح والاكثر موضوعية تناول العرب كمجموعة عرقية ذات خصائص ومزايا ثقافية وسلوكية وحضارية ولغوية، ولا ضرر في تماهي واختلاف تلك الخصائص والمزايا وفقا للمواطن الجغرافية التي قطنها العرب.. عرب اليمن، عرب الحجاز، عرب نجد، عرب بلاد البحرين، عرب إفريقيا، عرب الشمال والشام، عرب العراق وحوض الفرات والجزيرة الفراتية، عرب ماردين، عرب الأحواز، عرب مصر، عرب السودان والنوبة، عرب بلاد المغرب الأقصى الخ.. تمازجوا وتلاقحوا واختلطوا وخضعوا واخضعوا (بضم الالف) مع الشعوب المجاورة لهم في الأراضي التي استقروا فيها منذ قرون طويلة. وبالتالي تطول قائمة الاختلافات ما بين مجموعة وأخرى باختلاف المكان والجغرافيا والمجتمع المحيط.
و لا بد من انزال القراءة الحالية لدراسة الاعراق والانساب العربية والتي تعتمد على سلالة الاجداد من مرتبة الاثبات والاستدلال المطلق والجازم الى مرتبة الاستئناس السردي ولا أكثر من ذلك وإلا فسنورث الأجيال اللاحقة زيفا وخرافةً في ثوب الحقيقة، وهذا ما لا أتمناه.
ألمانيا - زاكسن