كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حين تصبح الكلمة سلاحاً والصمت تواطؤاً

محمود اسماعيل
العنف.. وخطاب الكراهية

أولاً: المقدمة النظرية
في عصر يتسارع فيه تدفق المعلومات ويتشابك العالم الرقمي مع الواقع المعاش، باتت الكلمة تحمل من القوة التدميرية ما لم تحمله في حقب سابقة.
لم يعد العنف حكراً على السلاح الناري والسلاح الأبيض، فقد تحول الخطاب اللغوي إلى أحد أشد أسلحة الإقصاء والإيذاء فتكاً، حين يسخّر لبثّ الكراهية وتحريض الجماعات بعضها على بعض. وقد أفرز هذا التحوّل تحديّاً سوسيولوجياً جوهرياً هو: كيف نفهم العنف وخطاب الكراهية بوصفهما ظاهرتين متشابكتين تهدّدان النسيج الاجتماعي في عمقه؟
تشير بيانات منظمة هيومان رايتس ووتش (2023) إلى أن حوادث خطاب الكراهية الرقمية تضاعفت بنسبة تجاوزت 300% في العقد الأخير، في حين تؤكد تقارير المنظمة الدولية للهجرة أن الخطاب التحريضي كان مسبقاً مباشراً لأكثر من 70% من حوادث العنف الجماعي المويقة عالمياً بين عامي 2010 و 2023.
إن هذه الأرقام ليست إحصاءات باردة بل هي آثار إنسانية حيّة، مجتمعات ممزقة، هويات مسلوبة، وأرواح ف لحظات كراهية لم تحتاج إلى رصاصة واحدة. تنطلق المقالة من إشكالية محورية مفادها: ما الجذور البنيوية والسوسيولوجية التي تغذّي العنف وخطاب الكراهية في المجتمعات المعاصرة، وكيف يؤثر ذلك على التماسك الاجتماعي وإمكانية التعايش؟
وللإجابة على ذلك تعتمد المقالة منهجاً تحليلياً نقدياً يجمع بين الإطار النظري والشواهد التجريبية.
ثانياً: الإطار النظري – مفهوم العنف وخطاب الكراهية
1- تعريف العنف سوسيولوجياً:
لم يعد العنف في علم الاجتماع الحديث مقيّداً بالإيذاء الجسدي المباشر، فقد وسّع الباحثون مفهومه ليشمل أشكالاً أكثر خفاءً وأعمق أثراً.
إن العنف الرمزي هو ذلك الإكراه اللطيف الذي لا يدرك بوصفه إكراهاً، بل يمارس عبر المعنى والتمثّل الاجتماعي ويؤدي إلى الهيمنة والإخضاع دون اللجوء إلى القوة المادية.
يعرف بيير بورديو في كتابه العنف الرمزي (1992): هذا العنف الخفيّ الذي يتسلل عبر اللغة والمثيل الاجتماعي، منتجاً علاقات هيمنة يتقبّلها المهيمن عليهم باعتبارها طبيعة بل وعادلة، وهذا بالضبط ما يميّز خطاب الكراهية عن الشتيمة العادية: إنه يرسّخ تراتبية رمزية تجعل المستهدف يصدّق في لحظات ضعفه أنه أدنى مرتبة.
أما يوهان غالتونغ في نظريته عن العنف البنيوي (1969) فيميز بين ثلاثة أشكال للعنف: العنف المباشر (الجسدي)، والعنف البنيوي (المدمج فب الأنظمة الاجتماعية)، والعنف الثقافي، وينتمي خطاب الكراهية إلى العنف الثقافي حيث إنه السلاح الثقافي الذي يمنح شرعية رمزية للإقصاء والعنف.
2- تعريف خطاب الكراهية:
تحدد جوديث باتلر في كتابها حياة هشة (2004) خطاب الكراهية بأنه: كل خطاب لغوي ينزل ضرراً بالمخاطب لا عبر محتواه المعلوماتي، بل عبر فعل قوله ذاته فالكلمة هنا تفعل قبل أن تُغهم، وتؤذي قبل أن تُحلّل. إنها فعل كلامي يعيد إنتاج الدونية والإقصاء في كل مرة ينطق بها.
وفي السياق ذاته، يشير مارك واكسمان في دراسته جغرافية الكراهية (2016) إلى أن خطاب الكراهية ليس مجرد تعبير فردي عن مشاعر سلبية، بل هو ممارسة اجتماعية منظّمة تعكس بنى القوة القائمة وتُعيد إنتاجها في الوقت ذاته.
ثالثاً: المراجعة الأدبية: علماء الاجتماع وإسهاماتهم:
1- بيير بورديو، العنف الرمزي والهيمنة:
يشكل بيير بورديو في ثلاثيته إعادة الإنتاج (1970)، والتمييز (1979)، والهيمنة الذكورية (1998) الركيزة الأساسية لفهم كيف يتحوّل الخطاب إلى أداة هيمنة، حيث يرى أن اللغة ليست أداة محايدة للتواصل، بل هي سوق رمزي تتوزّع فيه الثروات والديون الاجتماعية.
خطاب الكراهية في هذا الإطار هو تجلّي صريح للعنف الرمزي حين يخرج من مخفاه البنيوي إلى الفضاء العام.
2- إيريك فروم، التشريح النفسي – الاجتماعي للعدوانية:
في تشريح العدوانية الإنسانية (1973)، يميّز إيريك فروم بين نوعين من العدوانية، عدوانية دفاعية بيولوجية الأصل، وعدوانية نكراوية مكتسبة اجتماعياً، تتجلى في الرغبة في الدمار والسيطرة.
ويُرجع فروم الأخيرة إلى بنى اجتماعية منتجة للاغتراب والإذلال الجماعي، وهو ما يفسّر لماذا تزدهر خطابات الكراهية في المجتمعات التي تعاني أزمات اقتصادية وهوياتية حادة.
3- هنا أرندت، ابتذال الشر وآليات الإبادة الرمزية:
في أصول التوتاليتارية (1951)، أظهرت كشف عميق لكيفية تحّول خطاب الكراهية إلى آلة إبادة: حين يصبح الإنسان حشرة أو جرثومة في لغة الدعاية التوتاليتارية يصبح قتله فعلاً نظافة لا جريمة قتل، وقد سمّت أرندت هذه الظاهرة بابتذال الشر: القدرة على ارتكاب أفظع الجرائم دون أي انفعال أخلاقي، بمجرد انتزاع الإنسانية من الضحية عبر الخطاب.
4- زيغمونت باومان، الحداثة السائلة والكراهية المعولمة:
يقدم باومان في الداثة السائلة (2000) مفتاحاً لفهم تفّشي خطاب الكراهية في العصر الرقمي: في مجتمعات تذوب فيها الهويات الراسخة وتتفكّك روابط الانتماء التقليدية، يُصبح الإنسان في حاجة ماسة إلى عدوّ يحدّد هويته بالمقابلة، خطاب الركاهية في هذا السياق وظيفة اجتماعية، إنه يمنح الشعور بالانتماء الجمعي عبر تعريف ىلآخر المرذول.
5- ابن خلدون، الأصول الكلاسيكية للعصبية والعنف الجماعي:
ابن خلدون المؤسس لمفهوم العصبية بوصفة بالمحرك البنيوي للتضامن الجمعي والعنف الجماعي في آنٍ واحد، تصبح العصبية خطاب كراهية حين تحوّل الغير إلى تهديد وجودي، وتُسخّر لتبرير الإقصاء والإخضاع باسم حماية الجماعة، وهو ما يجعل ابن خلدون مرجعاً راهناً رغم فارق القرون.
رابعاً: التحليل السوسيولوجي، أسباب انتشار الظاهرة:
1- البنى الاقتصادية والإقصاء الاجتماعي:
أكد تيد روبرت غور في دراسته التي حملت عنوان لماذا يتمرد الناس (1970) أن الحرمان النسبي، أي الفجوة بين ما يتوقعه الأفراد وما يحصلون عليه فعلياً هو أحد أقوى المنّبئات بالعنف الجماعي. حين ترى فئات اجتامعية أن بابها موصود بينما يّفتح لسواها، تتحوّل خيبة الأمل إلى حنق، والحنق إلى خطاب كراهية يستهدف من يّعتبرون مسؤولين عن الإقصاء سواء أكانوا أقليات أم مهاجرين أم جماعات دينية أم طبقات منافسة.
2- أزمات الهوية والبحث عن كبش الفداء:
يضع إريك هوفر في الؤمن الصادق (1951) معادلة اجتماعية دقيقة تقول: الجماهير التي تشعر بالتشرذم الهوياتي تكون أكثر قابلية للانجذاب نحو الحركات الجماعية العدوانية التي تمنحها يقيناً وعدواً واضحاً في آنٍ واحد، وهذا ما يُفسّر لماذا تتصاعد خطابات الكراهية في مراحل التحوّل الاجتماعي الحاد، الثورات، والأزمات الاقتصادية، والتحولات الديموغرافية.
3- تكنولوجيا التواصل والديناميكيات الرقمية:
يحذر إيلي باريزر في فقاعات التصفية (2011) من ظاهرة الغرف الصدوية الرقمية، حين تغذّي الخوارزميات المستخدم بما يتوافق مع قناعاته فحسب، تتطرّف هذه القناعات تدريجياً ويصبح خطاب الكراهية معياراً داخل المجتمعات الرقمية المُغلقة. والخطورة أن هذا التّطرف يتوهمّ الكثرة ويخوّفه من الأقلية، فيحوّل الآخر إلى شيطان قبل أن يُنتج أي تفكير تقدي.
4- دور المؤسسات في الاحتواء أو التغذية:
توصل توم تيلر في بحثه لماذا يطيع الناس القانون (1990) إى أن مشروعية المؤسسات في نظر المواطنين هي أقوى ضمانة ضد خطاب الكراهية والعنف، فحين تغيب الثّقة المؤسسية يتنقّل المواطن من الشكوى المشروعة إلى خطاي الإقصاء والتحريض، والعكس صحيح: المؤسسات العادلة والشاملة تّنتج مواطنين أقل ميلاً نحو الكراهية لأنها تُشبع الحاجة إلى الاعتلااف والكرامة.
خامساً: الحالات الدراسية:
1- الإبادة الجماعية في رواندا 1994:
تمثّل الإبادة الرواندية نموذجاً تحليلياً لا يضاهى على صلة الخطاب بالعنف، فقد سبقت إذاعة راديو ميل كوين عمليات القتل الجماعي بحملة خطاب كراهية ممنهجة امتدت لأشهر، تصف فيها التوتسي بالصراصير وتدعو إلى قطع الأشجار، وقد أثبت جيمس ويلر في دراسته الإعلام والإبادة الجماعية (2007) أن معدلات القتل ارتفعت بشكل إحصائي مباشر في المناطق التي يشتد فيها بث هذا الراديو، إنها أوضح دليل تجريبي على أن الخطاب ليس مجرد تعبير، بل هو فعل اجتماعي له نتائج دموية قابلة للقياس.
2- أوروبا وصعود اليميت المتطرف:
رصد مركز بيو للأبحاث (2019) ارتباطاً وثيقاً بين موجات الهجرة وارتفاع خطاب الكراهية ضد المهاجرين في دول أوروبية عدة، وخصوصاً في فترات الأزمات الاقتصادية. وتشير البيانات إلى أن الانتخابات التي يتصاعد فيها الخطاب القومي المتطرف تشهد ارتفاعاً بنسبة 40% في حوادث الجرائم ذات الدوافع العنصرية في الأشهر الستة التالية لها.
3- خطاب الكراهية الرقمي ومنصات التواصل:
خلصت جامعة ستانفورد (2021) إلى أن 64% من المستخدمين الذين يتعرضون لخطاب الكراهية الرقمي لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة يبدون مؤشرات اكتئاب إكلينيكية، ويُراجعون تدريجياً معايير هم الأخلاقية حول ما يُعدّ مقبولاً، وهو ما يسمى تأثير التعنيف الرقمي التدريجي.
سادساً: تأثير الظاهرة على التماسك الاجتماعي:
1- تآكل رأس المال الاجتماعي:
طوّر روبرت بوتنام في البولينغ منفرداً (2000) مفهوم رأس المال الاجتماعي بوصفه شبكة الثقة والتعاون التي تجعل المجتمعات قادرة على الفعل الجمعي، وقد رصد بوتنام كيف أن الانقسامات الهوياتية والخطابات التحريضية تدمّر هذا الرأس المال، حين لا يثق المواطنون ببعضهم تتوقف المشاركة المدنية، وينهار التضامن غير الرسمي، وتُتصبح المؤسسات العامة أقل فاعلية.
خطاب الكراهية هو في جوهره هجوم ممنهج على رأس المال الاجتماعي. 2- العنف البنيوي وتعمية الضحية:
من أعمق التأثيرات السوسيولوجية لخطاب الكراهية أنه لا يكتفي بإيذاء المستهدفين، بل يعيد تشكيل طريقة رؤيتهم لأنفسهم، الإنسان يصبح ما يقال عنه بما يكفي من التكرار وبما يكفي من السلطة الاجتماعية.
يحددّ فرانز فانون في كتابه معذّبو الأرض (1961) كيف أن الخطاب الاستعماري، وهو نموذج نقيّ لخطاب الكراهية، لا يقيّد الجسد فحسب بل يقيّد الوعي، الضحية تبدأ بتصديق الصورة الدونية التي يرسمها فيها، وهنا يصبح العنف الرمزي أشد فتكاً من العنف الجسدي لأنه يحوّل الإنسان إلى شريك في قهره. 4- الصمت الاجتماعي، تواطؤ الأغلبية الصامتة:
تكشف إليزابيث نويل نيومان في نظريتها عن حلزون الصمت (1974) أن الأفراد الذين يدركون أن آراءهم أقلية يميلون إلى الصمت خشية العزل الاجتماعي، خطاب الكراهية يستغل هذه الآلية، حين يهيمن على الفضاء العام يبدفع الأصوات المعتدلة إلى الصمت ويوهم بأن التطرف هو الرأي السائد، فيُصبح الصمت تواطؤ غير مقصود في تطبيع الكراهية.
سابعاً: النتائج:
1- العنف وخطاب الكراهية ليسا شذوذاً فردياً، بل هما ظاهرة بنيوية جذورها في أنظمة الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي وأزمات الهوية الجمعية.
2- خطاب الكراهية يسبق العنف الجسدي ويؤسس له رمزياً، منزعاً الإنسانسة عن الضحية قبل أن تمتد إليها اليد.
3- التقانة الرقمية ضاعفت خطورة الظاهرة، ليس بخلقها بل بتسريعها وتطبيعها وتكثيفها عبر الغرف الصدوية والخورازميات الانتقائية.
4- الصمت الاجتماعي أما خطاب الكراهية ليس موقفاً محايداً، بل هو تواطؤ بنيوي يُعيد إنتاج الظاهرة.
5- التماسك الاجتماعي لا يتعافى تلقائياً بعجد موجات الكراهية، بل يحتاج إلى تدخل مؤسسي وثقافي واعٍ ومخطط.
في الخلاصة...  
حين تصبح الكلمة سلاحاً.. يكون الصمت تواطؤاً.. والمعرفة هي أول خطوات المقاومة... بالعلم الذي لا يقف في وجه الكراهية ليس علماً.. بل هو وثيقة لصالحنا... 
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع