كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في بلاد العلويين

سيمون خالد علي
في أواخر عام 1930، نشرت مجلة «علاقات الشرق» (Relations d’Orient) اليسوعية مقالاً هاماً بعنوان «في بلاد العلويين» للأب ج. ليفينك. من الوثائق التاريخية التي ترسم صورة حية ومفصلة عن الواقع الاجتماعي والديني في المنطقة الجبلية الساحلية السورية خلال السنوات الأولى من الانتداب الفرنسي.
يستعرض المقال جغرافيا بلاد العلويين ونظامها القبلي الإقطاعي الذي كان لا يزال قائماً رغم التقدم المادي الملحوظ الذي أحرزته المنطقة تحت الإدارة الفرنسية. كما يركز بشكل خاص على ظاهرة تحول بعض العلويين في قرية جنينة رسلان وقرى مجاورة إلى الكاثوليكية اللاتينية، وينقل نصوصاً أصلية مهمة من رسائل المهاجرين العلويين في بوينس آيرس واحتجاجهم على طغيان زعماء العشائر، ورسالة مؤثرة وجهها المتحولون الجدد إلى البابا.
تنويه مهم:
هذه المادة توثيق تاريخي مبني على نص فرنسي اصلي نشر عام 1930 في مجلة علاقات الشرق اليسوعية. يتم عرض النص كوثيقة تاريخية ضمن تاريخها الزمني والسياسي والثقافي، ولاغراض البحث والتوثيق فقط.
لا يعبر هذا المحتوى عن رأي شخصي او موقف لي، ولا يمكن فصله عن طبيعة الخطاب السائد في تلك المرحلة، بما يحمله من رؤى وتفسيرات مرتبطة بظروف الانتداب والجو التبشيري في ذلك الوقت.
في بلاد العلويين
ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان
يعقب الساحل اللبناني شمالا الساحل العلوي. يحد هذا الساحل بلادا جبلية، أقل ارتفاعا من لبنان، ولكنها أكثر غابات وأشجارا، ومحدودة بوضوح بين البحر ومجاري الأنهار.
لقد كان الجبل، هنا كما في سائر الأماكن، ملجأ آمنا؛ للعلويين و للاسماعيليون ، بينما يسكن المسيحيون والمسلمون على أطرافه.
هذه البلاد التي تديرها فرنسا إدارة مباشرة قد أحرزت تقدما ملموسا في النواحي المادية، حتى ليمكن الحديث عن قفزات معجزة بالنظر إلى ما كانت عليه من تخلف سابق: الطرق والأمن، وتطوير الزراعة ، والمشاريع المحلية والبلدية — كلها نتائج جديرة بالتقدير.
أما تغيير الأعراف والعادات والتنظيم الاجتماعي فأمر أصعب وأعسر؛ إنه عمل يمتد طبيعيا على مدى أجيال عدة، ولا يتم بمجرد إصدار المراسيم.
في إطار حكومة مصممة على الطراز الغربي، ظل العلويون إقطاعيين دون أن يتمتعوا بحرية التخلص من إقطاعيتهم. فهم جميعا ينتمون إلى إحدى القبائل التي تتقاسم البلاد منذ القدم، والتي تشكل دويلات صغيرة مستقلة داخل الدولة. وفي كل عشيرة يمارس رئيس مدني وراثي (رئيس العشيرة) وشيوخ دينيون كثر (المشايخ) سلطة عمليا غير محدودة حتى اليوم، رغم المحاولات الرامية إلى تخفيف أو إلغاء امتيازاتهم القضائية (كالعقوبات الجسدية وعقوبة الإعدام ودية الدم وغيرها).
المعنيون بهذا النظام، وكذلك أولئك الذين هاجروا منهم وعاشوا في أمريكا، يرون فيه — ولا غرابة — نظاما مقيتا، ومنذ فترة يعبرون عن استنكارهم بصراحة أكثر أو أقل.
نشرت صحيفة الأحرار العربية في بيروت، بتاريخ 19 أيلول 1930، نداء موجها إلى زعماء القبائل، أرسله مهاجرون علويون من بوينس آيرس. إنه احتجاج حاد ضد ما يعتبرونه طغيانا. وإليكم أبرز مقاطعه:
رسالة المهاجرين العلويين
تصلنا باستمرار أخبار محزنة عن سوء إدارتكم. لا بد أن يكون المرء قد فقد ضميره وكل شعور بالشرف حتى يجرؤ على مثل هذا التصرف. تقولون إنكم أبناء العرب. فأي دليل تقدمونه على هذا النسب المزعوم؟ ألم يكن العربي دائما كريم النفس، حسن المعشر؟ وتقولون أيضا إنكم من نسل النبي — صلى الله عليه وسلم — ولكن القرآن يتبرأ ممن يفعلون مثل ما تفعلون، ممن حملوا أبناء عشيرتهم على تحمل الذل والخسة حتى اضطر المظلومون إلى ترك دينهم واعتناق دين آخر، ظنا منهم أنهم سيفلتون بذلك من غضب طغاتهم، بينما هؤلاء شدوا الرباط وشدوا الخناق على أعناق هؤلاء البائسين.
لا نريد القول إننا غاضبون ممن اعتنقوا الدين المسيحي — إذ كل الأديان في نظرنا سواء — ولكننا نريد أن نبين مدى عظم الظلم الذي يمارسه زعماء القبائل تجاه الضعفاء.
فإذا أراد شاب من أبناء العشيرة الزواج من فتاة، عليه أن يدفع للزعيم مبلغا ضخما. فإن لم يفعل فإما أنه يمنع من الزواج، أو يجبر على الدفع بكل أنواع المعاملة السيئة. وإذا نشب نزاع بين طرفين حول أي أمر، أجبر الزعماء احد الطرفين على دفع مبلغ كبير، مقتدين بالقرد الذي يصالح بين القطتين ليقسم الجبنة ثم يأخذ لنفسه النصيب الأكبر. وإذا خطر لزعيم أن يلزم أفراد قعشيرته بأعمال حقيرة مهينة، فعلى الجميع الطاعة كأنهم روس منفيون في أعماق سيبيريا. وإذا حاول مظلوم أن يرفع شكوى إلى الحكومة منعه الزعيم، والويل له إن خالف أوامر الشيخ.
هكذا تمر الأيام، بينما أبناء العشيرة يعيشون مقهورين كعبيد بائسين تحت سلطة زعمائهم، في حين يعيش جيرانهم في سوريا ولبنان بكرامة وعز تحت أنظار الدولة المنتدبة.
باسم جميع المهاجرين العلويين نتوجه إلى الحكومة الفرنسية نطلب منها أن تستمع باهتمام إلى ندائنا، وأن تمنع الزعماء من تجاوز صلاحياتهم، وإلا فإننا مستعدون لأن نطلب من حكومتي أمريكا الشمالية والجنوبية أن ترسل سفنها إلى سوريا لتنقل كل المظلومين الذين يرغبون في ذلك، كما فعلت سابقا مع أكثر من خمسين ألف ياباني وإيطالي، نقلتهم مجانا لزراعة أراض واسعة وخصبة.
التحول إلى المسيحية
سرى خبر ان بعض العلويين قد طلبوا أن يصبحوا مسيحيين. ولا يمكن لهذا الخبر أن يمر مرور الكرام. قد يكون هذا بداية تحرر عام. ومن المهم في كل الأحوال ملاحظة هذه المظاهر الروحية واداء الصلوات الحارة بشأنها. أرسل روحك فيخلقون.
منذ سنتين أو ثلاث كانت مسألة تغيير الدين معلقة في الهواء، ومنذ أكثر من عام قدمت اقتراحات غامضة إلى مبشر عابر في بانياس. وفي الواقع، شكل البروتستانت في هذا الميناء الصغير (على بعد 38 كم شمال طرطوس) جماعة من مائتي شخص.
قبل أيام قليلة من صوم عام 1930، تقدم علويون من جنينة رسلان (قرية تبعد 25 كم شمال غرب صافيتا) إلى راهبات القلبين الأقدسين اللواتي لديهن مدرسة هناك منذ عامين، والتي يسميها الناس عادة الأخوات اليسوعيات، طالبين أن يسجلوا ك لاتين-يسوعيين. بدوا صادقين. انتهت الراهبات بإرسالهم إلى الرئيس اليسوعي لمقر حمص، زائر مدرستهن، الأب إ. لاي. وقد انتصر هذا الأخير على إصرارهم، وأخذ طلبهم على محمل الجد وشرع في إنجازه.
دوافع التحول
ما هي الدوافع التي دفعت هؤلاء الناس البسطاء؟
لنستمع إلى إجابتهم: إنها أولا، كما يقولون، حب الدين المسيحي كما يظهر لهم عند الأخوات والمبشر. ثم إنه أيضا دين الصليبيين الذين يقولون إنهم من نسلهم. منذ ما قبل الحرب، أعطاهم الاتصال بالمسيحيين وقراءة كتبهم فكرة أن يصبحوا مسيحيين. شعروا أيضا بالحاجة إلى دين، ودينهم ليس دينا. كان لا بد من رحيل الأتراك والاتصال بالفرنسيين للسماح لهم بإعلان مشاعرهم.
هناك بالتأكيد بعض الحقيقة في هذه التصريحات، لكن حتى لا يعرضوا للخطر الزعيم الذي أراهم الطريق، لا يقول العلويون كل شيء.
مقهورون من قبل زعيمهم ومفقرون بسبب مطالبه ومطالب المشايخ، توجه علويو جنينة رسلان إلى زعيم عشيرة أخرى، عشيرة المتاورة. سلموه دم رقابهم كما يقولون، متعهدين بعدم شن الحرب عليه أبدا وبالمجيء لمساعدته في حالة الحرب بين العشائر. وبالفعل، في الانتخابات الأخيرة صوتوا له رغم منع زعيمهم واستياء الحكومة المنتدبة.
بعد انتهاء الانتخابات، وجه زعيم المتاورة موكليه نحو الدين المسيحي واعدا إياهم أنهم سيجدون فيه تحررهم الاجتماعي المنشود. لم يكن عليهم إذن سوى الاختيار بين الطوائف المسيحية الرئيسية. ومع ذلك أرشدهم مستشارهم إلى راهبات صافيتا ومن خلالهن إلى اليسوعي الذي يزور مدرستهن. بعد اختيارهم لم يريدوا التخلي عنه.
لماذا اللاتين؟
أجابوا بأنفسهم على هذا السؤال أمام تحقيق أجراه الكابتن ديلاتر وجارنياس: نحترم المسيحية في كل مكان توجد فيه، لكن كما تظهر لنا من خلال حياة وتعاليم الراهبات واليسوعيين، تبدو لنا الأجمل والأصدق. علاوة على ذلك نحن متأكدون أننا سنجد عند اللاتين الرعاية الدينية والتعليم اللذين لن يقدمهما لنا آخرون بنفس الجودة.
الاضطهاد والصمود
منذ أن أعلنوا أنهم مسيحيون عانى هؤلاء العلويون اضطهادا حقيقيا. بفضل مبادرة أحدهم كانوا يجتمعون مساء ويقرأ شخص ما الإنجيل: الرجال في الطابق الأول، والنساء في الطابق الأرضي. مرة واحدة هوجموا بالحجارة من قبل المعارضين. كسرت النوافذ وأصيب عدة رجال. وما كان رائعا أنهم لم يدافعوا عن أنفسهم. لقد تعلموا من رئيسة صافيتا أن المسيحيين لا ينتقمون من أعدائهم. ولهذا — لمن يعرف عادات البلاد وعقليتها — هناك شهادة واضحة على حسن نية هؤلاء الناس وفضيلة الدين المسيحي.
لقد ثابروا. من حولهم عدة قرى تنتظر بقلق. يمكن القول إن الجبل بأكمله قد اهتز. أرادوا إشراك الأب الذي يحب جميع الناس — البابا — في مصيرهم. في حزيران 1930 أملى أحدهم على رئيسة أخوات صافيتا خطابا مؤثرا. وإليكم النص في ترجمة أمينة:
رسالة إلى البابا
نحن، الشعب العلوي (يطلق علينا أيضا نصيري)، منذ قرون طويلة لا نعرف شيئا عن الدين، ولم نر أحدا يعلمنا، يستنيرنا، يعلم أطفالنا ويهتم بهم بالطريقة التي نرى بها راهبات قلبي يسوع ومريم الأقدسين يهتممن في صافيتا بالسكان والأطفال.
نحن، حتى هذا اليوم، لا نعرف ولا نفهم سوى القهر من قبل زعمائنا، والقسوة الوحشية التي يعاملوننا بها. يريدون منا أن نعبدهم بدلا من الله. وإذا لم نفعل ما يطلبونه منا نتعرض لعقوبات بربرية لا حصر لها.
عاش آباؤنا وأجدادنا وآباء أجدادنا في هذا الامتهان وماتوا فيه، ولم يعرفوا سوى هذه الحياة، ولم يروا سوى الشعب العلوي وبلاده؛ لأن زعماءنا لم يدعونا نسافر إلى بلدان أخرى، ولا التعرف على شعوب أخرى، خشية أن تنفتح عقولنا ونرفض من الآن فصاعدا خدمتهم.
لكن الآن بعد أن شقت طرق جديدة، وأقيمت علاقات بيننا وبين بلدان أخرى بفضل جهود القوة الفرنسية، نفهم كيف يعيش الناس، وكيف يتعلمون ويرتقون؛ كيف أن للشعب المسيحي كهنة وراهبات يهتمون بهم، يعلمونهم دينهم، وجميع الواجبات التي تحقق خلاص الروح، وتخرجهم من الحياة الحيوانية. يعلمون الأطفال في المدارس، بمحبة وتفان، جميع أسرار الدين المدونة في كتاب يسمى التعليم المسيحي.
إن هذا عكس ما يفعله زعماؤنا (المشايخ) الذين لا يريدون تعليمنا شيئا عن الدين؛ لأنه ليس لديهم دين؛ لا يعرفون سوى القهر والظلم؛ هذا كل دينهم. يسمون أنفسهم مشايخ لكي نتركهم يعيشون دون أن يتعبوا ويعانوا مثلنا.
قيل لنا إنك أب رحيم؛ تحب جميع الناس، حتى الذين ليسوا مسيحيين؛ تحمي وتساعد جميع الشعوب التي تتوسل إليك لمساعدتها؛ وتشفق على البائسين (المعاملين بظلم) وترسل لهم رجالا يهتمون بهم، يعزونهم، يستخدمون كل الوسائل لكي يعرف الجميع الله، ويخدمونه ويخلصون أرواحهم.
من فضلك! أيها الأب الرحيم، الذي يحب جميع الناس، نحن، لأول مرة في حياتنا، نسمع هذه الكلمة الحلوة الخيرة؛ ونعلم أن هناك في العالم أشخاصا يحبون بعضهم بعضا، ويحبون الفقير والبائس كما يحب الله خليقته.
من فضلك! أيها الأب الموقر والمقدس، نحن، الشعب العلوي، البائسون أكثر من جميع شعوب العالم، ؛ — الأكثر تعلما بيننا هو الذي يكتب هذا التوسل — اهدنا، كما تهدي غيرنا؛ ارحمنا، كما ترحم الآخرين؛ نريد أن نكون أولادك (لشرفنا العظيم)، أي مسيحيين، من فئة اللاتين، مثل راهبات القلبين الأقدسين في صافيتا؛ اللواتي يعلمن الدين الحقيقي لكل السكان المسيحيين في هذه المنطقة.
ها هو شعب يحب الله ويخافه، الشعب الذي يعلم الدين الحقيقي الذي لا يعرف خداعا ولا كذبا ولا سرقة ولا ظلما؛ ليظفر الله هذا الشعب المبارك، ليمنح الله النصر لحماسة (هذا الشعب) لحبه للفقير. نريد أن نكون من هذا الشعب.
نطلب من قداستكم، أيها الأب الموقر، أن يعلمنا اليسوعيون الدين الحقيقي، كلمة الله، وأن يعمدونا، كما يفعلون في بلدهم، لأننا طلبنا منهم قبولنا في دينهم، الذي يعلم الحق والعدل وخوف الله.
لقد قدمنا ثلاث عرائض لنقل أسمائنا إلى دين المسيحيين اللاتين: واحدة إلى الحكومة الفرنسية في اللاذقية؛ وواحدة إلى الأب الرئيس لليسوعيين في حمص؛ والثالثة إلى رئيسة راهبات القلبين الأقدسين في صافيتا: نحن، مع عائلاتنا، أكثر من مائة شخص. عدد كبير من جيراننا ومعارفنا يريدون أيضا أن يصبحوا مسيحيين مثلنا؛ لكنهم ينتظرون ليروا ما سيفعل بنا أولا؛ وكيف سنعامل، ثم سيتبعوننا.
نحن، كعلويين، نقول لقداستكم إن جبل العلويين بأكمله سيصبح مسيحيا، لأننا نتحمل قهرا عنيفا وقاسيا من قبل زعمائنا؛ وخاصة لأننا نرى أنه ليس لدينا أي دين، ولا نعرف الله، كالمسيحيين، ولم نسمع أحدا يحدثنا عن الله قط. ديننا نحن يتكون من تمجيد زعمائنا وإعطائهم العبادة المستحقة لله.
نرغب من كل قلبنا في التحدث إليك، أيها الأب الرحيم، لنخبرك عن حالتنا البائسة التي نعيش فيها كالبهائم، ونموت كالبهائم، دون أن يخبرنا أحد أن هناك سماء وحياة أخرى وراحة مع الله. لكن كم هو بعيد عنا هذا الشرف العظيم! وهذه الفرصة للخلاص!
نتوسل إليك يا قداسة الأب، اهتم بنا، كما تهتم بأولادك (مع أننا لا نستحق منك نظرة)، لكي نتعلم معرفة الله وخدمته والصلاة له.
لقد خدمنا زعماء قبائلنا طويلا بما فيه الكفاية، نريد الآن أن نخدم الخالق. لا يمكننا الوصول إلى هذه الحالة السعيدة إذا لم تعين رجالا لتعليمنا هذا المذهب الجميل.
لو كنت تعلم، قداسة الأب، كم يضطهدنا العلويون الذين لا يريدون أن نكون مسيحيين، يسيئون معاملتنا، يدمرون ممتلكاتنا، يضربوننا، يبصقون علينا، لأرسلت لنا رجالا لحمايتنا، ومعاملتنا بمحبة ورحمة. لأننا نتحمل الآن الكثير من الشرور، من أجل حب الدين المسيحي. لكننا، بقوة الله ومساعدته، نثابر ولن نغير قرارنا.
وقد اتفقنا فيما بيننا، إذا لم تساعدنا الحكومة على نقل أسمائنا، أو إذا رفضت، على ترك بلدنا جميعا، وترك بيوتنا وممتلكاتنا والذهاب إلى بلد مسيحي لنموت في هذا الدين الذي هو الحق.
إن زعماء قبائلنا في هذه اللحظة، لو لم يخافوا الحكومة الفرنسية، لذبحونا وشربوا دمنا. وتحت الستار يحرضون شعبهم على إهانتنا وضربنا ونهبنا. لا يتركوننا لحظة راحة، ظنا منهم أن هذه المعاملة السيئة ستخيفنا وتجعلنا نعود عن قرارنا.
نحن، على العكس، بمساعدة الله، نتمسك أكثر بعزمنا، ولا نخاف تهديداتهم ولا رصاصهم ولا خناجرهم: ونشكر الله ألف مرة في اليوم، لأننا لم نعد جزءا من هذا الشعب الوحشي والبربري. لنا شرف أن نصبح مسيحيين، أن نكون أبناء قداستكم ومن الآن فصاعدا تفكر بنا رغم أننا لا نستحق ذلك.
قيل لنا إنك إذا قلت كلمة، سيتحقق كل شيء؛ وأن جميع المسيحيين الخاضعين لله يطيعونك أيضا. لذلك نتوسل إلى قداستكم أن تستقبلنا ضمن المسيحيين اللاتين، وأن توصينا بهم؛ لكي يعلمونا الدين، ويعلموا أطفالنا.
ونحن جميعا، بصوت واحد، نشكرك؛ نطلب من الله أن يطيل حياتك ويجعلك منتصرا ونقبل يديك المقدستين لكي تباركنا، وصل إلى الله من أجلنا لكي يزيد عددنا يوما بعد يوم.
ولدينا أمل كبير بأن عددنا سيزداد عندما نتمكن من نقل أسمائنا، وعندما تأتي الراهبات إلينا لتعليمنا. إذا سررت بالرد علينا، يرجى إرسال الجواب إلى من هو زعيم مجموعتنا محمد تامر.
التعليم والمثابرة
عين الأب كانديلا في أوائل حزيران مراقبا، فجاء ليستقصي على الأرض. أقنعه تحقيقه بأن التسجيل الوحيد في قوائم الكاثوليك اللاتين يمكن أن ينقذ المتحولين من مضايقات الزعماء ويعطي المبشرين اللاتين الحق في الاهتمام بتعليمهم.
لهذا الغرض أعدت عرائض مختومة شخصية، باسم كل من المتحولين، تطلب التسجيل كمسيحي. قدمت إلى قائمقام صافيتا، كان يجب أن تصل إلى محكمة طرطوس. هذه، في جلسة، كان عليها البت في قبول أو رفض العريضة. الآن، من حيث المبدأ، اعترف الدستور بحرية الضمير للجميع، فلا يمكن رفض مثل هذه العريضة.
وهكذا في 15 آب 1930 حكمت المحكمة، التي كان رئيسها سنيا، والعضو الأول إسماعيليا، لصالح العرائض وأمرت بالتسجيل: اثنتان وعشرون عائلة، أي قرابة 80 شخصا، انتقلوا إلى الكاثوليكية اللاتينية.
رسائل الطالب الإكليريكي
غادرت صافيتا، يكتب الطالب الإكليريكي في 7 أيلول 1930، في الأول من أيلول مع كشاف من حمص، قسطنطين مقيبر، وذهبنا إلى جنينة، قرية المتحولين الجدد، بعد أن قدمنا القداس الإلهي والمناولة المقدسة لله تكريما للقديسة تريزا الطفل يسوع والقديس فرنسيس كسفاريوس لكي يباركا رسالتنا.
وصلنا حوالي الساعة الرابعة وأحاطت بنا جموع الفلاحين: صباح الخير يا أبتي. ثم استقرينا في غرفة سقفها مغطى بأوراق الزان وهناك وضعنا كتبنا وأمتعتنا. في المساء، بعد العشاء، اجتمع الجميع. أخذت الكتاب المقدس وبدأت أحدثهم عن الخلق، عن آدم وحواء، عن خطيئتهما، عن قايين وهابيل، عن نوح وتوقفنا هذا المساء عند إبراهيم.
بعد الانتهاء من القراءة بدأت أشرح لهم ببطء بالعربية العامية ما قرأته للتو. عند كل كلمة تقريبا يسمع تنهد شخص ما يقول: هذه هي الحقيقة، ليجعل الله المسيحيين منتصرين. أنهينا صلاة المساء. وقف الجميع. انتهت الصلاة، يجلس الجميع وكل يقول انطباعاته. هؤلاء الناس البسطاء يثيرون الشفقة. كانوا عطشى للحقيقة وها هم يجدونها. وكيف يستمعون أيضا! بصغون بآذانهم، يطوون أيديهم، يتنهدون.
في صباح اليوم التالي جاء جميع الرجال إلي برفقة أطفالهم: خذ هؤلاء الأطفال، علمهم. بقينا معهم قرابة ساعتين، ثم أخذت دفاتري وبدأت أنسخ على أوراق صغيرة الأبانا والسلام والقانون وأوزعها على من يعرفون القراءة، أما الآخرون فنعلمهم كلمة بكلمة. الآن جميع الرجال، جميع الشباب، يعرفون الأبانا والسلام، وأكثر من الربع يعرف القانون.
بعد الظهر جمعت النساء اللواتي، في البداية لم يرغبن في المجيء لأن النساء العلويات، تقريبا مثل المسلمات، لا يجلسن بجوار رجل للاستماع إلى حديثه. ومع ذلك جئن إلي، البعض باكيات، والأخريات عابسات ولا يسلمن علي. هن الآن معتادات ويأتين كل يوم بعد الغداء، برفقة أطفالهن. لكن يا إلهي! ما أصعب تعليم النساء. أكرر أكثر من عشرين مرة سطرا من الأبانا ولا يستطعن، بعد ذلك، ترديده غيبا.
أنا لطيف جدا ومهذب معهم. حملت من عند عمتي دواء للعيون ومن الأب كانديلا صبغة اليود. فأسرع الجميع إلي كما لو كنت الطبيب الممتاز وعندما أغسل جروحهم، عيونهم، يقولون: كم المسيحيون متواضعون، إلههم على كل حال ولد في مذود.
علويون آخرون لم يعلنوا أنفسهم يأتون لحضور التعليم المسيحي. في اليوم الأول من وصولي، قال أحدهم بعد أن استمع مع الآخرين، في النهاية: سنرى مصيركم؛ إن كنتم سعداء بأن تصبحوا مسيحيين، كونوا واثقين أننا، جميعنا، سنصبح كذلك أيضا، وإلا، إن كنتم تعساء، ستكونون مثالا للرعب والكراهية للآخرين.
إقامتي الوحيدة في جنينة مع الكشاف تظهر للقرى المجاورة أن اليسوعيون هم رجال الله الذين يريدون جلب العلويين إلى الحضارة الحقيقية. هناك قرية قريبة جدا من هنا تريد أن تصبح مسيحية. اليوم ذاته جاء الشيخ ووجهاء القرية للقاء الأب كانديلا في صافيتا.
أقضي تقريبا اليوم كله في التعليم والصلاة. طالبك الإكليريكي، شوكت إلياس.
صافيتا، 14 أيلول 1930
مسيحيونا الجدد يسيرون على ما يرام ويبقون دائما مجتهدين. الرجال يعرفون بالفعل الأبانا والسلام والقانون ووصايا الله؛ الأطفال يعرفون، بالإضافة إلى ذلك، فعول الإيمان والرجاء والمحبة. والنساء، الأبانا والسلام ووصايا الله والأسطر الأربعة الأولى من القانون.
ويقولون لي: انظر كيف نصبح كل يوم أكثر تعلما. يا له من فرق بين حالنا الحالية وحالنا السابقة. متى ستأتي اللحظة السعيدة لمعموديتنا؟ يدرسون في كل مكان ودائما. في اليوم الآخر، رأيت شابا على حصان. كان لديه ورقة القانون في يده ويصرخ: الذي حبل به من الروح القدس، ولد من مريم العذراء.
كل مساء، بعد الصلاة، أغني لهم ترنيمة ويقولون لي: مرة أخرى، يا أبتي، مرة أخرى. ثم ينفذون الرقصة العلوية، الدبكة، جميع الرجال يتجمعون في دائرة، يدقون بأقدامهم على الأرض، يرفعون القدم اليسرى ومن اليمنى يعطون ضربتين. في الوسط رجل يعزف على المزمار.
ثلاث قرى مجاورة تريد أن تصبح مسيحية. الثلاثاء الماضي ذهب الأب كانديلا والرئيسة، الأخت ناتالي غرايب، لرؤية إحداها. جاء السكان للقائهما، حاملين البخور، يغنون تكريما للقادمين.
ومع ذلك يأتي البروتستانت إلى هذه المناطق. قبلنا كانوا قد جاءوا إلى جنينة، لكن السكان رفضوهم. يقولون للناس: نحن مسيحيون مثل اللاتين، كونوا مثلنا، سندفع لكم ضرائب الحكومة ونحضر لكم الملابس، ما لا يفعله اللاتين.
شوكت إلياس.
صافيتا، 21 أيلول 1930
العمل يسير على ما يرام جدا، لأنه من جهة موعوظونا مجتهدون جدا، ومعلموهم أكثر مثابرة. لا أستطيع أن أعبر لكم عن فرحة هؤلاء الناس البسطاء عندما يذهبون إلى المسيحيين الانشقاقيين المحيطين ويتلون أمامهم صلوات لا يعرفونها. النساء خاصة فخورات جدا.
ها هو زعيم العشيرة، زعيم عشيرة المتاورة قد نصح بل أمر ثلاثا من قراه بأن يصبحوا مسيحيين وأن يذهبوا لرؤية الأب كانديلا بعد القطاف، أي في تشرين الأول. ما هي فكرته؟ ليس من السهل معرفة ذلك.
الكثير من القرى الأخرى تريد أيضا أن تصبح مسيحية، ينتظرون ليروا مصير الأوائل. إذا رأوا أنه تفتح لهم مدارس، وتقام مستوصفات، وتبنى كنائس، هم أيضا سيصبحون مسيحيين.
إذا كان الأمر يتطلب عملا، سياسة، فإنه يتطلب أيضا قداسة، عمالا متحمسين ومتقشفين جدا. القليل الذي أفعله في هذه القرية من جنينة يعتبره الفلاحون معجزة عظيمة: كيف إذن، يقولون، لكي يتواضع يسوعي هكذا (أي أنا!)، لا بد أن يكونوا جميعا قديسين، وهم متأكدون الآن أن الآباء لم يخلقوا من قبل الله إلا لعمل الخير هنا على الأرض.
إلى اللقاء، أيها الأب الموقر، في بضعة أيام سأخبرك في بيروت بتجاربي وكل ما أعرفه. طالبك الإكليريكي، شوكت إلياس.
ذكرى الأب بارنييه
عندما نفكر في هذه الأحداث وعندما نفكر في التأثيرات التي يمكن أن تكون قد مورست في الماضي لإيصال الأمور إلى النقطة التي نراها، يتبادر إلى الذهن بشكل طبيعي اسم مبشر شجاع لهذه المناطق بين الأرثوذكس، مات من الإنهاك عام 1900، الأب بارنييه.
في النعي الذي نشر في اليوم التالي لوفاته نقرأ: كان المبشر المتحمس يحلم أيضا بغزو النصيريين، عشيرة كافرة يقدر عددها بقرابة ثلاثمائة ألف. هؤلاء الجبليون ليس لديهم من المسلمين سوى الظاهر، لديهم في الأساس مزيد من التعاطف مع المسيحيين، خاصة مع الكاثوليك، بل لديهم في دينهم عدة مراسم تبدو وكأنها تربط أمتهم بأصل مسيحي. عرف الأب بارنييه على الأقل كيف يكسب محبتهم.
في قرية الشيخ بدر، شمال شرق بانياس، في منزل الشيخ صالح، بطل انتفاضة 1920 ضد الفرنسيين، توجد حجرة صغيرة كان الأب ينزل فيها عند مروره. حفظت حتى اليوم بعناية أكثر أو أقل خرافية.
في قرية أخرى، تقع قرب صافيتا شمال غرب، تنتمي إلى عشيرة الحدادين، يقال إن عائلة علوية تحتفظ بسرير كان قد اشتري خصيصا له في طرابلس. في الواقع، عموما، ينام هؤلاء الناس على حصيرة أو على فراش موضوع على الأرض.
يعرف، في الواقع، أنه بفضل الحداديين استطاع الأب بارنييه اختراق صافيتا والاستقرار فيها رغم معارضة ال بشور الذين كانوا آنذاك زعماء أقوياء للمسيحيين في هذه المنطقة.

ج. ليفينك، يسوعي

الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع