بعل محسن.. اسم حديث فوق أرض أقدم من الاسم والذاكرة
2026.04.11
سيمون خالد علي
حي علوي تشكل في منتصف القرن العشرين، يقال انه اسم اخذه المكان من مالك ارض حديث. اما المعلومات من الروايات المحلية، والدراسات العمرانية، وقراءات طرابلس الاجتماعية والطوبونيمية (علم دراسة أسماء الأماكن)، توضح اننا امام فضاء يحمل اكثر من معنى في آن واحد، طبقة عقارية حديثة، وطبقة زراعية اقدم، وطبقة اجتماعية وديموغرافية اعمق، وطبقة لغوية تحفظ ذاكرة المكان قبل النزاع المعاصر بقرون طويلة.
ارتبط الاسم الحالي للحي فعلا باسم محسن، مالك ارض من القرن العشرين، بينما بقي الاسم العقاري الاقدم هو جبل الزيتون، وبقيت في الذاكرة الشعبية صيغة بعل محسن قبل ان يطغى عليها اسم جبل محسن الحديث. وهذه النقطة وحدها تكفي لتؤكد ان الاسم الحديث لا يساوي اصل المكان. فإذا كان محسن يحيل الى طبقة عقارية متأخرة، فإن بعل في بعل محسن، وبعل التبانة، وبعل الدراويش، هو جزء من حزام اسماء قديم في شرق طرابلس.
لفظة بعل في الفضاء السامي القديم كانت تعني السيد والمالك والرب، ثم ارتبطت في الميثولوجيا الكنعانية والارامية بإله العاصفة والمطر والخصب. وبعد ذلك استقرت ايضا في الاستعمال المحلي للدلالة على الارض البعلية المعتمدة على مطر السماء. تبقى هذه اللفظة في محيط طرابلس مفتوحة على تاريخين معا، طبقة لغوية وروحية عميقة، وطبقة زراعية لاحقة. والقراءة المنهجية الاكثر حذرا تؤكد ان شرق طرابلس يحفظ ذاكرة لغوية اقدم من العمران الحديث، وتجعل سؤال الموضع الاقدم، والمقدس، سؤالا مشروعا للبحث.
قصة تيسير او تحسين محسن ناقصة اذا قدمت اصل المكان كله. فالمادة المتوفرة تشير الى ان المنطقة كانت بساتين زيتون قليلة البناء، ثم جرى بيع الاراضي تدريجيا لعمال وعائلات، فصعد السكان من المناطق المنخفضة المجاورة مثل التبانة وبعل الدراويش وحارة التنك الى الهضبة، وتحول الموضع الزراعي الى حي سكني.
المعطيات التاريخية والخرائط القديمة والصور الفوتوغرافية المبكرة تكشف ان النواة الساحلية المحصنة كانت شيئا، وان التلال والمرتفعات المحيطة بها كانت شيئا آخر، لكنهما معا ينتميان الى مجال واحد. فالمدينة القديمة كانت ملاصقة للميناء ومسوّرة، بينما كانت الهضاب المحيطة بها تشكل المجال الزراعي والاستراتيجي الذي يطوقها ويشرف عليها. وهذا مهم جدا، لانه يعني ان القبة وابي سمراء والمجال الذي سيدخل لاحقا في نطاق جبل محسن جزءامن الحزام الطبيعي والبشري الذي احاط بطرابلس منذ زمن مبكر.
نهر ابو علي عرف ايضا باسم قاديشا او كاديشا في الكتابات الاوروبية. مثلما عندنا جبل الزيتون، وبعل محسن، وجبل محسن، يصبح عندنا ايضا قاديشا وابو علي. وهذا يؤكد ان طرابلس مدينة طبقات اسمية متراكبة. كما تكشف هذه الصورة ان العمران الطرابلسي القديم كان ملتصقا بالنهر مباشرة، قبل ان تقطع مشاريع القرن العشرين هذه العلاقة العضوية بين الماء والمدينة.
في عهد بني عمار تحولت المدينة الى حاضرة علمية وثقافية وتجارية كبيرة، وفيها دار علم ومكتبات ونسّاخ ووراقون، وكانت ايضا مدينة بحرية حصينة. وجودهم يثبت ان طرابلس ومحيطها كانا جزءا من فضاء متنوع، مفتوح نسبيا على التيارات الباطنية والفكرية المحلية، تكتسب فرضية الحضور العلوي المبكر في ارياف طرابلس ومرتفعاتها معنى تاريخيا اقوى.
مرتفعات طرابلس مواقع سيطرة ومراقبة وحصار ايضا. ولهذا فالعلاقة بين التلة والمدينة في طرابلس علاقة قديمة، التلال تحاصر المدينة او تحميها، تشرف عليها وتتحكم بمداخلها، ثم تتحول لاحقا الى مجال لتمددها البشري والعمراني. وعليه، فإن المرتفعات التي ستدخل لاحقا في نطاق القبة وابي سمراء وجبل محسن هي جزء من البنية العميقة لتاريخ طرابلس.
اما القطيعة الكبرى التي اعادت رسم الخريطة البشرية، فجاءت مع العصر المملوكي، وخاصة مع حملات كسروان بين 1292 و1305. هذه الحملات لحظة اعادة توزيع سكاني دفعت جماعات شيعية وعلوية ودرزية شمالا نحو عكار وطرابلس والساحل السوري. ولذلك فالأدق ان يفهم الوجود العلوي الحديث في جبل محسن كاعادة تموضع متاخرة داخل نطاق شمالي كان للعلويين فيه حضور سابق انقطع او تقلص ثم عاد بأشكال جديدة.
ومع اعادة بناء طرابلس في الداخل بعد 1289، صارت التلال المحيطة بالمدينة الجديدة جزءا بنيويا من نظامها العمراني والدفاعي. فالقبة وابي سمراء وجبل محسن صارت داخل المجال الذي يحدد نمو طرابلس وحركتها وعلاقتها بالنهر. وهذا يعني ان الارض التي سيظهر عليها جبل محسن الحديث كانت منذ قرون جزءا من النظام الطبيعي والعمراني والسكاني للمدينة.
التحول الاكثر درامية في التاريخ الحديث جاء مع فيضان نهر ابو علي سنة 1955 - 1956. نقطة انعطاف حاسمة في الجغرافيا الاجتماعية لطرابلس. فقد دمرت المياه احياء واسعة، وتهجرت عائلات، ثم جاءت مشاريع الدولة اللاحقة لتوسيع المجرى وبناء الجدران الاسمنتية، فعمقت القطيعة بين المدينة ونهرها، وبين الاحياء الشرقية والمدينة التاريخية. ومن قلب هذه الصدمة خرجت تحولات عمرانية وديموغرافية جديدة: حي المنكوبين، تصاعد السكن على التلال، وازدياد التماس الجغرافي بين الاحياء الفقيرة والمرتفعات المحيطة. جبل محسن نتاج التقاء الكارثة بالطبوغرافيا، وبالبيع العقاري، وبالهجرة الداخلية، وباعادة توزيع السكان فوق ارض كانت اصلا معروفة ومستخدمة قبل هذه اللحظة الحديثة.
حي الاميركان يرجع الى المدرسة التي انشاتها الارسالية الانجيلية الاميركية في اواخر القرن التاسع عشر، ومع ذلك، لم يتحول اسم المدرسة الى اسم شامل للجبل.
أما القبة تفتح سؤالا حول موضع يحمل ذاكرة عمرانية او دينية اقدم، قبة النصر المملوكية على سكان الجبل. ونهر ابو علي يحفظ اثرا من عهد بني عمار، ويشهد ابن البراج الطرابلسي على عمق الحضور الباطني في المدينة قبل تشكل الانقسامات الحديثة.