كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نبذة عن علويي الأرجنتين

أُبي حسن

سبق أن أقامت الباحثة الاجتماعية الأرجنتينية- السورية مريم صالح سلمان، في بيونس آيرس، عام 1998 معرضاً توثيقياً بمناسبة مرور مائة عام على هجرة بعض العرب عامة والعلويين خصوصاً الى الارجنتين، وقد حضر المعرض سنتذاك عمدة العاصمة الأرجنتينية. تسنى لي حينها حضور شذرات من المعرض عبر الفديو بواسطة الصديق الأرجنتيني (السوري الأصل) السيد حسن ناصر.. طبعاً بعض الباحثين يُرجع أول هجرة إلى الأرجنتين لعام 1880م، معتبراً الجيل الأول منها استمر منذ ذلك التاريخ حتى عام 1913م قبل نشوب الحرب العالمية الأولى. فيما يقول توفيق ضعون في كتابه "ذكرى الهجرة": "إن الذين رافقوا البطل اللبناني يوسف كرم إلى منفاه في إيطاليا، قد آثروا الهجرة إلى أمريكا الجنوبية بعد وفاة عميه في إيطاليا، وإنهم كانوا أول الوافدين إليها من الأقطار العربية"، وكان ذلك بين عامي 1860م و1877م، وعملياً عام 1860م شهد أوّل الهجرات العربية السورية واللبنانية الى البرازيل (قبل الارجنتين التي دخلوها لاحقاً).
قلّة هم الكتّاب السوريين الذين اهتموا بتوثيق هجرة أجدادنا إلى ذلك البلد في أمريكا الجنوبية والأسباب الرئيسية التي دفعتهم لتلك الهجرة، وفي ذاكرتي بضعة كتب، أولها الذي وضعه الراحل حسن حدة وأعني كتابه "تاريخ المغتربين العرب في العالم" الصادر للمرة الأولى في نيسان 1966، والثاني كتاب "قصة المغتربين العرب في الأرجنتين" الصادر عام 2002 للراحل حسن عمار (وهو من مواليد الأرجنتين)، فيما والده الشيخ عبد الحميد حسن عمار هاجر يافعاً من قرية "برمانة المشايخ" مطلع القرن الماضي الى الارجنتين، وكذلك كتاب "العرب في الأرجنتين.. النشوء والتطور" للدكتور عبد الواحد اكمير، ومن المفيد أن نذكر هنا أن الدكتور والأديب والبرلماني السوري الراحل عبد اللطيف اليونس سبق أن كتب عن المغتربين لاسيما أنه قضى أكثر من عقدين في الأرجنتين والبرازيل.
يتوزّع العلويون في الارجنتين في عدة مدن وولايات منها العاصمة بيونس آيرس ولهم فيها ثلاث جمعيات يلتقون فيها في المناسبات الدينية والاجتماعية، و"لا أنخليتا" (ويسمونها هناك سوريا الصغرى) وتقع ضمن ولاية بيونس آيرس وفيها تجمع علوي كبير مايزال يحافظ على العادات والتقاليد السورية بدءاً من الدبكة والكبة وصحن التبولة والشنكليش وطبخ الهريسة وليس انتهاء بالاحتفاء بمناسبات الميلادي والبربارة على الطريقة الشرقية، وهناك يسمون الخضار حتى اللحظة بأسمائها العربية كالثوم والبصل والسلق والسبانخ والبندورة.. الخ. وكذلك ينتشر العلويون في ولايات: "السلتا" و"قرطبة" و"مندوسا" و"سانتفي" و"توكمان". وبحسب صاحب كتاب "تاريخ المغتربين العرب في العالم" فإن أن مغتربي اللاذقية هم أكثر الفئات عدداً ضمن السوريين، مع لفت الانتباه أن المقصود باللاذقية هنا هو بعض أهل محافظة طرطوس كونها كانت تتبع لمحافظة اللاذقية سنة اعداد الكتاب المذكور، ومعروف أن أبناء محافظة اللاذقية (الحالية) نادراً ما هاجروا إلى أمريكا الجنوبية كما كانت الحال مع علويي طرطوس (غني عن البيان أن المكونين اللذين هاجر أبناءه من طرطوس – وريف مصياف- الى الامريكيتين منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى ثمانينات القرن الماضي، هما المكونان العلوي والمسيحي فقط).
من الشخصيات التي يطيب لي التحدث عنها وعن هجرتها الى الارجنتين هي الجد "محمد علي" الذي يعتبر من الجيل العلوي الأول الذي وطأت أقدامه أرض الارجنتين، وكان ذلك قبل سفر برلك (الحرب العالمية الأولى) بقليل، ونحن في غنى عن ذكر الأسباب التي دفعته وعشرات آلاف الشباب غيره كي يهجر أهله وقريته الوادعة "دير ماما" في ريف مصياف قاصداً تلك البلاد النائية التي وجد فيها قساوة أخرى لكنها كانت دون ريب أقل من قساوة وطنه الذي هجره مرغماً.. عمل الجد "محمد علي" في بداية حياته في الأرجنتين مزارعاً أجيراً في حقول الذرة لدى رب عمل إيطالي، ولأنه كان على خلق كبير بما في ذلك الإخلاص في العمل والاستقامة في السلوك وغض البصر عن المحرمات، ستعجب به ابنة الرجل الإيطالي، وسييتزوجان. ورغم أن "محمد علي" كان أُميّاً، لكنه يحفظ من القرآن الكريم غيباً حتى جزء عم، قام بتعليم زوجته اللغة العربية (الساحلية) المحكية، وأنجب هو وزوجته عدداً من الذكور، أذكر منهم أكبرهم (يوسف/أبو جعفر، تولد 1923) وفجر/أبو محسن، واسكندر وعلي/أبو أحمد وغيرهم، وعدة اناث أذكر منهن "مروش". واللافت في الأمر أن الجد "محمد علي" سيصرّ على أن يتعلّم أولاده اللغة العربية قراءة وكتابة وكان له ذلك، إذ سافر بين عامي 1930م و1950م عدد من شيوخ الطائفة العلوية الى البرازيل والأرجنتين، منهم الشيخ كامل يوسف الخطيب والشيخ صالح بدر والشيخ محمود سليمان الخطيب والشيخ كامل صالح معروف وغيرهم، فقاموا بجهود مشكورة، إذ درّسوا كل من يرغب تعليم أولاده اللغة الأم قراءة وكتابة.
ومن محاسن تعلمهم للغة العربية أن وجد بعض الأبناء وظائف لهم في مؤسسات عربية هناك، فمثلاً العم يوسف (أبو جعفر) نجل الجد "محمد علي"، توظّف فترة ليست بالقصيرة في السفارة السورية في بيونس آيرس في الفترة التي كان فيها الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ ملحقاً عسكرياً هناك! وكذلك الأمر مع الأديب الراحل "حسن عمار" نجل الشيخ المغترب "عبد الحميد حسن عمار"، حيث توظّف في احدى السفارات العربية.. الخ.
ولئن صار العم يوسف أحد وجهاء قومه في الأرجنتين عامة وبيونس آيرس خاصة، سيغدو لاحقاً السيد "محسن" ابن شقيقه "فجر" من كبار الناشطين في القضايا العربية والإسلامية في بيونس آيرس، وقد سبق أن شاهدته عام 2002 (عبر أخبار فضائية الجزيرة) يقود مظاهرة في بيونس آيرس تضامناً مع أحداث "جنين" الفلسطينية.
كان من وجهاء العلويين في الأرجنتين في عشرينات القرن الماضي الشيخ كامل غانم سلمان (ابن عم الشيخ صالح العلي) جد الباحثة مريم سلمان صاحبة المعرض التوثيقي سابق الذكر، والشيخ عبد الحميد حسن عمار ولفيف آخر من قرية بيت الشيخ يونس في ريف صافيتا، وسيخلف ذلك الجيل من المهاجرين الآوائل، جيل الأبناء المولولدين هناك، من قبيل العم "يوسف علي (أبو جعفر)" والشيخ "مصطفى" (عاموا، ريف صافيتا) والشيخ "محسن عبد الحميد عمار" (من برمانة المشايخ) والسيد "علي استنبولي" (حصين البحر) و"عبد الحميد حاج معلى" (قرية بيت الحاج معلى) والأستاذ الصحفي "حامد مرهج" (بحنين) مؤسس وصاحب مجلة "الرفيق"، والأديب "يوسف صارمي" (كفر جوايا- ريف الدريكيش) صاحب ومؤسس مجلة "المواهب"، و"تاج الدين يوسف" (بحنين).. الخ، ثم سيحمل راية الحفاظ على العربية من بعدهم الجيل الراهن ممثلاً بالسادة: الدكتور "محمود عباس" (جده هاجر من قرية السموقية) والسيد "حسن ناصر" (جده هاجر من قرية الشيخ سعد، والشيخ "محسن علي"، والمهندس "محمد عباس" والسيد "أحمد أحمد (أبو قنبر)" والده من قرية "ضهر مطر"، وسواهم.
سبق أن هاجر عمي محمد (أبو دانيال) عام 1966م إلى البرازيل ومن ثمّ الارجنتين، واستقر في كلا البلدين أكثر من ثلاثين عاماً، وبسبب تواجد عمي هناك قُدّر لعائلتي ولي رؤية ومعرفة الكثير من الشخصيات التي ذكرتها أعلاه، فمثلاً أذكر أوّل زيارة قام بها العم "يوسف علي" الى سوريا، وكان ذلك صيف 1979م، ومنذ ذلك التاريخ واظب على زيارة الوطن كل عامين ولمدة تتراوح بين الشهر والشهرين، وكانت آخر زيارة له صيف عام 2000 ثم التحق بالرفيق الأعلى عام 2002م، وأذكر أن شقيقه العم "فجر" فاجأنا بزيارة خاطفة ولليلة واحدة، إذ كان عائداً من العمرة في مكة المكرمة عام 1984م، ففي طريق عودته زارنا في القرية وأمضى عندنا ليلة، ثم ذهب صباحاً الى قرية والده (دير ماما) حيث أمضى بضعة أيام.
علاقتي بالسيدين "حسن ناصر" و"محسن علي" تعود الى تسعينات القرن الماضي، وسبق أن التقينا مراراً، وعندما تسمعهما يتحدثان العربية يجتاحك يقين أنهما لم ينسيا أصلهما (وكما ذكرنا هما من مواليد الأرجنتين)..
في الفديو المرفق أدناه، ومدته قرابة الساعتين، سيشاهد المتابع في أول نصف ساعة صلاة عيد الأضحى المبارك (عام 1992) مع خطبة العيد باللغتين العربية والاسبانية، في الجمعية الكائنة في حي العم "أبي جعفر"، ومما يلفت الانتباه هو حضور النساء لصلاة العيد. وفي منتصف الفديو، يرى المتابع صالة الطعام، حيث يجلس الجميع شيوخا رجالا ونساء وشبابا واطفالا لتناول طعام الغداء وتبادل الأحاديث.. اما في الدقيقة 11 بعد الساعة فتبدأ فقرات أغاني عربية بصوت العلويين المولودين في الأرجنتين في طليعتهم العم "فجر" الذي يغني الدلعونا والموليا وأغنية "ع الندا الندا" لصباح.. ومقتطفات من أغاني فريد الأطرش.
ملاحظة: كانت أسماء أبناء المغتربين الأوائل في السجلات الرسمية كلها أسماء اسبانية، إذ كان ممنوعاً تسجيل المواليد باللغة العربية، فمثلاً الاسم الرسمي للعم يوسف هو خوسيه، فيما الاسم الرسمي لمحسن هو غابريل. واسم الأخ حسن ناصر هو خوسيه، وقيل لي أن السلطات الأرجنتينية سمحت لاحقاً للعرب والمنحدرين منهم تسجيل أسماء أولادهم بأسماء العربية.
خلفية عن نسب الجد "محمد علي" وقرابته في سوريا
هاجر جده من قرية "بحنين" في ريف طرطوس إلى قرية "دير ماما" في ريف مصياف، وهم من عائلة "هيفا" التي لم يبق أحد منها في قرية "بحنين، فأبناء عمومتهم نزحوا لقرية مجاورة لـ"بحنين" اسمها "مزرعة الحنفية"، ولا أدري إن كانت عائلة "هيفا" الكائنة في اللاذقية تقربهم.
ورغم زيارة الكثير من أبناء وأحفاد الجد "محمد علي" إلى سوريا، إلّا أنه هو رفض زيارتها لفرط ما عانى فيها منذ ولادته حتى مغادرته لها من شظف عيش ومعاناة مريرة في الحياة، ومع أنه عاش قرابة القرن فإنه مات وهو مايزال يتذكّر قساوة الوطن التي حالت دون أن يفكّر بزيارته، فيما ابنه "علي/أبو أحمد" كان أوّل ما فعله عندما نزل من الطائرة في مطار دمشق الدولي خريف 1985م أن سجد على الأرض مقبّلاً أرض المطار قائلاً: "كم أنا محظوظ بتقبيل أرض آبائي وأجدادي".
تتنسب عوائل "ديب" في بحنين، وعائلة الشيخ "حيدر القدّار" في "ضهر مطر" و"العوينية" و"ريف اللاذقية" والمهجر، وعائلة "هيفا" في "مزرعة الحنفية" (ومن هاجر من عائلة هيفا إلى قرية "دير ماما" وكنيتهم فيها "ريّا" وعائلة الجدّ محمد علي في الأرجنتين)، وعائلة "قاسم" في قرية "عزيت" بريف طرطوس، الى الشيخ "علي الزعموت" المتوفى عام 1699م.
نرفق ملف صور من كتاب "رباعيات المعلى" الصادر عام 1973 في الأرجنتين، ويلاحظ كيف كانت الاهتمامات القومية والوطنية للعلويين في هاتيك البلاد.. بقية الصور أنشرها في التعليقات
ادناه رابط الفديو
https://www.youtube.com/watch?v=KwoieDELMQg 
 
مزيد من الصور في رابط صفحة الفيسبوك أدناه

https://www.facebook.com/obai.hasan.2025/posts/pfbid0K3Y8e8xvmmdYksbYsuZokAbuv9M5A32FAqTHDA2LDP35dJWvs4j3LrWJyHDJ32Yvl

 
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع