كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الطائفة والفكر والرمز لماذا تتحول الهوية الى معركة على المعنى

سيمون خالد علي

التحولات السورية مسار طويل من الصراع على تعريف الجماعة نفسها، من هو السوري، وما الذي يجعل الدولة معبرة عن المجتمع، وما الذي يمنح السلطة شرعية حقيقية تتجاوز الخوف والمصلحة. هذه الاسئلة في قلب كل ما شهدته سوريا من تحولات.
تظهر المشكلة بوضوح عندما ننظر الى طبيعة الدولة الحديثة في المنطقة. فالدولة موجودة بمؤسساتها واجهزتها وخطابها، لكنها في لحظات الازمة تبدو منفصلة عن المجتمع الذي تحكمه. هذا الانفصال يجعل الناس يعودون الى اشكال اخرى من الانتماء بحثا عن الحماية والمعنى، مثل الطائفة والمنطقة والعشيرة، او حتى الرموز الدينية والتاريخية.
الظواهر المختلفة في سوريا لا تفهم على انها قضايا منفصلة. فالحجاب او الشيوعية او استدعاء الفينيقية او العودة الى افكار دينية باطنية، كلها تعبيرات مختلفة عن مشكلة واحدة، ازمة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وغياب معنى جامع يجمع الناس داخل اطار واحد.
عندما تضعف الدولة في انتاج هذا المعنى، يتحول المجال العام الى ساحة مفتوحة للتنافس بين هويات متعددة. عندها، تصبح الرموز وسيلة للدفاع عن الذات، واداة للتعبئة، واحيانا شكل من اشكال الرفض للنظام القائم. و هكذا تتحول الهوية من حالة طبيعية يعيشها الناس، الى معركة مستمرة على المعنى والانتماء.
ولدت الدولة السورية الحديثة عند انهيار واسع للامبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى، هذا الميلاد جاء ضمن منظومة قرارات دولية فرضت من الخارج. فقد جرى تقاسم المشرق العربي وفق مصالح القوى المنتصرة، قبل ان يتشكل اي توافق داخلي حول شكل الدولة او هويتها.
مثلت اتفاقية سايكس بيكو نموذجا واضحا لهذا المنطق، فقد كانت اتفاقا سريا بين بريطانيا وفرنسا و روسيا لتقسيم مناطق واسعة من المشرق الى مناطق نفوذ، اي رسم حدود سياسية مسبقة دون الاخذ بعين الاعتبار البنى الاجتماعية القائمة. وهكذا كانت الحدود نتيجة اطارا مفروضا على المجتمع.
ثم جاء مؤتمر سان ريمو عام 1920 ليمنح هذا التقسيم غطاء قانونيا دوليا، من خلال نظام الانتداب الذي وضع سوريا وغيرها من المناطق تحت اشراف مباشر للقوى المنتصرة. في هذا النظام، كان الاستقلال مرحلة مؤجلة مشروطة بما يسمى الاهلية، اي ان الدولة وجدت كفكرة قبل ان يسمح لها بان تتحقق فعليا كسيادة كاملة.
هذا المنطق ظهر بشكل واضح في سياسات الانتداب الفرنسي داخل سوريا. فقد اعاد الفرنسيون تشكيل المجال السياسي عبر تقسيمات ادارية متعددة، وفصل مناطق ودمج اخرى، مستفيدين من الفوارق الدينية والمناطقية. ك اعادة صياغة للبنية السياسية نفسها، بما يعزز السيطرة ويمنع تشكل مركز وطني قوي.
نشأت الدولة السورية ككيان جاهز شكلا، حدود مرسومة، مؤسسات قائمة، وسلطة مركزية، لكن دون ان يقابل ذلك مجتمع سياسي موحد او عقد اجتماعي واضح. هكذا تتشكل البذرة الاساسية للازمة اللاحقة: دولة سبقت المجتمع، واطار سياسي فرض قبل ان ينضج اتفاق وطني حوله.
لذلك كان الصراع في سوريا لاحقا على معنى الدولة نفسها، من يمثلها، ومن ينتمي اليها، وكيف توزع الموارد داخلها. فقد وجد الفاعلون الاجتماعيون انفسهم داخل دولة موجودة مسبقا، لكنهم لم يتفقوا بعد على تعريفها، فصاروا يتصارعون داخلها لاعادة تشكيلها وفق تصوراتهم المختلفة.
دراسات الدولة الحديثة تبرز بشكل واضح ان وجود مؤسسات رسمية غير كافي لقيام دولة مستقرة، فجوهر الدولة الحقيقي يكمن في قدرتها على تنظيم حياة الناس اليومية ضمن قواعد واضحة ومقبولة. عندما تنجح الدولة في ذلك، تصبح المرجع الاساسي للسلوك والتنظيم. اما عندما تفشل، تظهر قوى اخرى تنافسها في فرض القواعد، مثل الطائفة والعشيرة والشبكات المحلية.
في الحالة السورية، واجهت مشاريع بناء الدولة بعد الاستقلال مجتمعا متنوعا ومجزأ. كان هناك تفاوت واضح بين المدينة والريف، واختلافات طبقية، وتعدد ديني ومناطقي، بالاضافة الى ارث الانتداب الذي عمق بعض هذه الانقسامات. هذا الواقع جعل مهمة بناء دولة موحدة تحديا عميقا يتعلق بكيفية جمع هذه التكوينات المختلفة ضمن اطار واحد.
وقد اشار عدد من الباحثين الى ان هذا التشظي الاجتماعي ترافق مع دور متصاعد للمؤسسة العسكرية في السياسة، ما جعل الدولة تميل الى الاعتماد على القوة اكثر من اعتمادها على التوافق. و عليه، بقيت عرضة للاهتزاز مع كل ازمة سياسية او عسكرية.
تظهر هذه الهشاشة بوضوح في سلسلة الانقلابات التي شهدتها سوريا بعد الاستقلال. فبدلا من استقرار النظام السياسي، دخلت البلاد في مرحلة من التغيرات السريعة في السلطة، اصبحت الانقلابات جزءا متكررا من الحياة السياسية. هذا التكرار كان دليلا على غياب قواعد مستقرة تنظم انتقال السلطة، وعلى ضعف المؤسسات امام مراكز القوى المختلفة.
هذه الحالة عززتها صدمة حرب 1948، التي كشفت حدود الدولة وقدرتها، وادت الى تراجع الثقة في النظام السياسي القائم. فظهرت الانقلابات كاستجابة اولية لهذه الازمة، لكنها في الوقت نفسه عمقت المشكلة بدل حلها، لأنها عززت منطق القوة على حساب بناء مؤسسات مستقرة.
الفجوة بين الدولة والمجتمع تعني وجود نوع خاص منها، دولة قادرة على فرض العقاب والسيطرة في بعض المجالات، لكنها اقل قدرة على بناء ثقة طويلة الامد او انتاج شرعية مقبولة. ليصبح الاستقرار قائما على توازن هش بين الخوف والمصالح.
وهذا يفسر لماذا يبدو الاستقرار في سوريا غالبا مشروطا ومؤقتا، مرتبطا بقدرة السلطة على الضبط اكثر من ارتباطه بقبول المجتمع لها. ففي غياب شرعية راسخة، تبقى الدولة في حالة شد دائم مع المجتمع، وتبقى الهوية نفسها موضوعا مفتوحا للصراع والتفاوض.
الدولة التي نشأت بترتيبات خارجية تطرح سؤالا دائما حول من يمثل من، فالمجتمع نفسه لا يقدم اجابة واحدة واضحة. فالهوية في سوريا هي تاريخ متعدد تتداخل في حياة الفرد، انتماء ديني او مذهبي، ارتباط بمنطقة او مدينة، موقع طبقي، لغة، وذاكرة عائلية واجتماعية. هذه العناصر تتعايش احيانا وتتعارض احيانا اخرى.
فهم الهوية المركبة ضروريا لفهم ما يجري. فالمشكلة صراع حول اي هذه الانتماءات يجب ان يكون في المقدمة، وايها يتحول الى معنى عام يشترك فيه الجميع. بمعنى اخر، الصراع على ترتيب واولويات الهوية داخل المجال العام.
فكرة ان الانسان يمكن ان يحمل اكثر من هوية في الوقت نفسه تكتسب اهمية كبيرة. فالفرد قد يكون في آن واحد منتميا لدينه، ولمدينته، ولمهنته، ولطبقة اجتماعية معينة، دون ان يرى في ذلك تناقضا. المشكلة تبدأ عندما يتم اختزال هذا التنوع الى هوية واحدة، ويجري التعامل معها على انها التعريف الوحيد للفرد.
بدلا من اعتبار الطائفة او الايديولوجيا او حتى الانتماء التاريخي كحقائق نهائية، يمكن فهمها كخيارات او كمسارات يلجأ اليها الناس بحسب الظروف. عندما تكون الدولة قادرة على توفير الامن والعدالة والفرص، تتراجع هذه الانتماءات الضيقة امام شعور اوسع بالانتماء العام. اما عندما تضعف الثقة بالدولة، فان هذه الهويات تعود لتصبح ملاذا يوفر الحماية والمعنى.
بهذا المعنى، تكون الهوية نتيجة لوضع سياسي واجتماعي معين.
فهي تتقدم او تتراجع بحسب قدرة الدولة على اقناع الناس بجدواها، وبحسب قدرتها على ان تكون اطارا عادلا يجمعهم. وعندما تفشل في ذلك، تتحول الهوية من حالة طبيعية متعددة الى ساحة تنافس، و احيانا الى خط مواجهة.
حين يضعف معنى الدولة كاطار يمثل المصلحة العامة، يملأ الفراغ شبكات اخرى اكثر قربا من الناس، الطائفة، والمنطقة، والعشيرة. التي تتحول في لحظات الضعف الى ادوات فعلية للتنظيم والحماية وتوزيع الموارد، اي الى بدائل عملية عن الدولة في وظائفها اليومية.
اشار عدد من الباحثين الى ان “الولاءات الطائفية والاقليمية والعشائرية لعبت دورا في الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا”، كشبكات حية تتجدد وتعيد انتاج نفسها داخل الواقع الحديث. هذه الولاءات تصبح قنوات للتوظيف، ووسائل للحماية، واطرا للثقة في بيئة يغيب فيها الاطار العام الجامع.
المفارقة ان المشاريع الحديثة التي رفعت شعارات الوحدة الوطنية وتجاوز الانقسامات اندمجت مع البنى بدل الغاءها. فبدلا من ان تحل الدولة الحديثة محل الولاءات التقليدية، دخلت معها في علاقة تداخل معقدة. قد يظهر الحزب السياسي بمظهر وطني شامل، لكنه في الداخل يعتمد على توازنات مناطقية او طائفية غير معلنة. وقد تتحول المؤسسات الرسمية نفسها الى ساحات يعاد فيها توزيع النفوذ وفق هذه الانتماءات.
هذا التداخل يخلق مفارقة عميقة في بنية السلطة. فمن جهة، تحتاج الدولة الى القوة للحد من تأثير هذه الولاءات وضبطها. لكنها من جهة اخرى، تضطر للاعتماد عليها للحفاظ على تماسكها واستمرارها. وهكذا تدخل في حلقة مفرغة، تحاول تقليص دور الطائفة والعشيرة، لكنها في الوقت نفسه تعيد انتاجها داخل بنيتها الخاصة.
في هذا الوضع، تصبح الطائفة بديلا جزئيا عن الدولة في فترات الضعف. فهي توفر خدمات غير رسمية، وتؤمن شبكات تضامن، وتمنح شعورا بالانتماء والاستقرار. وعندما تتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، يرتفع الاعتماد على هذه الهويات القريبة، كالضمان الاكثر واقعية في نظر الناس.
وقد ظهرت هذه الديناميات بوضوح في مراحل الازمة، فعادت الروابط المحلية والعشائرية والطائفية الى الواجهة بقوة، كآلية تنظيم وبقاء. وهذا يكشف ان هذه البنى بقيت كامنة داخل المجتمع، قابلة للتفعيل كلما ضعفت الدولة او انسحبت من دورها.
تشكل الحالة العلوية نموذجا مكثفا لفهم كيف يمكن لجماعة محلية مهمشة تاريخيا ان تتحول الى فاعل مركزي داخل الدولة، عندما تتقاطع ثلاثة عناصر حاسمة: السرية كاستراتيجية بقاء، والمؤسسة العسكرية كقناة حراك اجتماعي، والدولة الحديثة كمنتج للشرعية والرموز.
على المستوى الديني والاجتماعي، لعبت السرية او ما يعرف بالتقية دورا اساسيا في حماية الجماعة عبر التاريخ. هذه الممارسة كانت ضرورة اجتماعية فرضتها ظروف التمييز والاقصاء. فقد كانت وسيلة لاخفاء الهوية او تخفيفها لتجنب الاضطهاد، وفي الوقت نفسه اسلوبا لحفظ المعرفة الدينية داخل دائرة ضيقة، لا تكشف التعاليم الا لمن يعتبرون مؤهلين لفهمها. كتنظيم داخلي للمعرفة والانتماء.
اما على مستوى العقيدة، فتشير دراسات متعددة الى ان البنية الدينية العلوية نتاج تداخل تاريخي لعناصر متنوعة. وقد وصفت في احدى الدراسات بانها
“The Nusayri-‘Alawī faith is a clear example of a syncretistic religion… including pagan… Persian, Christian, Gnostic, and Muslim… elements”
اي ان العقيدة العلوية تمثل مثالا واضحا على دين تركيبي يجمع عناصر وثنية ومحلية، وفارسية، ومسيحية، وغنوصية، واسلامية. هذا التداخل يعبر عن تاريخ طويل من التفاعل الثقافي والديني، فتصبح الهوية الدينية نفسها نتاج تراكم طبقات مختلفة من المعاني.
التحول الحاسم في موقع الجماعة جاء من تغير بنية الدولة الحديثة نفسها، وبخاصة من خلال المؤسسة العسكرية. ففي فترة الانتداب، عملت فرنسا على انشاء تشكيلات عسكرية محلية تعتمد على تجنيد مجموعات مختلفة من السكان، بما في ذلك الاقليات، الامر الذي فتح امام هذه الفئات فرصا لم تكن متاحة لها سابقا داخل بنية السلطة.
وقد ساهم هذا النمط من التجنيد في خلق مسار جديد للحراك الاجتماعي. فبالنسبة لكثير من ابناء المناطق الريفية والاقليات، شكل الجيش فرصة للصعود خارج القيود التقليدية. ومع تكرار الانقلابات وتحول الجيش الى فاعل سياسي رئيسي، اصبحت المؤسسة العسكرية الطريق الاهم للوصول الى مراكز القرار.
الفجوة بين الدولة والمجتمع تنتج دولة تميل الى طلب الطاعة اكثر من بناء الاقتناع، فانها في الوقت نفسه تنتج سياسة مشبعة بالرموز، شعارات، احتفالات، صور، وخطاب رسمي يسعى الى احتكار تعريف الوطنية. لتبرز فكرة اساسية في تحليل طبيعة الامتثال السياسي، يشار الى ان “غياب الاقتناع الداخلي يصبح مقبولا ما دام الالتزام يظهر علنا”، اي ان المطلوب اظهار الولاء في المجال العام و ليس الايمان. و هكذا تتحول السياسة الى اداء، ويغدو الرمز شرطا للقبول الاجتماعي.
الحجاب كرمز يتجاوز كونه مسألة دينية فردية، ليصبح جزءا من صراع اوسع على تعريف المجال العام. فعندما تتدخل الدولة في تنظيم المظاهر الدينية، كما في قرارات منع بعض اشكال اللباس في المؤسسات العامة، يتحول السؤال الى من يملك حق تحديد هذا المجال؟ الدولة بمعاييرها ام المجتمع بقيمه. في المقابل، قد يتحول التمسك بالحجاب الى رد اجتماعي يعبر عن رفض ضمني، او محاولة لحماية هوية يشعر اصحابها انها مهددة، فيصبح الرمز لغة صامتة للاحتجاج او اعلان انتماء جماعي.
والشيوعية، رغم اختلافها الجذري عن الرموز الدينية، يمكن قراءتها داخل الازمة نفسها. فهي تقدم وعدا بهوية جامعة تتجاوز الطائفة عبر مفهوم الطبقة والمصلحة العامة، لكنها تعمل داخل مجتمع حيث الثقة تقوم على شبكات الحماية والانتماء. لذلك وجدت الايديولوجيا نفسها مضطرة للتكيف مع الواقع الاجتماعي بدل ان تعيد تشكيله بالكامل، ما جعلها في كثير من الاحيان تتداخل مع البنى التقليدية التي كانت تسعى نظريا لتجاوزها.
اما الفينيقية، فهي مثال واضح على عودة الماضي البعيد كبديل عن حاضر مأزوم. فعندما يصبح تعريف الهوية الوطنية محل نزاع، يلجأ بعض الفاعلين الى استدعاء اصول تاريخية قديمة، في محاولة لبناء سردية جديدة تمنح شعورا بالاستمرارية والمعنى. هذا الاستدعاء يتعلق بوظيفة رمزية، خلق هوية بديلة تتجاوز الصراعات الراهنة، وتعيد تعريف الذات خارج الانقسامات السياسية والدينية المعاصرة.
وفي مستوى اخر، تمثل الغنوصية شكلا مختلفا من هذا البحث عن المعنى. فهي تقدم تصورا يقوم على المعرفة الباطنية والتمييز بين من يملك هذه المعرفة ومن لا يملكها. وقد اشير في بعض الدراسات الى ان المعتقدات المرتبطة بهذا النمط كانت توصف بانها “عقيدة سرية محفوظة بعناية”، اي ان السرية وسيلة اجتماعية لحماية الجماعة وحدودها. ليتحول المعنى الى ملكية خاصة، ويصبح الانتماء مرتبطا بالمعرفة بقدر ما هو مرتبط بالهوية.
و هكذا يمكن جمع الحجاب والشيوعية والفينيقية والغنوصية ضمن تفسير واحد. فهي استجابات مختلفة لازمة واحدة، غياب معنى جامع تقنع به الدولة مجتمعها. عندما تفشل الدولة في انتاج هذا المعنى، تتكاثر البدائل، وتتحول الرموز والايديولوجيات الى ادوات لملء الفراغ، سواء عبر الدين او السياسة او التاريخ او المعرفة الباطنية.
كما ان علاقة العلويين بالمذهب الجعفري من اكثر القضايا تعقيدا، لانها تكشف بوضوح الفجوة بين البنية العقدية التاريخية للجماعة وبين موقعها السياسي الحديث. فالدراسات الاكاديمية تشير الى ان العلويين كانوا اقرب الى تيار مستقل ضمن الطيف الشيعي الواسع. وقد وصفهم يارون فريدمان ضمن “continuum of heterodox Shi’i sects”، اي ضمن طيف من الفرق الشيعية غير الارثوذكسية، مع تاكيده في الوقت نفسه على وجود “marked difference between their doctrine and the rest”، اي اختلاف واضح بين عقيدتهم وبقية المذاهب الشيعية المعروفة.
هذا الاختلاف بنيوي و عميق. فالعقيدة العلوية تقوم على تأويلات باطنية وغنوصية، وتشير الدراسات الى انها تتضمن عناصر متعددة “ancient Iranian, Christian, Gnostic, and Muslim constituents”، اي مكونات ايرانية قديمة ومسيحية وغنوصية واسلامية، ما يجعلها بنية دينية تركيبية تختلف جذريا عن المذهب الجعفري القائم على اصول فقهية ونصوص واضحة. ولهذا بقيت العلاقة التاريخية بين العلويين والتشيع الاثني عشري علاقة توتر، ولم يحدث اندماج فعلي بين الطرفين عبر القرون.
لكن التحول بدأ في القرن العشرين، وبشكل اكثر وضوحا في منتصفه، ثم تكرس في السبعينيات، عندما برزت الحاجة الى اعادة تعريف موقع العلويين داخل الدولة والمحيط الاسلامي. فقد جاء اعتراف بعض المرجعيات الشيعية، وعلى رأسها مواقف صدرت في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، لتصنيف العلويين ضمن الاطار الجعفري. ويمكن اعتبار هذه المرحلة، خاصة في عهد حافظ الاسد، لحظة مفصلية في تبني هذا الانتماء بشكل علني.
غير ان هذا التبني كان في جوهره استجابة سياسية لضرورات المرحلة. فقد احتاجت الجماعة، مع صعودها داخل الدولة، الى شرعية دينية في فضاء اسلامي واسع ما زال ينظر اليها تاريخيا كجماعة هامشية او مختلفة. و هكذا شكل الانتماء الى المذهب الجعفري اداة فعالة لاعادة التموضع، وتخفيف التوتر مع بقية المكونات الاسلامية، وخصوصا في بيئة اقليمية يتزايد فيه وزن الهويات المذهبية.
الجعفرية كانت اداة سياسية لاعادة تعريف الذات داخل نظام شرعيات جديد. فهي قدمت اطارا يمكن من خلاله ادماج العلويين ضمن التصنيف الشيعي العام، دون ان يعني ذلك بالضرورة تطابقا فعليا في البنية العقدية.
ورغم هذا التبني، بقيت المسافة قائمة بين العقيدة العلوية والمذهب الجعفري. فالدراسات الحديثة ما زالت تشير الى ان هوية العلويين تمثل “problem of their identity between Sunna and Shi’i”، اي انها تقع في موقع وسيط وغير مستقر بين التصنيفات التقليدية. التحول كان سياسيا في جوهره، بينما ظلت البنية الدينية العميقة محافظة على خصوصيتها.
كلما تعزز الانتماء الجعفري على المستوى السياسي، بقيت الخصوصية العقدية حاضرة على المستوى الداخلي. وهذا ما يجعل العلاقة بين العلويين والمذهب الجعفري عملية اعادة تموضع سياسية لانتقال الجماعة من الهامش الى مركز الدولة، ومحاولتها بناء شرعية تتناسب مع هذا الموقع الجديد، دون ان تلغي تاريخها العقدي الخاص.
.
يمكن تلخيص المسار السوري بانه تاريخ طويل من ازمة هوية تتجدد باستمرار. فقد نشأت الدولة ضمن ترتيبات خارجية جعلت السيادة مؤجلة ومشروطة، ثم وجدت نفسها امام مجتمع متعدد الانتماءات والبنى، دون ان يسبق ذلك تشكل عقد اجتماعي جامع. هذا التداخل بين دولة سبقت المجتمع ومجتمع لم يتوحد سياسيا، انتج فجوة بنيوية ظهرت في شرعية هشة وانقطاعات سياسية متكررة.
داخل هذه الفجوة، تحولت الطائفة او المنطقة او العشيرة الى ادوات فعل سياسي. تدخلت في توزيع النفوذ، وفي بناء شبكات الثقة، وفي تنظيم الحياة اليومية، واستمرت حتى داخل الايديولوجيات الحديثة التي يفترض انها جاءت لتجاوزها. والسبب في ذلك مزدوج، الدولة نفسها تحتاج احيانا الى هذه الشبكات لضبط المجتمع، بينما يلجأ اليها المجتمع عندما لا يثق بالدولة او لا يشعر انها تمثله.
اما على المستوى الرمزي، فقد تحولت السياسة الى مجال للاداء العلني، يجب اظهار الالتزام في الفضاء العام. لتصبح الرموز الدينية والتاريخية والايديولوجية لغات متنافسة لتعريف المجال العام، من الحجاب الذي يعبر عن حماية اخلاقية او احتجاج صامت، الى الشيوعية التي تعد بهوية جامعة، الى الفينيقية التي تستدعي ماضيا بديلا، الى الغنوصية التي تعيد تعريف المعنى عبر السر والمعرفة الباطنية.
المشكلة في ان هذا التناقض يكشف طبيعة الصراع الحقيقي، على حق انتاج المعنى نفسه. من يحدد من نحن، ومن يملك تعريف الهوية العامة، وما الذي يجب ان يظهر في العلن كي نعد جزءا من الجماعة السياسية، وما الذي يبقى في الداخل كسر او كرمز او كمساحة مقاومة.
يجب فهم التحولات السورية على انها صراع مستمر على تعريف الجماعة داخل دولة لم تستقر تاريخيا على معنى واحد لنفسها. صراع حول المعنى الذي يمنح هذه السلطة شرعيتها، ويحدد حدود الانتماء داخلها.
-------------------------------------------------------------------
Fromkin, David — A Peace to End All Peace
Hourani, Albert — A History of the Arab Peoples
Van Dam, Nikolaos — The Struggle for Power in Syria
Wedeen, Lisa — Ambiguities of Domination
Kerr, Michael & Larkin, Craig (eds.) — The Alawis of Syria
Friedman, Yaron — The Nuṣayrī-‘Alawī Religion
Batatu, Hanna — Peasants of Syria؛ The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq
Halawi, Majed — A Lebanon Defied
Dussaud, René — Les Nusayris
Friedman, Yaron — دراسات ومراجعات متعددة حول النصيرية
Türk, Hüseyin — Historical Roots and Progress of Nusayriye
The Nusayris / The Nuṣayrī-‘Alawīs
Alevis and Alawites: A Comparative Study
Van Dam, Nikolaos — The Struggle for Power in Syria
Wedeen, Lisa — Ambiguities of Domination
Study of the Document of Alawite Initiative
Review of Yaron Friedman – The Nuṣayrī-‘Alawīs
Iskenderoğlu – Review on Friedman
وثيقة مبادرة الهوية العلوية (2016)
مركز جسور للدراسات
Joshua Landis — دراسات حول Syrianism
Brill Encyclopedia
------------------------------------------------
الصورة من مجلة العربي عام 1969 بين البحر والنفط والانسان تقرير مصور نشرته مجلة العربي الكويتية في عددها رقم 130 (سبتمبر ايلول 1969) تحت عنوان طرطوس اكبر نافذة للشام على ساحل البحر المتوسط وعندها تنتهي انابيب البترول السوري. 
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع