كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من كسروان إلى جبلة حكاية الحب والحرب في زمن الحملات المملوكية

سيمون خالد علي

 
تنويه: تدور أحداث القصة في بلاد الشام بين أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجري (1292–1318م)، في زمن الحملات المملوكية على الجبال. تبدأ الحكاية في جبال كسروان، حيث يعيش الفلاح خضر والفتاة مريم حياة جبلية بسيطة تقوم على الكروم وأشجار التوت وتربية دود القز، بعيدا عن صخب المدن والسياسة.
لكن هدوء الجبل يبدأ بالانكسار عندما تصل أخبار الحملات المملوكية إلى المنطقة. ومع تصاعد التوتر بين الدولة وسكان الجبال، تتحول الشائعات والاتهامات إلى قرارات عسكرية. وبعد سنوات قليلة، تنفجر المأساة الكبرى مع حملة آقوش الأفرم سنة 1305م، حيث تُحرق القرى وتُقطع الأشجار ويُقتل كثير من السكان. يضطر خضر ومريم، مثل كثير من أهل كسروان، إلى الهرب شمالا نحو جبال الساحل قرب جبلة، حيث يحاولان بناء حياة جديدة.
في الجبل الجديد يولد ابنهما حسن، وتبدأ الأسرة حياة أخرى قائمة على الزراعة وتربية دود القز. لكن الهدوء لا يدوم طويلا؛ فالحملات العسكرية تصل مرة أخرى إلى تلك الجبال، وتتعرض القرية للحريق، ويُؤسر كثير من أهلها. يُساق الأسرى إلى المدن ويباع بعضهم في الأسواق، وهناك يُفصل حسن عن أمه في واحدة من أكثر لحظات القصة قسوة.
تمر السنوات ويكبر حسن في دمشق بعيدا عن الجبال التي ولد فيها، بينما تستمر الاضطرابات في جبال الساحل، ومنها تمرد جبلة سنة 1318م. ومع مرور الزمن يدرك حسن أن ما حدث لعائلته لم يكن مأساة فردية، بل جزءا من تاريخ طويل من الصراع بين الدولة والجبال.
وتنتهي القصة بفكرة رمزية عن الذاكرة الجبلية؛ فحتى بعد أن تهدأ الحروب وتختفي أسماء القادة من سجلات المدن، تبقى الحكايات حية في ذاكرة القرى، تروي للأجيال كيف احترقت البيوت، وكيف هاجر الناس، وكيف ظل الجبل شاهدا على تاريخ لا يُنسى.
*****
في أواخر القرن السابع الهجري كانت جبال كسروان تعيش حياة تشبه إيقاع المطر.
 
القرى الصغيرة المعلقة على السفوح كانت تستيقظ مع ضوء الفجر، وتنام حين تختفي آخر بقعة نور خلف القمم.
كان الناس يقيسون الزمن بأشياء بسيطة:
بنضج العنب على الفكاكي الحجرية،
وبأوراق التوت التي تأكلها ديدان القز في الربيع،
بالجمعة الحريرية والشهر الحريري حين تمتلئ البيوت بصوت الدود وهو يلتهم أوراق التوت،
وبـ الرطل الحريري الذي يوزن به تعب النساء في موسم الشرانق.
بعيدا في السهول كانت المدن تضج بالجنود والرسل والأخبار القادمة من البحر.
كان الناس يقولون إن الفرنج خرجوا أخيرا من عكا، وإن السلطان صار سيد البلاد كلها.
لكن هذه الأخبار كانت تصل إلى الجبل مثل صدى بعيد.
فأهل القرى كانوا يعرفون شيئا واحدا فقط
أن الجبل يحمي من يعرف طرقه.
في قرية من تلك القرى عاش خضر.
كان فلاحا بسيطا، يعرف الأرض أكثر مما يعرف حبائل المدن.
يحفظ طريق الكرم كما يحفظ وجه أمه،
ويعرف متى تقسو التربة ومتى تلين بعد المطر.
وفي القرية نفسها كانت تعيش مريم.
كانت ابنة بيت اشتهر بين الناس بتربية دود القز.
كانت أصابعها الصغيرة تعرف كيف تغزل خيوط الحرير من الشرانق دون أن تقطعها،
وكانت النسوة يقلن إن يدها ناعمة مثل خيط الحرير نفسه.
لم يكن في حياة الاثنين ما يدل على أن التاريخ يقترب من قريتهما.
لكن التاريخ، حين يقرر أن يمر في مكان ما…
لا يستئذن أهل القرى الصغيرة.
في تلك السنة بدأ الرعاة القادمون من أطراف الجبل يحملون أخبارا غريبة.
قال أحدهم إن جنودا شوهدوا في السهول.
وقال آخر إن فرسانا مروا قرب الطريق المؤدي إلى الساحل.
وقال شيخ عجوز في مجلس المساء:
— حين تهدأ الحروب في المدن… تتذكر الجيوش الجبال.
لم يفهم الناس كلامه تماما، لكنهم بدأوا ينظرون إلى الطرق أكثر مما ينظرون إلى الكروم.
كان خضر يقف قرب الكرم صباحا عندما رأى مريم تمر مع نساء القرية في طريقهن إلى النبع.
توقف لحظة.
كأنه أراد أن يقول شيئا،
لكنه اكتفى بابتسامة صغيرة.
ابتسمت مريم بدورها، ومضت مع النساء نحو الماء.
لم يكن يعرف أن تلك الابتسامة العابرة
ستصبح بعد سنوات الشيء الوحيد الذي يربطه بآخر أيام الطمأنينة.
ففي الجبال،
حين تبدأ الخيول بالصعود من السهل…
يعرف الناس أن زمنا جديدا قد بدأ.
1292م — انكسار الطمأنينة الأول
كان الجبل يبدو هادئا لمن ينظر إليه من بعيد.
الكروم تمتد فوق المدرجات الحجرية،
والماعز تتحرك ببطء بين الصخور،
وصوت ديدان القز يملأ البيوت في الربيع.
لكن الهدوء في الجبال يشبه الماء الساكن في بركة عميقة؛
لا أحد يعرف ما يتحرك في القاع.
اجتمع رجال القرية قرب الزيارة.
كانوا يتحدثون بصوت منخفض، كأن الجبل نفسه قد يسمعهم.
قال أحدهم إن فرسانا شوهدوا في الطريق القادم من دمشق.
وقال آخر إن أميرا اسمه بيدرا يقود جيشا نحو الجبال.
لم يفهم خضر كثيرا من حديث الرجال.
كل ما لاحظه هو الترقب و الحذر في وجوه الرجال.
في تلك الأمسية كانت مريم تساعد أمها في جمع أوراق التوت لدود القز.
اقترب خضر من البيت كأنه جاء يسأل عن شيء عادي.
قال بصوت متردد:
— هل سمعتم أخبار الجيش؟
رفعت مريم رأسها.
كان في عينيها قلق لم يكن مألوفا في القرية.
قالت بهدوء:
— يقولون إنهم سيأتون إلى الجبل.
صمت خضر لحظة.
كان ينظر إلى المدرجات الحجرية التي بناها أبوه،
وإلى الكروم التي بدأت تعطي ثمارها.
ثم قال:
— الجبال لا تطمئن إلى الجيوش.
لكن الجيوش كانت قد بدأت بالفعل بالصعود.
في الأيام التالية صار الناس يسمعون أخبار الاشتباكات في الممرات الضيقة.
قيل ان الفرسان يتعبون حين تضيق الطريق،
وإن الصخور تعرف أصحابها أكثر مما تعرف الغرباء.
ظهر مقاتلو الجبل فجأة بين الأشجار،
ثم اختفوا كما يظهر الصقر ويغيب في الضباب.
مرت أيام ثقيلة.
ثم جاء الخبر الذي انتظره الجميع.
الجيش عاد إلى دمشق.
لم يعرف أحد في القرية كيف انتهت الحملة،
ولا لماذا عاد الأمير أدراجه.
كل ما عرفوه أن الخيول نزلت من الجبل…
وأن الطريق أصبح خاليا مرة أخرى.
في تلك الليلة أشعل الناس النار أمام بيوتهم.
تحدثوا عن النصر، وضحكوا بصوت عال،
وكأن الخطر صار ذكرى بعيدة.
جلس خضر قرب الزيارة مع الرجال.
كان الجميع يتحدث بثقة.
لكن الشيخ العجوز الذي يعيش في طرف القرية قال جملة قصيرة:
— الجيوش التي تُهزم… تعود.
سكت الرجال قليلا.
وفي تلك اللحظة مرت مريم على طريق النبع تحمل جرة الماء.
نظر خضر إليها،
وشعر أن الجبل كله عاد هادئا كما كان.
لم يكن يعرف أن الطمأنينة التي عادت في تلك الليلة…
لم تكن سوى استراحة قصيرة قبل عاصفة أكبر.
. 1299م — وادي الخزندار وتهمة الخيانة
مرت سبع سنوات بعد حملة بيدرا، وعاد الجبل إلى عادته القديمة.
كبرت الكروم فوق المدرجات،
وامتلأت فكاكي الجبل بالحجارة التي يعيد الفلاحون ترتيبها بعد كل شتاء.
صار الناس يتحدثون عن الحملة الأولى كما يتحدثون عن عاصفة بعيدة مرت ثم اختفت.
في تلك السنوات تزوج خضر من مريم.
لم يكن زفافا كبيرا كما يحدث في المدن.
اجتمع أهل القرية في الساحة الصغيرة، وأشعل الرجال النار، وغنت النساء أغاني قديمة عن الينابيع والجبال.
ضحك أحد الشيوخ وقال وهو يرفع صوته:
— الجبل يزوج أبناءه بسرعة… لأنه لا يعرف متى يأتي الغريب.
هذه الكلمات بقيت في ذهن خضر.
بعد أشهر قليلة من ذلك الزفاف بدأت أخبار غريبة تصل من الطرق البعيدة.
قال أحد التجار إن معركة كبيرة وقعت قرب حمص.
وقال آخر إن جيوش السلطان اصطدمت بجيوش المغول.
وقال رجل جاء من دمشق إن الجنود كانوا يهربون في الطرقات.
لم يكن أحد في القرية يعرف الحقيقة كاملة.
لكن الأخبار كانت تكبر كلما ابتعدت عن مكانها.
قال بعض المسافرين إن المغول دخلوا دمشق.
وقال آخرون إن الجنود المكسورين مروا في طرق الجبال.
وبعد أسابيع قليلة ظهرت حكاية جديدة.
قالوا إن بعض رجال الجبل هاجموا الجنود المنهزمين وأخذوا خيولهم وسلاحهم.
وقال آخرون إن أسرى بيعوا في البحر.
لم يعرف أهل كسروان من أين جاءت تلك الحكايات.
لكن الحكايات، حين تصل إلى المدن، تتحول أحيانا إلى أحكام.
صار اسم الجبل يتردد في الطرقات.
وصار الناس يقولون إن الجبل خان.
أما في القرية فلم يكن أحد يفهم كيف تتحول الشائعة إلى ذنب.
جلس خضر مع مريم قرب البيت الذي بنياه حديثا.
كان البيت صغيرا مثل بيوت الجبل كلها:
جدران من حجارة غير مصقولة،
وطين يشد بينها،
وسقف ترابي ثقيل يستند إلى جذوع سنديان وزيتون.
لم يكن البيت مقسما إلى غرف كثيرة.
كان فضاء واحدا يجتمع فيه كل شيء:
الناس، والماعز، والموقد، وأكياس الحبوب.
في طرف البيت معالف حجرية للماشية،
تفصلها حافة طينية منخفضة عن المكان الذي تنام فيه العائلة.
أما الموقد الصغير فكان قلب البيت،
ينشر دفئه في برد الجبل الطويل.
كان الليل هادئا، والريح تمر بين أشجار التوت القريبة من الباب.
تلك الأشجار التي زرعها خضر مع رجال القرية، لأن التوت في الجبل يعني الحياة.
أوراقه لدود القز،
وظله في الصيف،
وخشبه للموقد.
جلس خضر ينظر إلى السقف الترابي الذي يجفف الناس فوقه القمح والتين في الصيف.
قال بهدوء:
هذا البيت لا يشبه بيوت كسروان… لكنه يشبه الجبل.
ابتسمت مريم وهي تسمع حركة الدواب خلف الحاجز الطيني وتشعر بحرارة أجسادها تتسلل إلى الغرفة في الليل البارد.
كان البيت بسيطا، لكنه بدا لهما كأنه يولد من الأرض نفسها ويعود إليها.
بعد لحظة صمت قالت مريم وهي تنظر إلى النار الصغيرة:
— هل صحيح أن الجبل هاجم الجنود؟
فكر خضر قليلا قبل أن يجيب.
قال بصوت هادئ:
— في الحروب… الناس تفعل أشياء كثيرة.
الجوع يفعل أشياء كثيرة أيضا.
ثم نظر نحو الجبل المظلم خلف الباب وأضاف:
— لكن الدولة لا تسأل لماذا.
لم يكن يعرف أن تلك التهمة التي بدأت ككلام في الطرقات…
ستتحول بعد وقت قصير إلى حكم بالدم على الجبل كله.
. 1300م — حين تتحول الكلمات إلى طريق للحرب
في العام التالي بدأت الأخبار تصل إلى الجبل من مكان أبعد من الطرق المعتادة.
لم تعد تأتي فقط مع الرعاة أو التجار،
بل مع رجال قادمين من المدن يحملون كلاما أثقل من الأخبار.
قال أحدهم إن العلماء في دمشق يتحدثون كثيرا عن الجبال.
وقال آخر إن اسم كسروان صار يتردد في المجالس الكبيرة.
لم يفهم أهل القرى ما الذي يقال بالضبط.
لكنهم فهموا شيئا واحدا:
أن الكلام صار مختلفا.
كان الحديث يدور عن الطرق والضرائب.
أما الآن فصار الناس يقولون إن المشكلة في الدين.
بعيدا في دمشق كان العلماء يكتبون رسائل إلى السلطان وقادة الجيش.
وكان بعضهم يقول إن الجبال لا تهدأ إلا إذا كُسرت شوكتها.
كانت الكلمات تُكتب بالحبر هناك…
لكن صداها كان يصل إلى القرى مثل وقع حوافر خيل بعيدة.
في قرية خضر لم يكن أحد يرى تلك الرسائل.
كان الناس يرون أثرها فقط.
كان خضر يعمل في الكرم قرب البيت الذي بناه بعد زواجه.
وكانت مريم تجمع أوراق التوت لدود القز، بينما يلعب الأطفال قرب الجدول.
في عصر أحد الأيام وصل إلى القرية رجل قادم من دمشق.
جلس الرجال حوله ليستمعوا.
قال الرجل وهو يمسح غبار الطريق عن ثوبه:
— العلماء يتحدثون عن الجبل… يقولون إن الدولة لن تتركه كما هو.
سأل أحد الرجال بقلق:
— هل سيأتون مرة أخرى؟
هز الرجل رأسه ببطء وقال:
— هذه المرة… الكلام أكبر من حملة.
عاد خضر إلى البيت في المساء وهو صامت.
لاحظت مريم أن وجهه تغير.
سألته:
— ماذا قال الرجل؟
جلس قرب الباب الخشبي وقال:
— لم تعد المسألة خراجا ولا طريقا.
سكت لحظة ثم أضاف:
— صار الكلام عن الدين.
فهمت مريم معنى ذلك دون أن تحتاج إلى شرح.
في القرى الجبلية،
حين تتحول الخصومة إلى دين…
تصبح الحرب أقسى.
جلست قرب النار وهمست:
— إذا صارت الحرب دينا… يصير الموت سهلا على القاتل.
رفع خضر عينيه نحو الجبل المظلم خلف البيت.
كان يعرف شيئا واحدا.
أن الكلمات التي تُكتب في دمشق…
ستتحول قريبا إلى خيول تصعد نحو القرى.
. 1305م — يوم احترق الجبل
لم تمض سنوات كثيرة حتى عاد القلق إلى الجبل.
في البداية كانت مجرد أخبار تأتي مع المسافرين:
فرسان يتحركون في السهول،
وجموع من الجند تجتمع في دمشق.
ثم صار الناس يسمعون اسما يتكرر في الطرقات:
آقوش الأفرم.
قال أحد الرعاة إن جيشا كبيرا خرج من دمشق.
وقال آخر إن جيوش طرابلس وصفد ستلتحق به.
وقال اخر جاء من الساحل إن عددهم كبير إلى درجة أن الغبار الذي يثيرونه يُرى من بعيد.
لم يكن أحد يعرف العدد الحقيقي.
لكن الجميع فهم شيئا واحدا:
هذه المرة… الجبل هو المقصود.
وصلت الأخبار إلى القرى مثل ريح باردة.
صار الرجال يجتمعون ليلا قرب الزيارة.
بعضهم قال إن الممرات الضيقة يمكن أن تحميهم كما فعلت من قبل.
وقال آخرون إن الجيش هذه المرة أكبر من أن يواجه.
أما خضر فكان يفكر في شيء واحد فقط:
كيف يحمي عائلته.
كانت مريم في تلك الأيام حاملا بطفلها الأول.
في إحدى الليالي سألته وهي تنظر إلى الجبل المظلم:
— هل سيصلون إلى هنا؟
لم يجب مباشرة.
كان ينظر إلى الكروم التي زرعها أبوه،
وإلى البيت الذي بناه بيديه.
ثم قال بصوت منخفض:
— إذا وصلوا… لن يبقى شيء.
لا بيوت و لا اشجار
فأهل الجبل كانوا يعرفون أن الحرب حين تصل إلى الأرض…
لا تكتفي بالرجال.
وصل الجيش أخيرا إلى جبال كسروان.
وقعت معركة قاسية في الممرات القريبة من عين صوفر.
قاتل رجال الجبل بكل بسالة،
لكن الجيوش القادمة من السهول كانت أكثر عددا وتنظيما.
لم يطل القتال كثيرا.
وبعد المعركة جاءت المرحلة التي يخافها الطيبون أكثر من السيوف:
مرحلة النار.
بدأ الجنود بقطع أشجار التوت.
وأحرقت الكروم التي عاشت أجيالا فوق المدرجات الحجرية.
سقطت البيوت واحدا بعد آخر،
وصارت القرى التي كانت تضج بالحياة رمادا خلال أيام قليلة.
كان خضر يقف قرب البيت وينظر إلى السماء المليئة بالدخان.
كان يسمع صراخا يأتي من القرى المجاورة،
ويرى الضوء الأحمر للنار يقترب ببطء.
قال لمريم بسرعة:
— علينا أن نرحل.
نظرت حولها إلى البيت والكروم وسألت:
— إلى أين؟
قال:
— إلى الشمال… إلى الجبال القريبة من البحر.
لم يكن الطريق واضحا.
لكن البقاء هنا يعني الموت المحتم.
قبل الفجر بقليل بدأت القوافل الصغيرة تتحرك في الظلام.
نساء يحملن الأطفال،
ورجال يقودون ما تبقى من الدواب،
وشيوخ يمشون ببطء وهم ينظرون خلفهم.
عندما وصل خضر إلى قمة صغيرة توقف لحظة.
التفت نحو القرية للمرة الأخيرة.
كانت النار قد وصلت إلى أول البيوت.
همس بنفسه:
— الجبل الذي ولدنا فيه… لم يعد لنا.
ثم تابع السير مع الآخرين نحو الشمال.
نحو جبال الساحل القريبة من البحر،
حيث كانت قرى جبلة تنتظر موجة جديدة من البشر الهاربين من الحرب.
لكن الطريق لم يكن نهاية القصة.
فالجبال الجديدة…
كانت تحمل في صخورها أيضا تاريخا لم ينته بعد.
706–713هـ — حياة جديدة في جبلة
استغرق الطريق إلى الساحل أسابيع طويلة.
كانت القوافل الصغيرة تتحرك عبر البقاع ثم نحو الشمال،
بعيدا عن الطرق التي تسلكها الجيوش.
عندما وصلوا أخيرا إلى جبال جبلة، بدت القمم أكثر وعورة مما عرفوه في كسروان.
كانت الغابات كثيفة، والممرات ضيقة، والقرى متناثرة فوق السفوح.
يسكن تلك الجبال قوم اعتادوا العيش بعيدا عن المدن.
في البداية نظروا إلى الوافدين بحذر.
فالجبال تعرف أن الغرباء يحملون معهم قصص الحروب.
لكن مع الأيام بدأ الناس يتقاسمون الماء والممرات.
اختار خضر ومريم منحدرا صغيرا قرب جدول ماء.
لم يكن المكان أكثر من بقعة بين صخرتين،
لكنه كان بعيدا عن الطريق.
هناك بنى خضر بيته الجديد.
حجارة جمعها من السفح،
وسقف من الخشب والتراب.
لم يكن يشبه البيت الذي تركه في كسروان،
لكنه كان كافيا ليقول إن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد.
بعد أشهر قليلة ولد حسن.
كان أول طفل يولد في ذلك البيت الصغير.
قالت مريم وهي تحمله بين ذراعيها:
— هذا الطفل لم ير كسروان.
ابتسم خضر وقال:
— لكنه سيحملها في دمه.
كبرت القرية الصغيرة ببطء.
وصلت عائلات أخرى من الجنوب،
وبدأ الناس يزرعون ما يستطيعون زراعته في الأرض الجديدة.
غرس خضر شجرة تين قرب الجدول،
وزرع كرمتين صغيرتين فوق المدرج الحجري.
أما مريم فعادت إلى ما تعرفه جيدا.
زرعت شجر التوت.
فالتوت في الجبل
هو طريق للحياة.
من أوراقه يعيش دود القز،
ومن خيوطه يولد الحرير الذي كان التجار يشترونه في طرابلس وبيروت.
وهكذا بدأت حياة جديدة فوق سفوح جبلة.
حياة بسيطة تقوم على الأرض…
وعلى صبر الناس.
كبر حسن وهو يسمع قصص كسروان في ليالي الشتاء.
كان يجلس قرب النار بينما يحكي خضر عن الكروم القديمة والينابيع البعيدة.
وفي إحدى الليالي سأل:
— هل سنعود إلى هناك يوما؟
نظر خضر إلى الجبل، ثم قال:
— الجبل الذي خرجت منه مرة… قد لا يفتح بابه مرة ثانية.
ثم وضع يده على كتف ابنه وأضاف:
— لكن الأرض الجديدة تصبح بيتا إذا زرعتها بيدك.
كانت الشمس تغيب خلف البحر البعيد، وقفت مريم قرب شجرة التوت التي زرعتها.
قالت بهدوء:
— ربما أراد الله لنا أن نبدأ من جديد هنا.
نظر خضر إلى البيت الصغير، وإلى طفله ، وقال:
— الحياة مثل الكرم…
حتى إذا قطعوه… يمكن أن ينبت مرة أخرى.
و محال ان ينتهي الكرم
لكن الجبال التي احتضنت هذه الحياة الجديدة…
كانت تخبئ في طياتها اسما بدأ يتردد مرة أخرى في أحاديث الجنود:
سنقر الأشقر.
ومع هذا الاسم…
كانت النار تستعد للعودة إلى الجبل.
. 1304–1305م — النار تعود إلى الجبل
لم تدم الطمأنينة طويلا في جبال جبلة.
فالجبل، كما يقول الشيوخ، لا ينام إلا بعين واحدة.
كانت السنوات الأولى بعد الوصول هادئة.
زرع الناس الكروم، وكبرت أشجار التوت، وعادت البيوت الصغيرة تملأ السفوح.
لكن الأخبار القادمة من الطرق البعيدة كانت تحمل شيئا مختلفا.
بدأ اسم يتردد في أحاديث المسافرين:
سنقر الأشقر.
كان بعض الرجال يذكرونه بصوت منخفض، كأن الاسم نفسه قد يجلب الخطر.
قال أحدهم إن هذا الأمير تمرد قديما على السلطان،
وإنه لجأ إلى حصون الجبال القريبة من البحر.
وقال آخر إن قلعة صهيون كانت مأواه زمنا.
لم يكن أهل القرى يعرفون تفاصيل تلك الحكايات.
لكنهم فهموا شيئا واحدا:
أن الدولة لا تحب الجبال التي تختبئ فيها الأسماء الخطرة.
ومنذ ذلك الحين صار الجنود يظهرون أحيانا في السفوح،
ويمر الرسل بين القرى،
وتصل أخبار عن حملات تتحرك بين اللاذقية وجبلة.
وصلت تلك الأخبار إلى القرية مثل نسمة باردة تحمل رائحة الحريق.
—بدأ الجنود يتحركون في الجبال.
— يقولون إن الدولة تريد أن تتأكد أن الجبل لا يخفي متمردين.
لم يكن أحد في القرية يظن نفسه متمردا.
في صباح قاتم من شتاء تلك السنة كان حسن أمام البيت.
كان قد صار صبيا يعرف كيف يتسلق الصخور أسرع من الماعز.
رفع رأسه فجأة نحو السفح.
ورأى شيئا غريبا في الأفق.
خيطا رفيعا من الدخان.
في البداية ظنه ضبابا.
لكن بعد لحظات بدأت الأصوات تصل إليه…
صهيل خيل…
وصراخ لا يشبه أصوات الرعاة.
ركض نحو البيت وهو يصرخ:
— النار!
خرج خضر بسرعة.
وقف فوق المدرج الحجري ونظر نحو الطريق.
كان الدخان يرتفع من طرف القرية القريب من الممر.
كانت النار لغة الحرب.
اشتعل أول بيت.
ثم الثاني.
ثم بدأت الريح تحمل النار بين البيوت الخشبية.
وفي القرى الجبلية، حين تشتعل النار في الشتاء،
تصبح الريح عدوا آخر.
صرخ الرجال وهم يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن الفرسان كانوا قد وصلوا بالفعل.
لم يكونوا جيشا منظما مثل الجيوش الكبيرة،
بل مجموعات من الجنود والمتطوعين الذين يلحقون بالحملات طمعا بالغنيمة.
وفي الحروب القديمة لم تكن الغنيمة تقتصر على الماشية والقمح.
كانت النساء و الصبيان أنفسهم.
أمسك خضر بيد مريم وقال بسرعة:
— إلى الغابة.
حملت مريم حسن وركضت نحو الأشجار الكثيفة.
كان أهل الجبل يعرفون المغارات التي تختبئ بين الصخور.
كانت تلك الكهوف ملجأ قديما يلجأ إليه الناس حين يقترب الخطر.
قال خضر وهو يدفع عائلته نحو مدخل كهف صغير:
— اختبئوا هنا.
لكن الجنود كانوا يعرفون أيضا أن الناس يهربون إلى المغارات.
اقترب بعضهم من مداخل الكهوف.
معهم حبال…
وسيوف…
ودخان يشعلونه عند الفتحات.
لم يكن هدفهم قتل الجميع.
في تلك الحروب كان الأسير أحيانا أثمن من القتيل.
كانوا يريدون شيئا يعود معهم إلى المدن:
رجالا للعمل…
ونساء…
وأطفالا.
في تلك اللحظات فهم خضر شيئا مريرا.
التاريخ الذي هرب منه في كسروان…
قد وجده مرة أخرى في الجبل الجديد.
ففي بلاد الشام،
حين تشتعل الحروب …
لا يكفي أن تغير المكان.
لأن النار تعرف الطريق إلى القمم دائما.
من الجبل إلى السوق — حين يتحول الإنسان إلى رقم
بعد الحريق لم تعد القرية موجودة.
ما بقي منها كان رمادا متفرقا،
وجدرانا سوداء بلا سقوف،
وأشجارا مقطوعة تشبه عظاما مكشوفة فوق السفح.
جمع الجنود الأسرى في ساحة صغيرة قرب الطريق.
كانوا رجالا ونساء وأطفالا، مربوطين بحبال طويلة كأنهم قطيع يساق من مرعى إلى آخر.
لم يكن أحد يعرف إلى أين سيذهبون.
قال أحد الحراس إنهم سيذهبون إلى حلب.
وقال آخر إن سوق حمص أقرب.
وقال ثالث إن أفضل الأسعار تكون في دمشق.
لكن بالنسبة للأسرى لم يكن الاسم مهما.
فكل مدينة في ذلك الطريق تعني شيئا واحدا:
السوق.
سارت القافلة أياما طويلة.
في النهار كان الغبار يلتصق بالوجوه والملابس.
وفي الليل كانوا ينامون على الأرض تحت حراسة مشددة.
كانت مريم تمسك حسن طوال الطريق.
كانت تضمه إلى صدرها كأنها تحاول أن تثبته في العالم حتى لا يضيع.
لكن أكثر ما كان يؤلمها لم يكن التعب…
بل الكلمات التي كان الحراس يرددونها وهم يعدّون الأسرى.
كلمة واحدة فقط.
رأس.
هذا رأس.
وهذا رأس آخر.
وهذا رأس ثالث.
لم يعد الإنسان اسما أو حياة.
صار رقما.
في تلك اللحظة تذكرت مريم كلام أمها القديم في كسروان:
— إذا صارت الحرب دينا… صار الإنسان سلعة.
وصلت القافلة أخيرا إلى دمشق.
لم يكن حسن قد رأى مدينة من قبل.
كانت الأسوار عالية،
والأبواب ضخمة،
والناس كثيرين إلى درجة أن الضجيج بدا له مثل صوت البحر.
لكن المكان الذي أوقفوا فيه الأسرى لم يكن مثل باقي الأسواق.
لم تكن هناك توابل…
ولا قماش…
ولا حبوب.
كان هناك بشر.
في الساحة القريبة من القلعة كان يقام سوق يعرفه الناس باسم سوق النخاسين.
وقف الأسرى في صفوف طويلة.
وبدأ التجار يمرون بينهم ببطء، كما يفعل المشترون في سوق الخيل.
ينظرون إلى الوجوه،
ويتفحصون الأيدي،
ويسألون عن العمر والقوة والصحة.
وقف تاجر في وسط الساحة ينادي بصوت مرتفع:
— من يشتري؟
اقترب رجل بثوب نظيف يدل على ثراء.
توقف أمام مريم وحسن.
نظر إليهما لحظة، ثم سأل التاجر:
— كم الثمن؟
قال التاجر:
— عشرون دينارا.
فكر الرجل قليلا.
ثم قال ببساطة:
— خذه.
في تلك اللحظة صرخ حسن.
شدته مريم إلى صدرها بكل قوتها.
لكن الحبل الذي يربطهما كان أقوى من صدر الأم.
جذب الحارس الطفل بعنف.
تعثر جسد مريم وهي تحاول التمسك به،
لكن الأيدي كانت كثيرة.
وفي لحظة قصيرة…
انفصلت يد الطفل عن يد أمه.
رأى حسن وجهها يبتعد بين الناس.
كانت تصرخ باسمه،
لكن الصوت ضاع في ضجيج السوق.
لم يكن حسن يعرف شيئا عن المدن ولا عن التجارة.
كل ما عرفه في تلك اللحظة سؤالا واحدا ظل يطرق قلبه الصغير:
هل هذا فراق يوم…
أم فراق عمر؟
لكن السوق لم يكن يهتم بالأسئلة.
ففي دفاتر النخاسين…
لم يكن حسن ومريم سوى رقمين جديدين في حساب الرؤوس.
.
1318م — تمرد جبلة… الجبل لا يشفى
مرت سنوات طويلة بعد ذلك اليوم في السوق.
كبر حسن في بيت لا يشبه البيت الذي ولد فيه.
بيت واسع في مدينة كبيرة، لكن بلا صوت جدول،
ولا رائحة تراب بعد المطر،
ولا ظل شجرة توت.
تعلم العمل والخدمة.
وتعلم أيضا أن يخفي الأسئلة التي لا جواب لها.
في المدن كان الناس يتحدثون كثيرا عن السياسة والحروب،
لكنهم نادرا ما كانوا يتحدثون عن القرى التي تحترق في الجبال.
كانت الجبال بالنسبة لهم مجرد أسماء بعيدة.
أما بالنسبة لحسن…
فكانت حياة كاملة.
كان يسمع الأخبار أحيانا وهو يحمل الماء إلى المجلس،
أو حين يقف صامتا خلف الضيوف.
وفي أحد الأيام سمع الرجال يتحدثون عن خبر جاء من الشمال.
قال أحدهم وهو يضع فنجان القهوة:
— خرجت فتنة في جبال جبلة.
رفع رجل آخر رأسه وسأل:
— أي فتنة؟
قال الأول:
— رجل ادعى المهدوية… وجمع حوله أهل الجبل.
ضحك ثالث وهو يهز رأسه:
— هؤلاء لا يهدأون أبدا.
مرت الكلمات في المجلس كأنها حديث عابر:
المهدي…
التمرد…
الجند…
السلطان.
لكن كلمة واحدة فقط بقيت في أذن حسن.
جبلة.
توقف قلبه لحظة.
ذلك الاسم كان يشبه مكانا قديما في ذاكرته…
مكانا لم يره إلا طفلا.
مكانا كان أبوه يقول إن الأرض فيه تصلح للكروم،
وإن التوت ينمو جيدا قرب الماء.
تابع الرجال حديثهم بلا اكتراث.
قال أحدهم:
— السلطان الناصر محمد أرسل جيشا كبيرا.
قال آخر:
— يقال إن القتل كان شديدا.
وأضاف ثالث وهو يشير بيده كأنه ينهي القصة:
— قتلوا المدعي… وصلبوا بعض أتباعه…
وسيق كثير منهم إلى الأسواق.
سكت حسن.
كان واقفا قرب الباب
لكن ذهنه لم يعد في المجلس.
كان يشعر أن التاريخ يدور في دائرة مغلقة.
كلما حاول الجبل أن يتنفس…
عاد السيف إليه.
في تلك الليلة صعد حسن إلى سطح البيت.
كانت دمشق هادئة،
والنجوم تلمع فوق القلعة.
جلس وحده طويلا.
لم يكن يعرف مصير أبيه.
ولا يعرف أين انتهت أمه بعد ذلك السوق.
لكن شيئا واحدا صار واضحا له الآن.
البيت الذي ولد فيه…
لم يحترق مرة واحدة فقط.
احترق مرتين.
مرة حين صعد الجيش إلى كسروان.
ومرة حين وصلت الحملات إلى جبال جبلة.
رفع عينيه نحو السماء وهمس لنفسه:
— لم نعد نعيش في بيت…
ثم سكت لحظة، وكأن الفكرة اكتملت فجأة.
— نحن نعيش داخل التاريخ.
وفي تلك اللحظة فهم شيئا لم يفهمه وهو طفل.
أن الجبال التي أحبها الناس لأنها تحميهم…
قد تتحول أيضا إلى المكان الذي تتكرر فيه المآسي جيلا بعد جيل.
ففي بلاد الشام لم يكن الجبل دائما ملاذا.
أحيانا…
كان جرحا مفتوحا لا يشفى.
مرت السنوات بعد ذلك، وعاد الهدوء الظاهري إلى الجبال.
وضعت الدولة الحاميات على الطرق،
وصار الجند يمرون بين القرى،
وصارت القرى تعيش بحذر، كأن كل خطوة قد تفسر تمردا.
وفي المدن اختفت أسماء تلك الحروب من دفاتر الكتبة.
لكن في القرى بقيت الحكايات.
كان الشيوخ يروونها في ليالي الشتاء:
عن كسروان التي احترقت،
وعن الطريق الطويل نحو جبال الساحل،
وعن بيوت دمرت،
وأطفال أخذوا إلى الأسواق ولم يعودوا.
أما حسن…
فكبر وهو يحمل في قلبه صورة ذلك الجبل الذي فقده.
صورة الكروم،
وأشجار التوت،
ووجه أمه الذي اختفى في ضجيج السوق.
وكان يدرك شيئا فشيئا أن ما عاشه لم يكن قصة عائلة واحدة.
بل قصة جيل كامل.
جيل عاش الزمن الذي تغيرت فيه الجبال.
حين تحولت القمم التي كانت بعيدة عن السلطة…
إلى أرض تراقبها الحاميات والضرائب والخوف.
ومع أن السلاطين تعاقبوا،
والمدن تغيرت،
بقي الجبل شاهدا.
فالبيوت قد تحترق،
والناس قد يتفرقون،
لكن الحكايات التي تولد في القرى الصغيرة…
تبقى أطول عمرا من السيوف نفسها.
النهاية — البندقية والكتاب
مرت سنوات طويلة.
كبر الأولاد في البيت الصغير بين أشجار التوت والكروم التي زرعها خضر بيديه.
لم تكن حياتهم سهلة،
لكن الجبل علّمهم شيئا واحدا:
أن الحياة تبدأ دائما من جديد…
حتى بعد الحريق.
كان خضر يجمع أولاده في ليالي الشتاء قرب النار.
يجلسون حول الموقد الصغير،
والريح تضرب الجدران الحجرية للبيت.
وكان يقول لهم:
— الجبل ليس حجرا
الجبل ذاكرة.
كان يعلمهم أسماء الأماكن.
يقول:
— هناك كانت كسروان…
وهناك الطريق الذي سلكه الناس حين احترقت القرى…
وهناك البحر الذي وصلنا إليه بعد الرحيل الطويل.
وكان يطلب منهم أن يحفظوا الحكايات كما يحفظون أسماء الينابيع والوديان.
وفي الليالي كان يصعد معهم إلى أعلى التلة القريبة من البيت.
يشير إلى القمم البعيدة ويقول:
— انظروا جيدا إلى الجبال.
— لأن الخطر لا يأتي دائما من الطرق الواضحة.
ثم يضيف وهو يبتسم ابتسامة حزينة:
— في الجبال دائما ثغرة صغيرة قد تغفلون عنها.
— ومن تلك الثغرة…
قد تدخل الوحوش يوما.
وكان يكرر لهم ما قاله عجوز القرية قديما:
— احفظوا التاريخ جيدا.
فالذي ينساه… يعيده.
نظر خضر إلى الجبل المظلم خلف البيت وقال:
— لأن هذا الجبل علّمنا شيئا واحدا.
ثم سكت لحظة وأضاف:
— أن المعرفة تحمي الروح…
لكن أحيانا يجب أن نحمي المعرفة أيضا.
وهكذا كبر الأولاد.
وكان تحت رأس كل واحد منهم، كل ليلة،
كتاب…
وسيف.
كأن الجبل كله كان يهمس لهم:
أن الذاكرة…
تحتاج إلى من يحرسها.
 
06/03/2026
------------------------------------------------------------
ابن كثير، إسماعيل بن عمر. البداية والنهاية. بيروت: دار الفكر.
مكان الورود: الجزء 14، سنة 718هـ/1318م.
اقتباس مقتضب: «وفي هذه السنة خرجت النصيرية عن الطاعة... وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقاً من أهلها».
المقريزي، تقي الدين أحمد. السلوك لمعرفة دول الملوك. القاهرة: دار الكتب.
مكان الورود: الجزء 1، القسم 2، ص 902-903 (حملة 705هـ/1305م).
اقتباس مقتضب: «رفعت أيدي الرفضة عنها».
ابن تغري بردي، جمال الدين. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. القاهرة.
الصفدي، خليل بن أيبك. الوافي بالوفيات. بيروت.
ابن حجر العسقلاني. الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة. القاهرة.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد. مجموع الفتاوى. الرياض: مجمع الملك فهد.
مكان الورود: الجزء 28، ص 398 (رسالة التهنئة بعد حملة كسروان 705هـ).
اقتباس مقتضب: «رفع الله أيدي الرافضة عن جبال كسروان».
ابن تيمية، تقي الدين أحمد. مجموع الفتاوى. الرياض: مجمع الملك فهد.
مكان الورود: الجزء 35، ص 145-160 (الفتوى الرئيسية).
اقتباس مقتضب: «هم مرتدون من أسوأ الناس ردة: تقتل مقاتلتهم وتغنم أموالهم. وسبي الذرية فيه نزاع؛ لكن أكثر العلماء على أنه تسبى الصغار من أولاد المرتدين».
أبو الفداء، إسماعيل بن علي. المختصر في أخبار البشر.
مكان الورود: الجزء 4، ص 83 (حملة 705هـ/1305م).
اقتباس مقتضب: «قتل وأسر كل النصيرية والمرتدين... وطهر الجبال منهم».
المراجع الحديثة العامة
Humphreys, R. Stephen. From Saladin to the Mongols: The Ayyubids of Damascus 1193–1260. Albany: SUNY Press.
Amitai, Reuven. Mongols and Mamluks: The Mamluk-Ilkhanid War 1260–1281. Cambridge University Press.
Northrup, Linda. From Slave to Sultan: The Career of al-Mansur Qalawun and the Consolidation of Mamluk Rule in Egypt and Syria. Stuttgart.
Winter, Stefan. The Shiites of Lebanon under Ottoman Rule. Cambridge University Press.
Hitti, Philip K. History of Syria including Lebanon and Palestine. New York.
مكان الورود: الفصل المتعلق بالمماليك (السياق التاريخي للحملات).
اقتباس مقتضب: «الحملات الكسروانية استهدفت الإسماعيلية والنصيرية والشيعة».
مراجع متخصصة بتاريخ جبال الساحل وكسروان
Makdisi, Ussama. The Culture of Sectarianism. University of California Press.
Moosa, Matti. Extremist Shiites: The Ghulat Sects. Syracuse University Press.
Winter, Stefan. A History of the ‘Alawis. Princeton University Press.
مكان الورود: ص 59-63 (الحملات الكسروانية 1292-1305م).
اقتباس مقتضب: «The Alawites fared particularly badly, and were no longer mentioned as inhabitants of Kisrawan in the historical record».
Kennedy, Hugh. The Crusader States. London. 
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع