كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العنف والاسكان واعادة تشكيل الساحل السوري في مطلع العهد العثماني

سيمون خالد علي

اندلعت المواجهة الحاسمة بين المماليك والعثمانيين في سهل مرج دابق قرب حلب يوم 24 اب 1516م وكان على راس المماليك سلطان مصر قانصوه الغوري بينما قاد العثمانيين السلطان سليم الاول ياووز بجيش متفوق في التنظيم والنيران وانتهت المعركة بانهيار الصف المملوكي وهزيمته فتوارى الغوري عقب انسحابه متجها الى مناطق الجبل الوعرة التي يقطنها العلويون عند المحارزة ثم توفي ودفن هناك، لتتحول الجبال منذ تلك اللحظة الى ملاذ سياسي وعسكري خارج سيطرة السهول وبعد تثبيت النصر دخل السلطان سليم الى حلب وبدأت مرحلة .
ثم خصوما محليين استثمروا هذا التحول فتقدموا الى السلطان بسلسلة شكاوى واتهامات صورت العلويين كطرف مسؤول عن اضطرابات قديمة شهدتها حلب ودمشق في زمن تيمورلنك في محاولة لربطهم بسجل سابق من التمرد واعادة تقديمهم كخطر سياسي وعقائدي في لحظة انتقال السلطة ورأى السلطان سليم في هذه الاتهامات فرصة سياسية مزدوجة تثبيت حكمه السريع في الشام وتحصين ظهره من اي تماس محتمل مع القوى الشيعية في الاقليم فسعى الى استصدار فتوى من علماء البلاط تجيز قتال العلويين وتحول الصراع من نزاع سياسي الى قرار شرعي ملزم يصبح اساسا لما سيأتي من اجراءات ولم تقف اثار تلك الفتوى عند الشام بل امتد صداها الى بغداد حيث شهدت منطقة الكرخ اعتداءات ونهبا وقتلا بحق علويين هناك.
السلطان استخدم اسلوبا بالغ القسوة لقطع راس البنية القيادية للعلويين اذ دعا امراءهم ومقدميهم وشيوخهم الى حلب بذريعة منحهم فرمانات سلطانية تثبت مناصبهم وصلاحياتهم الادارية والقضائية في مناطقهم فتوافد الوجهاء من جهات متعددة حتى بلغ عددهم نحو تسعة الاف واربعمئة ثم وبالاستناد الى الفتوى تم قتلهم جميعا في ضربة واحدة استهدفت تفكيك القيادة التقليدية واحداث شلل تنظيمي داخل المجتمع اعقبت ذلك اوامر عامة بالملاحقة فبعد مقتل القيادات وتواري الغوري دب الذعر في السكان فتفرق العلويون في البراري وتشتتوا في جهات متعددة وبدأت مرحلة نزوح واسع نحو الجبل كأاخر خطوط النجاة.
الحملة شاركت فيها ايضا مجموعات من العامة التي سارت خلف الجيش في ملاحقة الفارين، كتحول من قرار سلطاني الى حالة تعبئة اجتماعية واسعة. وفي ظل هذه المطاردة المنظمة اتجه العلويون الى جبال الساحل السوري الغربي طلبا للنجاة، مستفيدين من وعورة التضاريس وكثافة الغابات وصعوبة المسالك، غير ان القوات كانت تتعقبهم وتقتل من يقع في ايديها في السهول والقرى وعلى الطرق المؤدية الى الجبل. عدد القتلى في مدينة حلب وحدها، عدا الامراء والشيوخ الذين سبق قتلهم، بلغ اربعين الفا من عامة الناس، الامر الذي حول المدينة الى ساحة تصفية كبرى وكرس صورة مجزرة واسعة النطاق في الذاكرة الجماعية.
ولم تتوقف الاحداث عند حدود حلب والساحل، بل امتدت بحسب الرواية الى ديار بكر وماردين ومناطق العواصم، ثم الى بلاد ذي القدر وغيرها من مدن الاناضول، حملة شاملة استهدفت كل من اعتبر خارجا عن المذهب الرسمي. ويقال ان كل من لم يلجأ الى اعلان التزامه بالمذهب الشافعي كان عرضة للقتل او الاضطهاد الشديد.
وفي خضم هذا النزوح الجماعي نحو الجبال الاتراك اطلقوا على الفارين اسم سورك اي المنفيين او المطرودين او المسوقين قسرا، ثم عربت الكلمة بمرور الزمن الى صراك او سوارك، واصبح العلويون يعرفون ردحا طويلا بهذه التسمية، كما عرفت جبالهم باسم جبل الصراك. ويقال ان هذا اللقب ظل متداولا في بعض نواحي صهيون وعمرانية وصافيتا خاصة بين عائلات ذات اصول حلبية نزحت في تلك الحقبة.
انها مجزرة حلب التي ارتكبها ياووز سلطان سليم، حيث عمد الى اعادة تشكيل البنية السكانية للمنطقة. فقد جلب اعدادا كبيرة من الاتراك يقدرون بنحو نصف مليون شخص، اي ما يعادل تسعين الف خيمة، وقام بتوطينهم في قلاع جبال الساحل السوري الغربي وفي المواقع المرتفعة والخصبة الاستراتيجية، بهدف تثبيت السيطرة العثمانية وتسليط هذه الجماعات على السكان الاصليين. هذه الخطوة فتحت مرحلة من الاضطراب والانقطاع في تاريخ الجبل، اذ تغيرت موازين القوى وتبدلت خريطة الاستقرار السكاني، ودخلت المنطقة في طور جديد من الصراع الديموغرافي والسياسي امتد اثره لقرون لاحقة.
كذلك الاضطهادات في حلب اشتدت لتشمل شتى انواع التعذيب والتنكيل بحق العلويين، من مصادرة الاملاك واهدار الكرامة الى السجن والترويع، في محاولة لكسر ما تبقى من تماسك اجتماعي داخل المدينة. وتحولت حلب في تلك المرحلة الى مركز لفرض الهيمنة الجديدة، حيث جرى استخدام العنف المادي والرمزي لترسيخ السلطة العثمانية وتوجيه رسالة واضحة الى سائر مناطق الشام.
ادرك السلطان سليم صعوبة اخضاع جبال الساحل السوري الغربي بالقوة العسكرية المباشرة، نظرا لوعورة تضاريسها وتشابك مسالكها واعتياد سكانها على نمط حياة دفاعي قائم على التحصن في القمم والوديان. ورأى ان شن حملة واسعة في الجبال سيستنزف قواته ويؤخر تقدمه الاستراتيجي نحو مصر لاسقاط الحكم المملوكي هناك، لذلك اختار معالجة الامر باسلوب مختلف يقوم على اعادة هندسة الواقع السكاني بدلا من الاكتفاء بالملاحقة العسكرية.
لتحقيق الهدف جلب من الاناضول وخراسان نحو تسعين الف خيمة، اي ما يعادل نصف مليون تركي، في واحدة من اكبر عمليات التوطين المنظم في تلك المرحلة. وتم توزيع هؤلاء في قلاع جبال الساحل وفي المواقع المرتفعة والخصبة والاستراتيجية، بقصد تثبيت السيطرة العثمانية على الممرات والمرتفعات والتحصينات القديمة، وتسليط القبائل التركية على السكان الاصليين لضبطهم ومراقبتهم. هذه الخطوة شكلت تحولا جذريا وفتحت مرحلة من الاضطراب والانقطاع في تاريخ الجبل، حيث تغيرت البنية السكانية واختلت التوازنات التقليدية التي كانت قائمة قبل عام 1516.
المستوطنون الجدد انتشروا في مناطق عدة شملت قلعة ابو قبيس وناحية عمرانية وجبل الحلو، وكذلك بشراغي وقرية سيانو وقلعة بلاطونس (المهالبة) ومحيط صهيون وباير وبوجاق، وهي مواقع تجمع بين الاهمية العسكرية وخصوبة الاراضي. كما امتلأت جبلة وسهلها ومحيط اللاذقية باعداد كبيرة من الوافدين، ما ادى الى احتكاكات مباشرة مع العلويين المقيمين هناك. وتذكر الرواية ان مواجهات وقعت في اللاذقية اضطرت بعض سكانها الى النزوح نحو البحر او الانكفاء نحو القمم الجبلية الاكثر وعورة. وبهذا شهدت المرحلة تراجعا ملحوظا في الوجود العلوي داخل اللاذقية وجبلة بعد ان كانتا من ابرز مراكزهم في الفترة السابقة، في حين ترسخ الوجود التركي في القلاع والسهول لفترة طويلة ضمن سياسة تثبيت السيطرة واعادة رسم الخريطة الديموغرافية للساحل السوري.
في سياق تثبيت السيطرة العثمانية على الساحل الشمالي الغربي، نصب السلطان سليم خيمته مع ثلاثين الف جندي في المنطقة الواقعة بين اللاذقية وانطاكية، في موقع استراتيجي يشرف على الممرات الجبلية والطرق الساحلية. وقيل ان المكان سمي آنذاك اوردو اي الجيش او المعسكر، وهو الموضع الذي يعرف اليوم بيايلاداغي، في اشارة الى تحول الموقع الى مركز عسكري مؤقت يجمع بين القيادة الميدانية والتنظيم الاداري. واقام السلطان هناك عشرة ايام عمل خلالها على ترتيب شؤون التوطين وتوزيع القبائل الوافدة على النقاط الحساسة، قبل ان يتوجه جنوبا الى دمشق ومنها الى مصر لاستكمال اسقاط الدولة المملوكية.
مرحلة ما بعد مرج دابق شهدت ايضا تغييرا في اسماء عدد من المواقع والقلاع في اطار تثبيت الهوية الجديدة للمنطقة، فصار يطلق على قلعة ابي قبيس اسم قلعة كارتال اي قلعة النسر، وعلى جبلها جبل كارتال، في حين عرفت قلعة المهالبة باسم قلعة مرسل التي عربت لاحقا الى المرسلية، فضلا عن تسميات اخرى طالت مواضع وقرى في محيط الساحل.
جبل العلويين بانه منطقة محدودة الموارد تقوم على زراعات مدرجات صغيرة ومصادر مياه متواضعة، وان ادخال اعداد كبيرة من المستوطنين في مساحة جغرافية ضيقة ادى الى ضيق في سبل العيش وظهور مجاعات متكررة. ويقال ان المناخ الرطب في مناطق ابي قبيس وجبلة، مع اختلاف نمط البيئة عن هضاب الاناضول، لم يلائم كثيرا من الوافدين، فاصيب عدد كبير منهم بالامراض وعانوا من شظف العيش وصعوبة التكيف. وفي المقابل لجأ العلويون الى قمم الجبال الاكثر وعورة وابتعدوا عن السهول والقلاع التي سيطر عليها الوافدون. ومع مرور الزمن وتراجع قبضة الدولة المركزية، اخذ الوجود التركي ينحسر في معظم تلك المناطق، ولم يبق منه سوى تجمعات محدودة حافظت على هويتها في باير وبوجاق وحصن الاكراد وحزور وبعض القرى الريفية في ريف اللاذقية الشمالي، بينما استعادت الكتلة السكانية المحلية حضورها الديموغرافي في معظم ارجاء الجبل..
-----------------------------------------------------
ابن اياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور.
ابن طولون الدمشقي، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان.
كمال باشا زاده (ابن كمال)، التواريخ والرسائل الفقهية.
Stefan Winter, A History of the Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic. Princeton University Press, 2016.
Stefan Winter, The Shiites of Lebanon under Ottoman Rule (1516–1788). Cambridge University Press, 2010.
Yaron Friedman, The Nusayri-Alawis: An Introduction to the Religion, History and Identity of the Leading Minority in Syria. Brill, 2010.
Dick Douwes, The Ottomans in Syria: A History of Justice and Oppression. I.B. Tauris, 2000.
Halil Inalcik, The Ottoman Empire: The Classical Age 1300–1600.
Suraiya Faroqhi, Subjects of the Sultan: Culture and Daily Life in the Ottoman Empire.
Faruk Sümer, Oğuzlar (Türkmenler): Tarihleri, Boy Teşkilatı, Destanları.
Linda Darling, Revenue-Raising and Legitimacy: Tax Collection and Finance Administration in the Ottoman Empire 1560–1660.
Tapu Tahrir Defterleri (دفاتر الطابو والتحرير العثمانية).
Mühimme Defterleri (دفاتر المهمة العثمانية).
Şer’iyye Sicilleri (سجلات المحاكم الشرعية العثمانية).
Evkaf Defterleri (دفاتر الأوقاف العثمانية). 
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع