كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عشرة أخطاء تاريخية عن الحملات الصليبية على لبنان وسورية وفلسطين

د. كمال ديب

هدف الحملات الصليبية كان بالدرجة الأولى القضاء على إمبراطورية الروم الأرثوذكس شرقاً وعلى حضارة الأندلس العربية غرباً.
الكيانات اللاتينية في المشرق ومنها مملكة القدس والتي قامت على مجازر القدس وأنطاكيا لم تكن هدفاً للحملة، بل كانت جوائر ترضية وغنائم حرب لم يرض عنها البابا أوربانوس.
أتابعُ باهتمام حلقات البرنامج الثقافي الذي يقدّمه الاستاذ حبيب يونس على محطة أو تي في، بعنوان "رح نبقى هون" (سنبقى هنا)، وكان منها مقابلة شيّقة مع البروفسور مروان أبو فاضل وحلقات أخرى. ومؤخراً تابعت حلقة بعنوان "حقائق تاريخية عن المصادر اللاتينية" بجزئين مع البروفسورة ميراي عيسى. فتمتّعت بمعرفة البروفسورة ميراي عيسى وبالرببورتاجات الجيّدة من إعداد روز حاكمة.
أقول إنّ معرفة البروفسورة ميراي أعجبتني، ولكن معرفتها كانت ناقصة في القسم المتعلّق بالحروب الصليبية. إذ للأسف بدت غير مطلّعة على الموضوع، ووقعت في عشرات الأخطاء التاريخية التي أوجزها هنا في عشرة أخطاء:
1. أشارت البروفسورة ميراي إلى أنّ حجم الجيوش الصليبية في الحملة الأولى بلغت 300 ألفاً ومعها 300 ألفاً من المتطوعين، يعني 600 ألفاً. فيما كافة المراجع أكدت أنّ هذا الحجم لم يزد عن 35 ألفاً و13 ألفاً من الفرسان، وأنّ 12 ألفاً من العسكر وألفين من الفرسان قد وصلوا وشاركوا في حصار القدس.
2. أبدت البروفسورة ميراي حماساً زائداً للحملات الصليبية، فارتكبت خطأً أكاديمياً هو تشويه الحقائق وعدم إبرازها كما هي لإسقاط الحدث التاريخي على العقائد السائدة اليوم أو بما يرضي الجمهور. وهي وإن أرادت الحماس لهذه الحملات، كان واجبها ذكر الجوانب الأخرى للموضوع: أنّ الروم والمسلمين اعتبروا الجيوش الصليبية أعداءً.
3. عندما سُئلت عن أسباب الحملة الصليبية، عدّدت البروفسورة ميراي الأسباب ومنها التضييق على الحجاج المسيحيين وهذا صحيح ولكنها اعتبرت من بينها وباء الطاعون. بينما الحقيقة التاريخية أنّ الحملة الصليبية جرت في الفترة 1096 إلى 1099، بينما وباء الطاعون حلّ في أوروبا عام 1341 واستمر لبضعة سنوات، أي كان الوباء بعد الحملة الصليبية بــ250 سنة.
4. في ما يتعلق بالأندلس تحدّثت البروفسورة ميراي عن "غزو مسلم أفريقي احتل إسبانيا، فاستعاد الإسبان الأرض في reconquest ". والحقيقة التاريخية أنّ شعب شبه الجزيرة الإيبيرية كان في القرون الأولى من ثلاثة عناصر هي: الشعب الإيبيري الأصلي والبربر (الأمازيغ) والفينيقيين الكنعانيين. وكانت إيبيريا تتبع امبراطورية الروم عندما غزاها الجرمان البرابرة، الوندالوس في القرن السادس ثم البرابرة القوط gothiques . وفي 710، لجأ وفد من الشعب الإيبري إلى تونس وطلب تخليصه من حكم القوطيين الجرمان. فتشارك البربر والعرب ومعهم بعض الروم في استعادة الواندلوس ودعوها الأندلس ودخلوا طليطلة والمدن الأخرى، وسط ترحيب الشعب. نعم قاومهم جيش القوط ولكنه هزم في كل مكان في وقت لم تكن اللغة الإسبانية قد ولدت بعد (وقد انشقت عن اللاتينية فيما بعد).
5. تحدثت البروفسورة ميراي عن الحملة الصليبية الأولى فنقلت خطأ عن لسان البابا أوروبانوس قوله "لنساعد أخوتنا المسيحيين في المشرق". فهدف الحملة الأساسي كان القضاء على امبراطورية الروم وكان الجرمان البرابرة على رأس الحملة وفي حالة حرب ضد الروم منذ عام 1018. واستمرت حربهم حتى وصلوا إلى بلاد البلقان (يوغسلافيا) التابعة لامبراطورية الروم في الوقت الذي كان جيش الروم يصد زحف السلاجقة المسلمين في بر الأناضول. فانتصر السلاجقة في معركة مانزكرت شرق الأناضول عام 1071. أما البابا أوربانوس فهو بريء مما فعله الصليبيين: لقد التقاه الامبراطور الرومي آليكسيوس عام 1095 لمساعدته في حشد بعض اللاتين الغربيين لمساندة جيش الروم. فرغب البابا أن يساعده ويوفّر عليه دفع رواتب الجنود لأنّه يعلم أنّ امبراطورية الروم كانت حصن الدفاع الأخير أمام زحف الأتراك على أوروبا. ولم تصغ الجيوش الصليبية لأوربانوس بل هاجمت مدينة القسطنيطينة بهدف القضاء على امبراطورية الروم، فحققت ذلك عامي 1191 باحتلال قبرص وتدمير القطسطنيية نفسها عام 1204.
6. ذكرت البروفسورة ميراي أنّ ثلاث مدن مقدسّة للمسيحيين هي روما وانطاكيا وأورشليم، ولكنها – عفواً أم قصداً– أهملت مدينة القسطنطنيية التي بناها الامبراطور الروماني القديس قسطنطين عام 324 ميلادياً وتعتبر الثانية بعد روما. فأثنى على كلامها في أهمية أنطاكيا مشكوراً الإستاذ حبيب. ولكن الحقيقة التي أهملتها البروفسورة أنّ الجيوش الصليبية عندما غزت مدينة أنطاكية عام 1098 قتلت شعبها من مسلمين وروم، ودمّرت ونهبت وخطفت، حتى لم يبق شيئاً من أنطاكيا. وفوق ذلك جعل بوهيموند، عدو امبراطور الروم اللدود، نفسه أميراً على أنطاكية وجعلها لاتينية.
7. ذكرت البروفسورة ميراي أنّ الصليبيين "أخذوا" قبرص أيضاً ولكنها لم تذكر أنّ قبرص كانت جزءاً من امبراطورية الروم وأنّ الشعب القبرصي رفض الغزو الصليبي كما رفض محاولة هذا الغزو فرض الكنيسة اللاتينية عليه لأنّه من الروم الأرثوذكس. فأقدم الصليبيون على حرق كهنة الروم في قبرص وهم أحياء.
ملاحظة كلما ذكرت البروفسورة ميراي أعمال الصليبيين تستعمل أفعال مثل أخذوا وحرروا، وكلما ذكرت أعمال العرب استعملت أفعال غزوا واحتلوا. ما يدل أنّها تستخدم الأفعال بكامل وعي وعن قصد وليس كمؤرخ محايد يهمه المبدأ العلمي.
8. ذكرت البروفسورة ميراي أنّ الصليبيين قد "أخذوا" القدس في تموز 1099، والأصح أنّهم غزوها ونهبوها وقتلوا شعبها من مسلمين وروم أرثوذكس ويهود، حتى بلغ عدد القتلى في القدس 70 الفاً من المسلمين والروم الأرثوذكس وخمسة آلاف من اليهود. ولقد استهجنت كل أوروبا هول هذه المجزرة واستنكرت ما فعلته الوحوش الصليبية، وذكر هذه المجزرة مراراً مؤرخو اللاتينية. وهنا يعجب المشاهد كيف فات على البروفسورة ميراي المتخصصة بالمراجع اللاتينية ذكر ذلك.
9. أشارت البروفسورة ميراي إلى زعيم الجيوش الصليبية غودفروا دي بويون أنّه كان متواضعاً وفي السياق نفسه تكلمت أنّه بعد "تحرير القدس" (كذا) استغنى عن لقب الملك المعروض عليه وتوفي بعد سنة. وهو الذي قاد الجيوش ضد الروم في البلقان وقاد المجازر ضد الروم والمسلمين في أنطاكيا وفي القدس.
10. ذكرت البروفسورة ميراي اسم مؤرخ هو غيوم دي تير، وكأنّه من فرنسا. فضاع المعنى على المشاهد أن اسمه في المراجع هو المطران وليم الصوري (أي يعود أصله إلى مدينة صور الفينيقية).
11. تقول البروفسورة ميراي إنّ الصليبيين قد غادروا المشرق بطيبة خاطر، أي أنّهم لم يهزموا. فيما الحقائق التاريخية تتحدث عن معارك حطين ومعارك المماليك من قلاوون وبيبرس، وأنّ هذه المعارك التي سقط فيها عشرات الآلاف هي التي طردت الصليبيين من المشرق.
12. تذكر البروفسورة ميراي الهلينية وامبراطورية الروم (وتسميها الامبراطورية اليزنطية) وكأنّهما شيء واحد. فيما امبراطورية الروم كانت تلتزم بمقررات مجمع نيقيا وتعتبر المرحلة الهلينية ترجع إلى الزمن الوثني القديم وترفضه.
13. تحدثت الروفسورة ميراي عن الحضارة الأوروبية على أنهّا حضارة لاتينية، ولم تشر إلى أنّ اللاتينية هي لغة الامبراطورية الرومانية في روما، وأنّ البرابرة الجرمان قد اجتاحوها وأنهوها في القرنين الخامس والسادس، أي قبل الحملات الصليبية بستة قرون. فيما الحقيقة أنّ النهضة الأوروبية كان مصدرها الأساسي في القرن السادس عشر هو الأندلس وأنّ الطب والهندسة والفلسفة وكافة العلوم إنما إزدهرت في الأندلس العربية وانتشرت في أوروبا.
رابط الحلقة
https://www.youtube.com/watch?v=wcikTv2fgws...  
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع