مشروع مستعمرة اللاذقية اليهودية 1882–1883
2026.02.19
سيمون خالد علي
محاولة تأسيس مستعمرة يهودية في اللاذقية بين عامي 1882 و1883 واحدة من اكثر الحلقات تعقيدا وغموضا في تاريخ شرق المتوسط اواخر القرن التاسع عشر. فعلى الرغم من ان الدراسات التقليدية للعلية الاولى تركز على مستوطنات مثل ريشون لتسيون وروش بينا وزخرون يعقوب في متصرفية القدس والجليل، فان مشروع اللاذقية بقي خارج السردية للاستيطان، رغم انه يكشف عن تقاطع حاسم بين ازمة يهود الامبراطورية الروسية، وصعود الصهيونية المسيحية في بريطانيا، والسياسة الدفاعية الصارمة للدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
بدأت الخلفية المباشرة للمشروع في روسيا بعد اغتيال القيصر الكسندر الثاني عام 1881، حيث اندلعت موجات من الاعتداءات ضد اليهود عرفت باسم البوغروم. ثم صدرت قوانين ايار 1882 التي ضيقت الخناق الاقتصادي والاجتماعي على اليهود داخل الامبراطورية الروسية. دفعت هذه الظروف عشرات الالاف الى التفكير في الهجرة، وكانت الولايات المتحدة الوجهة الرئيسية، غير ان تيارا قوميا ناشئا مثل حركة احباء صهيون دعا الى الاستقرار في ارض اسرائيل ضمن الدولة العثمانية. غير ان الباب العالي كان قد اتخذ منذ خريف 1881 قرارا واضحا بمعارضة الاستيطان اليهودي الجماعي في فلسطين، وفي نيسان 1882 اعلنت السلطات العثمانية في اوديسا انه يسمح لليهود بالاستقرار في ولايات اخرى بشرط اكتساب الجنسية العثمانية.
برزت مبادرة بريطانية ذات طابع ديني وسياسي في آن واحد. فقد كان اللورد شافتسبري انتوني اشلي كوبر من ابرز دعاة الصهيونية المسيحية، مؤمنا بان عودة اليهود شرط لتحقيق نبوءات توراتية. كما لعبت اليزابيث ان فن ارملة القنصل البريطاني السابق في القدس جيمس فن دورا عمليا في الدفع بمشاريع توطين اليهود كمزارعين منتجين. وفي عام 1882 اسست ما عرف باسم صندوق استيطان سوريا وفلسطين Syrian and Palestine Colonisation Fund بهدف مساعدة اللاجئين اليهود على الاستقرار في مناطق زراعية ضمن اراضي الدولة العثمانية.
تم اختيار اللاذقية. فالمدينة الساحلية الواقعة شمال غرب دمشق، والتابعة اداريا لولاية بيروت، كانت بعيدة عن القيود المشددة المفروضة في متصرفية القدس. كما ان اراضيها الزراعية، خاصة في زراعة التبغ، كانت ارخص نسبيا، اضافة الى قربها من قبرص التي وضعتها بريطانيا تحت ادارتها عام 1878. كما كان في اللاذقية نائب قنصل بريطاني هو ن فيتالي، الامر الذي سهل التواصل والدعم اللوجستي للمشروع.
تم تجميع نحو خمس واربعين عائلة يهودية، اي قرابة ثمانية وثمانين شخصا، معظمهم من اللاجئين الروس الذين رفضوا الهجرة الى امريكا. اختير افرادها اداريا في لندن، ما اضعف تماسكها الداخلي. عيّن يحيئيل ميخائيل فريدلندر، نجل الحاخام ناثان فريدلندر، رئيسا للمشروع، بينما بقي والده مرجعية روحية من الخارج. كما عيّنت الجمعية وكيلا محليا للاشراف العملي على شؤون المستوطنة هو نسيم جمال، الذي كان حلقة الوصل بين الصندوق البريطاني والمستوطنين، والمسؤول عن تنظيم الاعانات اليومية ومحاولة استئجار او شراء الاراضي. غير ان وفاة نسيم جمال المبكرة زادت من اضطراب الادارة، فتولى خلفه وكيل اخر عينته الجمعية، لكنه لم يتمكن من معالجة التعقيدات القانونية والمالية التي كانت تحيط بالمشروع.
غادرت العائلات لندن في اواخر اب 1882 عبر باريس ومرسيليا ونابولي والاسكندرية، ووصلت الى اللاذقية في منتصف ايلول 1882. غير ان الصدمة الاولى كانت ان الارض لم تكن قد اشتريت بعد، ولم تكن هناك مساكن جاهزة. اقام المستوطنون في حظيرة كبيرة ثم في مساكن ضيقة، وتلقوا مخصصات مالية محدودة كانت تمر عبر الوكيل المحلي. حاول نحو نصف العائلات الانخراط في النشاط الزراعي، لكن غياب الملكية القانونية وعدم الخبرة بالبيئة المحلية جعلا المحاولة شديدة الصعوبة.
تكشف مراسلات وزارة الخارجية البريطانية ضمن ملفات مثل FO 195/1410 و FO 78/3506 عن توتر بين القنصل العام البريطاني في بيروت جورج جيمس الدريدج وبين السلطات العثمانية. كما كان نائب القنصل في اللاذقية ن فيتالي يرفع تقاريره، لكن لندن لم تكن مستعدة للدخول في صدام مباشر مع السلطان عبد الحميد الثاني، خاصة بعد احتلال مصر عام 1882 وتركيزها على تثبيت وجودها في القاهرة وقناة السويس.
على المستوى المحلي، واجه المستوطنون صعوبات بيئية وصحية، من حرارة مرتفعة وامراض مثل الحمى والتهابات العيون، اضافة الى موجات جفاف وتفشي الكوليرا عام 1883. كما ظهرت توترات مع الفلاحين العلويين الذين كانوا يعملون في الاراضي الزراعية المحيطة، وشعروا بمنافسة على الموارد. لم يتمكن المشروع من الاندماج في النسيج المحلي، وبقي معتمدا على دعم خارجي هش، خاصة بعد وفاة نسيم جمال وتبدل الادارة.
بحلول ربيع 1883 اصبحت الاوضاع غير محتملة. عرضت الجمعية المسيحية نقل المستوطنين الى قبرص التي كانت تحت الادارة البريطانية. وافقت نحو خمس وعشرين اسرة على المغادرة، في حين عاد اخرون الى روسيا او تفرقوا بين مناطق مختلفة في سوريا وفلسطين. حاول بعضهم لاحقا تأسيس مستوطنة في منطقة بوكليا قرب بافوس في قبرص، لكن التجربة لم تستمر اكثر من عام ونصف بسبب صعوبات التكيف وقلة الدعم وعداوة بعض الجيران.
رغم فشل المشروع كمستعمرة مستقرة، لعبت اللاذقية دورا لاحقا كمحطة عبور لبعض المهاجرين اليهود الذين سعوا للوصول الى فلسطين، خاصة عندما شددت القيود في موانئ يافا وحيفا. غير ان الوجود اليهودي في اللاذقية ظل محدودا وتراجع مع مرور الوقت، خاصة بعد صعود الاستيطان المنظم في فلسطين بدعم البارون ادموند دي روتشيلد.
سيمون خالد علي
16/02/2026
المراجع
Yaron Harel, “Latakia – A Forgotten Colony of the First Aliyah,” Cathedra 74, 1994.
Neville J. Mandel, Ottoman Policy and the Jewish Settlement in Palestine, 1881–1908, Oxford University Press, 1974.
Mordechai Eliav (ed.), Sefer HaAliyah HaRishonah, Jerusalem, 1982.
Shmuel Yavne’eli, Sefer HaTzionut: Yemei Hibbat Zion, Tel Aviv, 1961.
Donald M. Lewis, The Origins of Christian Zionism: Lord Shaftesbury and Evangelical Support for a Jewish Homeland, Cambridge University Press, 2010.
Barbara Tuchman, Bible and Sword: England and Palestine from the Bronze Age to Balfour, 1956.
Yossi Katz, The Jewish Colonies in Cyprus, 1882–1900.
The National Archives, Kew: FO 195/1410 (Beyrout Correspondence, 1882).
The National Archives, Kew: FO 78/3506 (Despatches, January 1883).