كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) مدرسته وعلومه وتلامذته

كان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) شخصيةً علميةً بارزة في عصره، وتميّز بامتلاكه رؤية عقلانية ونظريات معرفية جعلته في مصافّ العلماء. وقد أسّس في المدينة المنوّرة أوّل أكاديمية إسلامية، حيث تلقّى عنه العلم أو استفاد من معارفه ما يقارب ثلاثة آلاف شخص، وهو أمر معترف به في الأوساط الأكاديمية.
ومن الجدير بالذكر أنّ أبا الكيمياء الحديثة، المعروف في الغرب باسم جابر (Geber)، وهو العالم العلوي الكبير جابر بن حيّان (721–815م)، كان من أبرز تلامذة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). وقد كان جابر يكثر في رسائله من الإشارة إلى أستاذه الإمام، واصفًا إيّاه بـ«معدن العقل» و«أستاذي وشيخي». وقد عمل جابر في المدينة المنوّرة باستخدام الأدوات والآلات التي جمعها له الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). وقد استفاد مفكّرو عصر النهضة الأوروبي من رسائل جابر بن حيّان استفادةً عظيمة، حيث تُرجمت إلى اللاتينية والألمانية والفرنسية والإنجليزية.
ويذكر المفكّر الفلسطيني إسماعيل الفاروقي وزوجته لويس الفاروقي في كتابهما The Cultural Atlas of Islam (نيويورك، 1986، ص 328):
«إنّ جابر بن حيّان، استجابةً لطلبات الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، اخترع نوعًا من الورق المقاوم للنار، وحبرًا يمكن القراءة به ليلًا. كما اكتشف، بناءً على توجيه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، مادةً مضافة إذا وُضعت على الحديد سبّبت له الصدأ، أمّا إذا استُخدمت على القماش جعلته مقاومًا للماء».
ومن الألقاب المعروفة للإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «كاشف الحقائق» أي مظهر الأسرار والحقائق، و**«محقّق»** أي الباحث عن الحقيقة. وقد أُطلقت عليه هذه الأوصاف لأنّه كان أوّل من كشف عن كثير من النظريات العلمية العظيمة التي لم تكن معروفة في العالم العربي آنذاك. ومن ذلك ما يُنقل عنه أنّه قال في إحدى المرّات:
«إنّ الله خلق في السماء السابعة كوكبًا من ماءٍ بارد، أمّا الكواكب الستّة الأخرى فقد خُلقت من ماءٍ حار».
ويرى إسماعيل الفاروقي أنّ هذا القول يُعدّ إشارةً واضحةً إلى كوكب بلوتو والتنبّه إليه قبل اكتشافه بقرون، إذ لم يتمّ اكتشافه فعليًا إلا في 21 كانون الثاني/يناير 1930م على يد كلايد تومبو في مرصد لويل بولاية أريزونا.
كما تناول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في مناظراته وأحاديثه عددًا من النظريات العلمية المهمّة. ومن ذلك قوله في إحدى خطبه:
«إنّ الأشعّة الضوئية الصادرة من الأجسام تدخل إلى أعيننا، وإنّ جزءًا منها فقط ينعكس داخل العين، وهذا هو السبب في عجزنا عن رؤية الأجسام البعيدة بوضوح. ولو أمكن اختراع أداة تُدخل جميع أشعّة الجسم البعيد إلى أعيننا، لأمكننا رؤيته كأنّه قريب. وعندئذٍ فإنّ الجِمال التي ترعى على بعد 2700 متر في الصحراء ستُرى وكأنّها على بُعد 54 مترًا فقط، أي أقرب خمسين مرّة».
ويُعدّ هذا القول تصحيحًا مبكّرًا لنظرية «أشعّة الإبصار» التي قال بها إقليدس (330–226 ق.م) وبطليموس (90–168م)، والتي كانت تفترض أنّ الرؤية تتمّ بخروج الأشعّة من العين نحو الجسم المرئي. وقد أُقِرّ هذا التصحيح لاحقًا بعد تجارب عديدة أجراها عالم العصر الفاطمي الشهير ابن الهيثم (965–1039م)، المعروف في الغرب باسم الحسن بن الهيثم (Alhazen).
كما أنّ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أوصى باختراع أداة تمكّن الإنسان من رؤية الأشياء على بُعدٍ أقرب بخمسين مرّة. ولهذا السبب نجد أنّ العالم الأوروبي روجر بايكون (1220–1292م) قد اقترح هو الآخر فكرة أداة تقرّب الأجسام إلى النظر بمقدار خمسين مرّة. وبعد ذلك بقرون، تمكّن العالم الإيطالي غاليليو غاليلي (1564–1642م) من اختراع هذه الأداة بالفعل، أي المنظار (التلسكوب)، عام 1610م. وقد استندت وظيفة هذا الاختراع بصورةٍ واضحة إلى نظرية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) القائلة بإمكانية جعل الجسم المرئي أقرب إلى العين بخمسين مرّة من بُعده الحقيقي.
إنّ أئمّتنا (عليهم السلام) لم يكونوا مجرّد قادةٍ دينيين، بل أناروا لنا طريق الإيمان والعقل في ميادين العلم والفلسفة أيضًا. وكانت المعارف التي قدّموها مصدر إلهامٍ لكثير من العلماء، ومنهم العلماء العلويون مثل جابر بن حيّان ومريم الإِجْلِيّة، وغيرهم كثير.

عن صفحة تاريخ العلويين

الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع