كيف تم اختراق الطليعة المقاتلة؟
2025.07.26
خالد محمد جزماتي
أتابع مشاركتي لمنشورات شاهد عيان وسجين تدمري صنديد يوثق أحداثها بشفافية تكاد تكون كاملة، وفيها حكايات جرت في بلادنا أثناء الصراع الدامي مع نظام الأسد الأب وأجهزته الأمنية الضارية، وأهم تلك الحكايات أنه بيّن كيف استطاع الأمن العسكري اختراق تنظيم الطليعة المقاتلة عدة مرات.. وكان أكثرها ايلاما وتهديدا للتنظيم اعتقال الشيخ مروان حديد مؤسس الطليعة المقاتلة بعد تجنيد الرقيب أول مـصـطـفـى جـيـرو وتسلله الى التنظيم، ولكن الأكثر أهمية تجنيد المدعو "جـاهـد دنـدش" وتسببه في اعتقال قائد الطليعة في حلب "عـدنـان عـفلة" وعدد كبير من الطليعيين قارب عددهم السبعين. وهذا الأمر ذكرني بتنظيمنا نحن ضباط القوى البحرية مع ضباط آخرين من بقية صنوف الأسلحة، حيث كان اللعين المقدم مصطفى حماض الحلبي المولد، وقد كان ذا ثقة لدينا منذ العام 1965، ولكنه في العام 1979 خان الأمانة بعدما طلب منه العقيد البحري شعبان خطاب الانخراط بالتنظيم وبدء العمل ضد الحكم الأسدي، ولكنه أوقع بنا عن طريق رئيس فرغ الأمن العسكري في "حمص" غازي كنعان"، وهكذا الخيانة تسببت في إعدام تسعة ضباط... ثلاثة عقداء (شعبان خطاب من "طيبة الإمام" وحسن الدالي "اللاذقية" وعبد السلام الحكواتي "اللاذقية" واثنان من البحرية برتبة مقدم هما: طراد الصالح من فرية القناطر التابعة لحلب، وبولص مستريح من قرية اليعقوبية التابعة لادلب، واثنان برتبة رائد هما: عبد الرزاق كبيسي من حماة وحسن وزان من اللاذقية، والملازم المهندس سعيد الشيخ سعيد من حماة والملازم المسرح غسان السيد من دركوش. فيما حُكم عليّ بالأشغال الشاقة المؤبدة، ولكني والحمد لله مكثت فقط عشرين عاما وخمسة أشهر ومعهم خمسة أيام، وبعد إخلاء سبيلي رزقني الله ولدين غصباً عن حافظ الوحش هما محمد ورياض، وصرت "أبو محمد" حقيقة.
نسأل الله الرحمة لشهداء معتقل تدمر سيء الذكر ولجميع شهداء الأمة ولعنة الله على الظالمين.
******
كتب محمد سالم عتال
*محطات من قطار الرعب التدمري:
* الاختراق الأمني الكبير و استدراج الطليعة والاجهاز عليها:
بعد انتهاء أحداث حماة و التي صنفت بحق بـ"مجزرة العصر" في شباط ١٩٨٢م، و مقتل العشرات من عناصر الطليعة المقاتلة الذين حوصروا داخل حماة، مع الآلاف من المواطنين العزل والذين قضوا فيها تحت أنقاض المدينة المدمرة، ومع شعور النظام الأسدي بنشوة الانتصار، بدأ النظام الأمني بإعداد الخطط لاستدراج عدنان عقلة قائد تنظيم الطليعة في حلب و من معه من خارج القطر لإنهاء التنظيم الذي أقلقهم لسنوات عديدة، و تم اختيار الشخص المناسب لهذه المهمة الحساسة بعناية فائقة، إنه "محمد جاهد دندش"، ابن ريف مدينة جسر الشغور في محافظة إدلب...
فمن هو "محمد جاهد دندش"؟!
ولد محمد جاهد بن فريز دندش في قرية الكندة التابعة لبلدة بداما التابعة لمنطقة جسر الشغور عام ١٩٥٧ لعائلة فلاحين بسيطة وكثيرة العيال، وبسبب طموحه واندفاعه الزائد إلى السلطة والنفوذ منذ ريعان شبابه، تقدم بعد حصوله على الثانوية بطلب للانتساب إلى الكلية الحربية، لكنه تم رفضه منها بعلّة وجود عشى ليلي أو عمى ألوان تخفيه عيناه الزرقاوتان الحالمتان بالمجد والشهرة، فحوّل طلبه إلى دراسة الصف الخاص، التابع لوزارة التربية، ليتخرج بعد سنتين مدرساً مجازاً.
وبين مهنة التدريس في ريف جسر الشغور و بين خطبة الجمعة في قريته الدالية، قضى بداية حياته العملية، لكن هذه الحياة الرتيبة لم تكن لتروِ غرور ذلك الشاب الطموح الذي كان يعشق قصص البطولة و الروايات البوليسية، وحل الألغاز، و يتابع باهتمام مسلسله المفضل رأفت الهجان.
و بسبب أحداث نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات في سوريا، والتي كانت إدلب وريفها وخاصة جبل الزاوية وجسر الشغور مركزاً للأحداث والمظاهرات والقلاقل والتي نالها من مجازر النظام ما نالها، فقد كانت المتابعات الأمنية والملاحقات التي تطال الشباب وخاصة المثقفين منهم على أشدها،
وقد تم استدعاء خطيب قرية الدالية الشيخ جاهد كغيره عدة مرات للفروع الأمنية وسُئلَ عن مشاركاته ونشاطاته وانتماءاته، وموضوع خطبه، وطُلب منه كما كان يطلب عادة من كل من حُقق معهم في تلك الفترة، أن يتعاون مع الأمن، وأن يُبلغ عن كل شخص يشك في معارضته للنظام، أو أي تحرك يراه مريباً..
وهنا كانت بداية الحكاية، والسنارة التي صادت صيداّ ثميناً لم يكن يخطر على بال المحقق الذي حقق مع جاهد في فرع المخابرات العسكرية بإدلب، وطلب منه عرضاً أن يتعاون مع الأمن ويصبح مخبراً لهم...
عاد محمد جاهد بنفسه ليعرض على المحققين أن يخترق التنظيم ويأتيهم برأسه، فهو ابن الريف المحافظ، وخطيب وإمام الجمعة في قريته، وله أصدقاء متدينين كثر، ويستطيع أن يخترق دون أن يشك به أحد، وعندما تفاجأ المحقق بعرض جاهد السخي، حوله لرئيس فرع التحقيق الذي حوله بدوره لرئيس فرع المخابرات العسكرية بإدلب.
كان جاهد يملك موهبة الكلام والاقناع، واستطاع أن يقنع رئيس الفرع بخدماته وإمكانياته، فاتصل رئيس فرع أدلب فوراً برئيس فرع المخابرات العسكرية بسوريا العقيد علي دوبا وشرح له عن صيده الثمين الذي لا يقدر بثمن، وكيف يمكن الاستفادة منه...
كان علي دوبا وبقية كبار ضباط المخابرات يتدارسون موضوع استدراج عناصر الطليعة من الخارج، فيبدو أنهم مسكوا برأس الخيط الذي ربما سيجر لهم بقية السبحة ويحقق أمانيهم التي كانت تبدو لهم صعيبة المنال..
وحتى تنطلي المسرحية على الجميع، طُلب من رئيس فرع إدلب اعتقال الشيخ جاهد، فتحركت قوة عسكرية مؤيلة نحو قريته، واعتقلت الشيخ جاهد من بين يدي أبويه وأخوته...
وبينما كان أبواه يدعوان له بالثبات والفرج، كان جاهد يجلس في دمشق مع علي دوبا وهشام بختيار وقادة الفروع الأمنية ويتدارس معهم الخطط والاستراتيجيات..
وبعد أن حفظ الدور الذي أوكل له، وأقنع دواهي الأمن وأساطينه بذكائه ودهائه، أُعطي رتبة رمزية، نقيب في المخابرات العسكرية وامتيازاتها من حيث المرتب وغيره، ووعده هشام بختيار أن تكون هذه البداية، والقادم أفضل له بعد تنفيذ المهام الموكلة إليه، وعاد إلى أهله وقريته، التي احتفلت بإخلاء سبيل ولدهم وشكروا الله وحمدوه على سلامته...
ولكن بعد أن مكث بين أهله فترة من الزمن، أسرّ لأهله ورفاقه، أنه مراقب من المخابرات التي تلاحقه في كل مكان وأن لديه معطيات أكيدة أنه سيعتقل مرة أخرى، و أنه سيتوارى عن الأنظار ريثما يؤمن طريقة للهروب خارج البلاد..
وفعلاً، وبتشجيع من والديه، تسلل عبر الحدود القريبة من قريته إلى تركيا ثم إلى العراق، ومكث فترة فيها، لكنه لم يجد ضالته في العراق، فسافر إلى عمان في الأردن.
وهناك استطاع أن يتصل بشباب الطليعة، ويعرّفهم على نفسه بأنه معتقل سابق وملاحق، بسبب نشاطه الديني المعارض..
ولم يجد صعوبة بالوصول إلى المهندس المدني عدنان عقلة قائد الطليعة المقاتلة في حلب والشخصية الأولى المطلوبة من النظام في تلك الفترة، بسبب نشاطه العسكري وخاصة حادثة مدرسة المدفعية التي خطط لها ونفذها مع النقيب إبراهيم اليوسف عام ١٩٧٩، والتي شكلت نقطة تحول في العمل العسكري ضد النظام في وقتها.
استطاع جاهد أن يتقن دوره ببراعة، ويظهر ورعه وخشوعه في صلاته، وأن يزرع محبته في قلب عدنان عقلة، وأن يعزز ثقته به...
وتأكيداً لهذه الثقة والمحبة، فقد زوّجه عقلة ابنة خالة زوجته، وهي أيضاً أخت شهيد للطليعة من عائلة القاطرجي المعروفة في حلب...
بعد كل هذا، لم يجد جاهد صعوبة في إقناع عدنان عقلة الذي كان متحمساً للعودة إلى الداخل السوري بأي طريقة لإحياء الجهاد، بأن لديه قواعد مهيئة وأماكن عديدة مخفيّة و عنيدة على النظام بسبب طبيعتها الجبلية الوعرة في قرى إدلب والجسر و جبل الزاوية، بإمكان تجميع شباب الطليعة فيها، والإعداد لإحياء المقاومة والانطلاق من جديد بالعمل المسلح ضد النظام..
فقد كان أبو عمار "عدنان عقلة" وهو المعروف بحماسه واندفاعه، وإعتداده بنفسه، وأخذه القرارات حتى المصيرية منها دون الرجوع لأحد في القيادة، ومن المعروف أنه قام بتنفيذ عملية مدرسة المدفعية دون استشارة أحد، حتى قيادته في حماة، و فاجأ الجميع بها، و كان قد يأس من البقاء خارج القطر، بلا فاعلية، وخصوصاً أنه كان يتهم أخوانه الموجودين في الخارج، بالتقاعس، والانهزامية، وترك الجهاد حسب رأيه...
وفعلاً، وافق أبو عمار على خطة أبي عبدالله الجسري "محمد جاهد" وتم افتتاح مكتب للطليعة في مدينة أنطاكية التركية، لمساعدة المجموعات في الدخول عبر الحدود التركية السورية من خلال طرق المهربين غير الرسمية..
وبعد أن دخل أبو عبدالله الجسري للداخل، بدأ عقلة بإرسال شبابه في مجموعات من خمسة أشخاص، و كانت كل مجموعة تتسلل عبر الحدود، تقع في كمين المخابرات العسكرية وتحاصر وتعتقل فور وصولها للداخل، وتجبر على إرسال رسالة للخارج بأنه تمت المهمة بنجاح، و أنهم وصلوا لقواعدهم سالمين، وينتظرون أخوانهم وقياداتهم أن يلحقوا بهم ليبدأوا بمقارعة النظام وهزيمته..
وتوالت المسرحية كما أراد لها الجسري وقادة المخابرات العسكرية، ونزل نائب عقلة أحمد الزيات (أبو الخير)، والذي أرسل بدوره لقائده أبي عمار يطمئنه بأن الأمور على ما يرام، ونحن بانتظار قدومك بأقرب وقت، وفعلاً، وفي شهر أيار من عام ١٩٨٣، تسلل أبو عمار عبر الحدود التركية إلى الداخل السوري، ووقع في المصيدة التي أعدت له ولشبابه، و أرسل رسالة مقتضبة للخارج: أنه بخير، والوضع ممتاز، وأنه قرر البقاء في الداخل، وأنه مشغول بتدبير الأمور والإعداد للمرحلة القادمة، وإن عليهم أن يسمعوا و يطيعوا نائبه أبا الخير الذي سيتولى مهمة المراسلات معهم.
وكانت رسائل أبي الخير (الذي ضعف تحت التعذيب الوحشي وأصبح كالخاتم بيد الأمن، ينفذ أوامرهم كما يرغبون) تصل بانتظام لمسؤول الطليعة في تركيا والذي يوزعها بدوره لمن بقي من قاعدة الطليعة في الخارج وهم: أبو العلا "هاشم شعبان" وأبو النور "غسان أبا زيد" وأبو صالح "عبد الستار عبود" وأبو عمر زرعيد وأسعد بساطة وشقيق أبي عمار أبو نبيل عقلة.
ومع انقطاع أخبار أبي عمار، بدأت الشكوك تدور في رؤوس أفراد الخارج، فأرسلوا أبا أسامة كمبعوث لمقابلة أبي عمار والاستفسار منه مباشرة عن سبب انقطاعه عن مراسلتهم، لكن أبا الخير التقى أبا أسامة في قاعدته الجبلية، الذي طمأنه عن أبي عمار، وأنه لم يستطع القدوم لمقابلته بسبب بعض الظروف الأمنية...
وأرسل أبو الخير مع أبي أسامة على شريط كاسيت رسالة بصوته، يطمئن أخوانه في الخارج، وطلب منهم عدم الاستماع لأراجيف المثبطين، والاهتمام فقط بالاعداد للنزول إلى ساحات الجهاد التي اشتاقت إليهم..
لكن زيارة أبي أسامة وعدم لقائه بأبي عمار لم تشفِ غليل شباب الخارج الذين يريدون أن يطمئنوا على زعيمهم، فنزل طليعي أخر هو "أبو ثابت الخطيب" ليتأكد مرة أخرى، وعاد أيضاً ليطمئنهم أن الأمور بخير ولكنه لم يتمكن من مقابلة أبي عمار.
ثم عاد الخطيب ونزل مرة ثانية مع طليعي أخر، عسى أن يتمكن من مقابلة أبي عمار، لكنهما لم يعودا هذه المرة، وأرسل أبو الخير ليبلغ الخارج أن الخطيب ومرافقه حوصرا بعد دخولهما الأراضي السورية من الأمن واستشهدا.
وهكذا صار مجموع من دخل من الطلعيين للداخل نحو سبعين طليعياً....
وللمأساة بقية....
في الصورة أعلاه: محمد جاهد دندش الذي كان بالنسبة للطليعة كيهوذا مع المسيح عليه السلام...