كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نظرة تاريخية موجزة في:《نظام الملّة》

إلياس بولاد

هذا النص مقتبس من كتاب: "النزاعات الطائفية في تاريخ لبنان الحديث".
"خضعت طوائف مسيحية ويهودية لسلطة المسلمين وهم في طور تنظيم انفسهم سياسيا. ولأن القانون في الدولة الاسلامية ديني وغير اقليمي Non -Territorial كان لا بد من تحديد العلاقات مع الطوائف الدينية
المختلفة. وقد أصبحت المشكلة ملحة بنوع خاص مع توسع الحدود الاسلامية لتشتمل على الاراضي
السابقة للامبرطوريتين البيزنطية والفارسية. وسرعان ما وضعت مجموعة من القوانين التي تعين الحقوق والمسؤوليات التي تربط غير المسلمين بالدولة الاسلامية. وارتكزت بعض هذه القوانين على نصوص قرانية، في حين استند الباقي على سوابق وضعها النبي، او على الأعراف المعمول بها في زمن الفتوحات.
يقسم قانون الامم الاسلامي العالم الى قسمين: دار الحرب ودار الاسلام. أما دار الحرب فتعتبر معسكرا معاديا، ينتظر الفتح والهدى الى العقيدة الاسلامية الكونية.
أما دار الاسلام فتشتمل على جميع الأقاليم ااواقعة تحت حكم الاسلام. وداخل حدود العالم الاسلامي، جرى تمييز الاقوام على أساس العقيدة الدينية. وبينما خضع جميع المسلمين لأحكام الشريعة تم تصنيف رعايا الدولة غير المسلمين الى فئتين: أهل الذمة والكفار. ولم يكن الاخيرون يتمتعون بأية حقوق شرعية ضمن الدولة الاسلامية
وكان خيارهم الوحيد الاهتداء أو الموت، هذا تتألف أهل الذمة الى اتباع الديانتين المسيحية واليهودية.
وعلى الصعيد التاريخي، عقد الرسول في أوائل عهد الاسلام، مع المسيحيين واليهود (مسيحيو نجران ويهود خيبر) معاهدات قدّم المسلمون لهم فيها الحماية على أرواحهم وممتلكاتهم مقابل خضوعهم لسلطة الحكام الجدد ودفعهم الجزية. وبموجب هذه المعاهدات التزم المسلمون كذلك بمنح أهل الذمة حرية الممارسة الدينية، والاحتفاظ بقوانينهم الخاصة. وقد أصبحت المبادئ التي احتوتها المعاهدات السالفة الذكر بمثابة أساس لجميع السياسات الاسلامية اللاحقة ازاء المسيحيين واليهود.
وبعد توسيع الحدود الاسلامية، واجه الحكام الجدد وضعا يتمثل في تفوق أعداد غير المسلمين على المسلمين. ولذا قضت الضرورة فضلا عن العقيدة الدينية بتبني موقف مرن من السكان في الاقطار المحتلة.
ولأن التجربة أثبتت فعالية الترتيبات المتخذة سابقا، كان من الطبيعي أن يستمر الحكام الجدد في تطبيقها على الوضع الجديد. كما أنهم اختاروا ايضا المحافظة على اوضاع اخرى موروثة من زمن الفتوحات.
ولدى قيام الدولة الاموية وتوطيد أركان الاسلام، اتخذت اجراءات لتعميق الصبغة الاسلامية للدولة. وفعلا وضعت قوانين توضح الفوارق بين أهل الذمة والمسلمين، وانطوى بعضها على تمييز واضح. فقد منع أهل الذمة من ارتداء الزي العربي، واجبروا على ارتداء زنار، وعدم حمل السلاح، واستخدام اسراج خشبية، وحلق شعورهم فوق الجبين والامتناع عن ارتداء ثياب من ألوان معينة.
ولم يكن الحكام المسلمون الذين اتخذوا هذه الاجراءات دوما مدفوعين بدوافع ثابتة محددة. ففي حين استهدف البعض ثني المسلمين عن التفاعل مع غير المسلمين، وكان البعض مدفوعا باعتبارات الأمن او بالتعصب الديني الصرف. كانت هذه الاجراءات... تختلف في عددها بين الحالة والاخرى، تبعا لدرجة تعصب الحكومة القائمة، ويتفق المؤرخون في الاعتقاد بأن تطبيقها الدقيق المشدد لم يكن يتم الا بشكل متقطع، بحيث فصلت سنوات من التساهل الكبير بين فترات قصيرة من التشدد. وعلى الرغم من ذلك، أدى النظام المللي، بأصوله في آوائل عهد الاسلام بالإضافات التي زيدت عليه فيما بعد الى تعويق التحام العناصر المتباينة في المجتمع. وقد شجعت سيطرته المستمرة لقرون طويلة على حفظ الولاءات القديمة والتجمعات الاجتماعية المتباينة.
ان تجزئة آخر دولة اسلامية، اي الدولة العثمانية، الى وحدات سياسية وطنية- علمانية وما تلاها من اقامة المساواة القانونية بين المواطنين، لم يطمس بعد الحواجز الاجتماعية- النفسية الموروثة بين اتباع المعتقدات المختلفة.
الى جانب تجزئة المجتمع الى طوائف دينية متعددة، خلف النظام المللي بقايا اخرى، تشتمل على انشقاقات بين المسيحيين والمسلمين فضلا عن الانشقاقات بين الطوائف المسيحية، تتميز بالريبة، والمرارة والكره. كما ان مساوئ النظام المللي التي تسببت في بعض الاهانات والحرمان والعجز، تركت في نفوس المسيحيين، شكوكا عميقة الجذور حول التسلط الاسلامي حتى بعد ازالة المظالم والتحيزات. وحتى في آواسط القرن التاسع عشر عندما حاولت الدولة العثمانية تخفيف المظالم المفروضة على المسيحيين بواسطة سلسلة من الاجراءات الاصلاحية عُرفت بـ"التنظيمات" لم يُظهر المستفيدون من المرسوم الكثير من علامات الابتهاج. لقد جعلتهم قروناً من الخبرة نزّاعين الى الارتياب، وفضّلوا الشرور التي يعرفونها على الخيرات المقبلة.
ولا بد من امعان النظر في جانب أخير من النظام المللي المسؤول عن بعض الصفات المعاصرة للطوائف المسيحية، وقد نشأ هذا الجانب في المراحل التكوينية للدولة العثمانية، في أعقاب سقوط القسطنطينية عام
١٤٥٣م. فالفاتحون الأتراك واجهو اانذاك حالة مماثلة للحالة التي واجهها الفاتحون العرب في القرن السابع، ذلك انه كان في المدينة والمناطق المحيطة بها سكان مسيحيون فاقت أعدادهم كثيرا أعداد المسلمين القادمين حديثا. فأية ترتيبات يمكن اتخاذها لضمان استقرار النظام الجديد والمحافظة على ديمومته في ان معا؟
هنا أوحت الاعتبارات العملية أن يكون هناك أقل قدر من التدخل في الشؤون الداخلية للطوائف المسيحية وتشجيع عوامل التفرقة بينهم. ولذا حوفظ على النظام المللي، بل وجرى توسيعه، وفي هذا المجال شجع محمد الفاتح على انتخاب بطريرك للمقعد الشاغر في الكنيسة الأرثوذكسية وقلّده الصولجان البطريركي مع سلطة كاملة على طائفته من الناحيتين الدينية والزمنية، وأعفاه من السلطان القضائي الاسلامي بحيث لم يكن مسؤولا إلّا لشخص السلطان، وفي الشؤون القضائية أي في القضايا المدنية الجنائية ومسائل الاحوال الشخصية كما منح سلطة جبي الضرائب التي تدين بها ملته للدولة، وباختصار، صارت الطائفة تتمتع بالحكم الذاتي تقريبا وغدت دولة ضمن دولة. وقد تبع ذلك أيضا منح السلطان العثماني الامتيازات عينها للبطريرك الأرمني ولكبير حاخامي اليهود في القسطنطينية. وللزعماء الدينيين للطوائف المسيحية الباقية. وطبق النظام المللي بجميع أنحاء الامبرطورية ليشمل افريقيا الشمالية والشرق الادنى واجزاء من اوروبا.
لقد نتج عن تطبيق النظام المللي، ثلاث نتائج بعيدة الاثر:
أولاً: عمق الحواجز بين الملل المختلفة، وأسهم أكثر فأكثر في تنفير بعضها من بعض، كما أدى الى ازدياد اعتماد الفرد على طائفته، وفي الوقت ذاته تشديد قبضة الطائفة على أعضائها. ولقد شكّل انغلاق الطوائف على نفسها وشعورها بالتميز أرضا خصبة لتوليد العداوات والشكوك.
وأخيرا تمثلت النتيجة الثالثة للنظام المللي العثماني في منح سلطات واسعة لرجال دين كل طائفة، ومنذ ذلك الحين، أصبح الاكليروس المسيحي ناطقين، مجازين قانونيا، بلسان طوائفهم وغدوا الزعماء الذين لا يمكن الشك في سلطتهم....
 
 
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع