د. حبش: رسالة الإخاء الإنساني ومستقبل التنوير في سوريا والمشرق العربي
2025.05.18
صحيفة بثينة الإماراتية - شخصية العدد
في أطول حوار من نوعه (تسع صفحات) حول حياتي الدينية والسياسية، ورسالة الإخاء الإنساني، وإخاء الأديان، ومستقبل التنوير في سوريا والمشرق العربي.. الدعوة للمصالحة والغفران في سوريا
نص الحوار:
- نشأتم في بيئة إسلامية محافظة، حيث درستم العلوم الإسلامية في المعهد الشرعي للدعوة والإرشاد ونلتم شهادة الماجستير في الشريعة وشهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية.. لو تحدثنا عن البيئة التي نشأتم فيها بدمشق، ونتعرف عن سيرتكم الذاتية؟
كانت بدايات جميلة، نحن من أبناء حي الميدان الدمشقي، وهو حي يزدحم بالشخصيات الوطنية المعروفة، وقد انتقل والدي للعيش في جبل قاسيون وولدت هناك في أعلى بيت في هذا الجبل الشامخ، عند صخرة المنقار، ثم انتقلنا للعيش في ساروجة وهو حي دمشقي جميل كان يسمى استانبول الصغرى، وهو حي هادئ ووديع تزينه الحنفيات العامة، ومقاهي البلد، والشوارع المبلطة وأقدم مكتبات العاصمة.
التحقت بالدراسة الدينية مبكراً وحفظت القرآن كاملاً في الثالثة عشـرة، ورزقت صوتاً جميلاً، وصل بسـرعة إلى كل وسائل الإعلام، وأحبه الناس، وصعدت منبر الجمعة في السابعة عشرة حيث خطبت بلا انقطاع ثلاثين عاماً في مسجد الزهراء بدمشق الذي صار موعداً لطلاب الجامعات في دمشق، وأطلقت بالتالي سلسلة برامج إذاعية وتلفزيونية في دمشق نالت قبولاً كبيراً، وقد ساعدني هذ الحضور الإعلامي الكبير والتفاعل مع الناس في المساجد والمراكز الثقافية والكنائس على تكوين رسالتي في التسامح والإخاء الإنساني، وتبنيت موقفاً واضحاً في إخاء الأديان، والدعوة إلى إصلاح المناهج الدينية التي كانت سبباً في نمو التطرف القاعدي في تلك المرحلة وما جاء به من ويلات على البلاد الإسلامية.
.
- انخرطتم في العمل السياسي ونلتم ثقة الشعب من خلال فوزكم بالدخول للبرلمان كنائب بمجلس الشعب لدورتين.. لو تحدثنا عن تلك الفترة؟
رسالتي إنسانية وفكرية، ولم أكن أفكر بالشأن السياسي مباشرة، وكان دخول مجلس الشعب خيار اضطرار، فقد واجهت عام 2003 سلسلة من التحديات الكبيرة عبر السلطة الدينية الرسمية، التي رفضت بقوة ما أدعو إليه من رسالة الإخاء بين الأديان، ورفضت نقدي المباشر للمناهج الدينية، ووجدت نفسـي مهدداً في رسالتي، في حين أنني كنت أحظى بحضور شعبي كبير، وبالفعل رأيت من المفيد ان أدخل مجلس الشعب الذي سيساعدني على خدمة الناس وبالتالي على خدمة رسالتي في التنوير التي كانت على وشك أن تدفن في مهدها بفتاوى المتشددين.
كان الطريق سالكاً إلى مجلس الشعب 2003، وحصلت على أعلى الأصوات، ولا يمكنني أن أقول إن السلطة كانت ضدي في الانتخابات بل يمكن القول إنها كانت منقسمة، فهناك السلطة الدينية الرسمية الأوقاف والفتوى والشيخ البوطي ومعهم مجموعة من فروع المخابرات كانت تقوم بمهاجتي في كل مكان بعنف، في حين أن طيفاً آخر من السلطة كان يرى أن هذا التيار ضروري ومن مصلحة الجميع أن يظهر إلى العلن.
خلال خدمتي في الدورة الأولى طرحت عدداً من القضايا الصادمة منها إلغاء حالة الطوارئ وإلغاء قوانين الإعدام بما فيها قانون 49 السـيء الذكر، وطالبت بحرية الأحزاب وإلغاء المادة الثامنة التي يحتكر فيها الحزب الدولة، وإلغاء التجنيد الإجباري الذي كان السبب الأول لهجرة الكفاءات من سوريا.
وهكذا فإن الطريق إلى مجلس الشعب 2007 بات أصعب وأكثر تحدياً، فقد وجدت نفسـي في مواجهة مع قوائم الحزب وأيضاً في مواجهة أخرى مع القائمة المستقلة المدعومة من السلطة، حمشو وزملاؤه، وصار من الصعب أن تجد تأييداً من السلطة بعد تصـريحاتك الأخيرة، ومع ذلك فقد نجحت مرة أخرى، ولكنك كنت تواجه عيناً مخابراتية حمراء.
.
- في عام 2012 بعد انطلاق الثورة بسوريا قررتم الانشقاق عن المنظومة الحاكمة ومغادرة سوريا ..كيف اتخذتم هذا القرار الجريء، وخاصة أنكم كنتم محسوبين على النظام الحاكم، وعلى ماذا راهنتم؟
كان عام 2011 قاسياً على السوريين، فقد تفاقمت المظالم التي عجز النظام عن حلها، واندفع الناس للثورة في كل مكان، وبدا أن البلاد ذاهبة إلى أيام صعبة، وأنه من المستحيل حكم البلاد بالقبضة الحديدية التي مارسها النظام عبر العقود الخمسة الماضية، وقمت على الفور مع نحو ثلاثين نائباً مستقلاً في مجلس الشعب بتشكيل الطريق الثالث الذي يدعو إلى وقف العنف والإفراج عن المعتقلين والانتقال مباشرة إلى حوار وطني جامع، ينهي حكم البعث، ويشارك فيه الجميع، وبالفعل نجحنا في دفع السلطة إلى عقد هذا المؤتمر الوطني في فندق صحارى تموز 2011 وفي لقاء مع الرئيس قال: أعطوني توصيات مؤتمركم وأنا أحولها إلى مراسيم!!! بالفعل عمل الجميع بإخلاص بقيادة الرجل الوطني نائب الرئيس فاروق الشرع ووصلنا إلى التوصيات الصحيحة، وهي لا تختلف عما هتف به الثوار في كل مكان، وقف العنف وإخلاء السجون وتغيير الدستور وتأسيس المجلس الأعلى لحقوق الإنسان من السلطة والمعارضة.
حين تم إعداد التوصيات قراها الأستاذ فاروق الشرع وقال أعطوني ربع ساعة، وبالفعل اتصل مع الرئيس وأخبره بمضمون التوصيات وأنها ستغير كل أساليب السلطة في الحكم، وتنتقل إلى سوريا جديدة، وبعد دقائق عاد فاروق الشرع متهللاً ووقع كل التوصيات!!
هللنا في كل مكان ورفعنا الأصوات بالفرح والخلاص والنجاة، وقلت شخصياً في قناة الجزيرة لقد انتهى حكم المخابرات وبدأت سوريا جديدة بدون انهيار النظام وبدون الدخول في الفوضى..... وهكذا بتنا ننتظر صدور المراسيم...
للأسف مضت الأيام ثقيلة ولم يصدر شيء، وتحركت الدولة العميقة لتجهض كل ما تم الاتفاق عليه، وبدا أن الرئيس قد تنصل من كل وعوده، وخلال أسابيع تشكل الجيش الحر وتحولت المواجهات من معارضة سياسية إلى اشتباك حربي، ولم يعد للعقل والمنطق مكان في زحمة الصراع، وأصبحنا مهددين من الجانبين، كانت أياماً صعبة بالفعل، قام فيها النظام يمنعي من العمل الديني كله، وأغلق مركز الدراسات الإسلامية الذي أملكه بالسمع الأحمر، ثم ألغى جمعية علماء الشـريعة (أرباب الشعائر الدينية) التي انتخبت رئيساً لها مرتين، وبعد حديث صارخ في مجلس الشعب بحضور الحكومة، قام فيها نواب موالون بمهاجتي وتهديدي بعنف، وتلا ذلك تهديدات صريحة بالاعتقال من الأمن العسكري، ومحاولة اغتيال، ومداهمة لمنزلي في منتصف الليل، الأمر الذي أجبرني على الخروج من سوريا في الساعات الأخيرة.
التحقت بالعمل في الإمارات وحصلت على عقد في جامعة أبو ظبي في كلية القانون وما زلت أعمل فيها إلى اليوم.
.
- انضممتم إلى المعارضة السورية بالخارج .. كيف كان التنسيق مع الفرقاء السياسيين بالداخل والخارج، وكيف تقيمون تلك الفترة التي لم تحقق أهدافها لإسقاط نظام الأسد؟
في الحقيقة لم أنضم إلى أي فريق في المعارضة، لقد شاركت بفعالية في كل نشاط يخدم السوريين، ويحاصر الأجهزة القمعية الباطشة في سوريا، ولكنني لم أنضم إلى أي تكتل في المعارضة وفضلت أن أبقى صديقاً للجميع.
ولكن كمراقب يمكنني القول إن الثورة السياسية فشلت في تقديم زعيم وطني يحظى بالأغلبية، لم نستطع إنتاج زعيم كعرفات مثلاً يحقق رمزية للثورة السورية، وبالمقابل فإن توجهات الثوار باتت متناقضة تماماً، وهو الأمر الذي أحرج الدول الداعمة التي بدأت تدريجياً تغيير مواقفها في دعم الثورة السورية.
.
- خلال تلك الفترة أعلنتم عن موقفكم من الأحداث في سوريا، من خلال رفض الحل العنيف الذي تبناه النظام وأيضا رفض التسلح الذي قام به الثوار وعسكرة الثورة، حيث دعوتم إلى إلقاء السلاح والجلوس على طاولة الحوار.. هل تتصورون أن ذلك كان أن يجنب الدولة السورية كل الدماء التي سالت والعدد المهول للاجئين السوريين في كل دول العالم، خاصة في ظل تدويل الملف السوري؟
نعم .. أعتقد أن النظام كانت لديه فرصة حقيقة لإنقاذ سوريا لو أنه طبق تعهده بتنفيذ توصيات مؤتمر صحارى، لقد كانت آخر مرة يجلس فيها النظام مع شعبه، ومع أن الطيف الذي شارك في المؤتمر هو المعارضة الداخلية التي كانت لا تتبنى العنف، وتطالب بالتغيير السلمي، ولكن ذلك لم يقنع النظام بالتقدم أي خطوة واختار الاستمرار في العنف إلى النهاية، ووقعت الكارثة على نحو لم يتوقعه أشد المتشائمين.
.
- 8 ديسمبر تاريخ مفصلي بسوريا.. كيف تفاعلتم مع الأحداث بعد وصول أحمد الشرع للرئاسة في الفترة الانتقالية؟
- هل تعتبرون أن النظام السوري انتقل من الاستبداد والديكتاتورية للإسلام المتطرف السلفي، وذلك من خلال هوية الحكام الجدد؟
بالتأكيد كنا ننتظر رحيل النظام كسائر السوريين، كانت أمنيتي أن يرحل بأسلوب حضاري عبر القرار الدولي 2254 وكان ذلك سيجنبنا ويجنب الموالين له نزعات الانتقام التي نراها الآن بشكل مرعب، ولكنه للأسف لم يفعل شيئاً من أجل ذلك، لقد استمر في الاستكبار والغرور إلى النهاية، وقبل سقوط النظام بعشـرة أيام وجهنا له نداء عبر خمسين نائباً في مجلس الشعب للرحيل عبر الأمم المتحدة، ولكنه لم يلتفت إليه واختار الهروب المهين والمذل وترك الموالين له في مواجهة أقدار قاسية.
لقد فرحنا بسقوط النظام، وأنا شخصياً لم أكن أحلم بزيارة سوريا، لقد حكم علي بالإعدام وصادر كل ما أملك، ومن حقي أن أفرح بانتصار الثورة، كأي سوري حرمه النظام من تراب سوريا ومائها وهوائها.
.
- كيف ترون مسار الانتقال السياسي بسوريا خاصة بعد انفراد أحمد الشرع بالحكم وعدم تشريكه للمعارضة الوطنية بالخارج سابقا، التي كان لها الفضل بالتمهيد لهذا التغيير؟
الواقع الجديد ورث وطناً محطماً بكل المقاييس، وهو يعمل بنشاط لتجاوز المرحلة، من المؤسف أنه لم يحقق الانفتاح المطلوب، ولكنه نجح نسبياً في التعامل مع المسألة الكردية وقد وضعت على سكة الحل وهذا إنجاز مهم يحسب له ولقيادات قسد.
كما يحسب له تجاحه في وقف التجنيد الإجباري وهو السب الرئيس لهجرة السوريين وتدمير مستقبلهم، وقد طالبنا بذلك مراراً في البرلمان دون جدوى.
ويمكن القول إن وتيرة التصـريحات السياسية أسرع بكثير من التغيير الواقعي، ولا تزال التيارات الصلبة في فريق الشـرع على عقيدتها الأولى في الحفاظ على أصولية صارمة، وهي تطلق بين الحين والآخر مبادرات تسيء للدولة السورية وتحرجها، ولا يبدو أن السيد الشـرع قادر في هذه المرحلة على تجاوزها أو مواجهتها.
.
- تحدثتم في عدة لقاءات عن الدولة العلمانية وتطبيق الشريعة، حيث تحدثتم عن إمكانية بناء الدولة المدنية وفق مرجعية إسلامية وبأدوات ديمقراطية.. كيف ترون هوية الدولة في الدستور الجديد؟
كلنا يسعى لدولة ديمقراطية حرة، تحمي كرامة الإنسان، وهذا يتطلب إعلاء سقف الحرية على كل خيار تشريعي، وبناء على ذلك فإن كثيراً من السوريين اعتبروا أن مادة الفقه الإسلامي في الدستور ستمع كل رأي حر، وستفرض نمطاً ثيولوجياً في التشريع.
في هذه النقطة لا أتفق، وأعتقد أن النص على مرجعية الفقه الإسلامي لا يلغي حق المؤسسة التشريعية في الاختيار والتشريع، فالنص على مرجع رئيسي للتشـريع عرف دستوري، حتى الدول العلمانية فإنها تعتبر التطبيقات السابقة للقانون مرجعاً أساسياً للتشريع، وتجتهد أن لا يخرج التشريع الجديد عما أقرته البرلمانات السابقة.
وهنا لا بد من بيان نقطتين:
الأولى: إن التعبير بالفقه الإسلامي يختلف عن الشـريعة، فالشريعة هي النص الإلهي الموحى به من قرآن وسنة، أما الفقه فهو الإنتاح البشـري في الحقل التشـريعي، وهو يشمل كل ما أنتجه الفقهاء الراحلون والمعاصرون، ويدخل فيه كل مداولات التشـريع في البرلمانات العربية والإسلامية الحديثة.
الثاني: إن تسمية الفقه الإسلامي مرجعاً رئيسياً لا يعني بالضرورة أنه المرجع الوحيد، بل هو أحد المراجع الأساسية، التي تغني مكتبة البرلمان وتوفر خيارات متعددة لرجال التشـريع، والفقه الإسلامي ليس رأياً واحداً، بل هو تنوع غني في الفقه والاجتهاد، من أقصـى التطرف إلى أقصـى التسامح، والمسألة تكمن في الاختيار، فهذا الاختيار هو مسؤولية وأمانة، وفي الفقه الإسلامي فالمسألة محسومة، فحين يختار ولي الأمر (الدولة بمؤسساتها التشـريعية) رأياً فقهياً، فإنه يصبح هو الرأي الراجح على كافة الآراء، ويمكنني القول دون تردد أن هذا يحصل في سائر التشريعات في الدنيا، فالتطبيقات والمداولات السابقة على القانون تعتبر دوماً مصدراً رئيساً في إنتاج التشريع الجديد.
يعني لو أن سوريا قررت أن تكون حداثية للغاية، وتعاقدت مع شركة قانون نرويجية أو أسترالية لوضع قوانين حديثة لسوريا، فمن أين تبدأ؟ قد نتصور أنها ستأتي بنموذج نرويجي أو أسترالي؟ أعتقد أن وهماً كهذا يعني أننا لا نفقه شيئاً من أصول التشـريع، وسيكون القانون المنزل بالباراشوت عملاً مؤذياً للجميع، ولن يأتي بأية نتائج.
المنطق أن هذه الهيئات المتخصصة ستقول: أعطونا أولاً القوانين التي تعودتموها خلال العقود الأخيرة، وسنحاول أن نطورها تدريجياً بما يستجيب لحاجات العدالة والتنمية، وهذا بالضبط ما يسعى إليه المشرع الواعي دوماً.
لا أعتقد أن المعركة التي يشنها العلمانيون ضد مادة الفقه الإسلامي مبررة، فالفقه الإسلامي هنا هو مكتبة مجانية عريضة، فيها من كل زوج بهيج، ولكن الاختيار منها هو المسؤولية، ومن المؤكد أن النص الدستوري لا يلزم بأي مذهب من المذاهب أو رأي من الآراء.
.
- ناديتم منذ سقوط نظام الأسد للسلام والعدالة الاجتماعية وعدم اتخاذ مسار العدالة الانتقامية من خلال تدويناتكم على صفحات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد الأحداث المروعة والمجازر التي ارتكبت في حق الأقليات من الطائفة العلوية والمسيحية.. وبالتالي كيف للهيئة التي تشكلت لتقصـي الحقائق أن تعاقب الجماعات المسلحة التي وثقت بنفسها كل الفيديوهات للمجازر المروعة؟
كنت أتمنى أن ننجح في منطق اذهبوا فأنتم الطلقاء، لقد رفع هذا الشعار يوم انتصار الثورة وكان له فعل السحر في منع العنف، وشعر الجميع أننا نطوي زمناً ونفتتح زمناً آخر، لقد كنا بحاجة بالفعل أن نطوي الماضي بكل فظائعه، ولكن غرائز الثأر تحركت في وجه منطق الرحمة والغفران، (ونتيجة ظهور مجموعات مسلحة من الفلول وقيامهم بقتل عناصر من الأمن العام في مكاتبهم) أعلنت الدولة أنها ستستأنف القتال ضد كل من حمل سلاحاً بوجه الثورة، وهذا العنوان العريض يعني تلقائياً محاسبة أكثر من مائة ألف سوري على أقل تقدير، وباتت المجتمعات التي كانت موالية تعيش في رعب كبير، خاصة ان أحداً لا يعرف المطلوبين على وجه التحديد، ووقعت سلسلة اشتباكات دامية، أفسدت ما عشناه من صوفية جميلة في الأسابيع الأولى لانتصار الثورة.
ومع ذلك فإن علينا الاعتراف أن الطرف الوحيد القادر على أن يحمي المجتمع هو الدولة السورية بأجهزتها الشـرطية والأمنية، كما أن مصلحتها الحقيقية تكمن في تحقيق الأمن ومنع الفوضى، ولا خيار آخر، وقد شكل الرئيس الشرع لجنة قضائية متخصصة كلفت بتحقيق صارم خلال شهر وننتظر النتائج التي نأمل أن تكون شفافة وشجاعة.
.
- انتقلتم للعيش بمدينة أبوظبي للعمل كأكاديمي بالجامعة لتدريس المساقات الاسلامية.. لو تحدثنا عن هذه التجربة وماذا أضافت لمسيرتكم المهنية؟
لقد باشرت التدريس في جامعة أبو ظبي منذ 2012 وكان ذلك مصدر سعادتي، وتعرفت على آلاف الطلبة وأرجو أنني قدمت لهم مفيداً وجديداً في حياتهم ومعارفهم، وأعتبر جامعة أبو ظبي إحدى معالم النهضة الأكاديمية الرائدة في الوطن العربي.
.
- حضرتك كمفكر لكم أنشطة قيمة في مجال العلاقات الإنسانية والشريعة السمحة والإسلام المعتدل.. لو نتحدث عن انشطتكم في مركز دراسات الإخاء الإنساني؟
مركز دراسات الإخاء الإنساني استمرار لمركز الدراسات الإسلامية بدمشق الذي أغلقه النظام، وهو مؤسسة خاصة أطلقناها في الإمارات ضمن نشاط مدينة الشارقة للنشر، وهي صرح حضاري فريد، وهي أول مدينة مخصصة للكتاب والنشر في العالم، ونحن نصدر باستمرار كتباً ودراسات في الإخاء الإنساني، ولدينا تصور واضح في إخاء الأديان وكرامة الإنسان، ونعمل على منع احتكار الحقيقة واحتكار الدين واحتكار الخلاص، ونؤمن بأن الله رب العالمين، وان الخلق جميعاً عياله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.
- تتبنون خطاب عددا من قضايا التجديد الديني.. كيف يمكن تنوير الخطاب الاسلامي في ظل التطرف الديني والاسلاموفوبيا التي يشهدها العالم؟
إن دعوة الإخاء الإنساني والمصالحة بين العلم والدين، وبين المسلم والعالم لا يمكن أن تتم إلا بإصلاح ديني حقيقي، يتناول كثيراً من الثوابت السلفية، التي تؤكد بصراحة أنه لا يجوز احترام أي عقيدة إلا الإسلام، وأن العقائد الأخرى زيف وضلال، ويطلق السادة السلفيون على غير المسلم لقب كافر، وهي ليست محض توصيف عقدي، بل هي رسالة تحريض، إن الاختلاف بين الكفر والإيمان لا يعتبر عند السادة السلفية موقف رأي، بل هو كفر يتعين محاربته بكل الوسائل ومنها بالطبع السيف، والحديث المشهور في ذلك: أمرت أن أقاتل الناس على يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم!
لا يمكنك أن تدعو إلى الإخاء الإنساني من غير أن تخوض مواجهة عميقة مع كثير من النصوص، وعلينا أن نواجهها بآلة أصول الفقه الإسلامي نفسه الذي يسمج لنا بالحكم بشذوذ الحديث ولو كان قوي السند إذا خالف ما هو أوثق منه، وكلنا يعلم أن الآية الكريمة: لا إكراه في الدين هي أوثق من أي حديث.
- انتخبتم في عام 2006 نائباً لرئيس المنتدى الإسلامي العالمي للوسطية، وعضو في اتحاد الكتاب العرب وعدد من المنظمات الإسلامية الدولية والمحلية وأيضا مستشار في المجلس العالمي للتسامح والسلام وبمركز الدوحة لحوار الأديان، ومنسق بالبرلمان العالمي للسلام.. كيف تقيمون تجربة دولة الإمارات الرائدة في نشر التسامح والسلام من خلال اطلاق وثيقة الأخوة الانسانية؟
في هذا العالم الواسع لدينا شركاء كثيرون يعملون للإخاء الإنساني ، ومن الطبيعي أن نتعاون معهم، ومنهم هذه الهيئات التي ذكرتيها وهناك عشـرات الهيئات الأخرى التي نتعاون معها لتعزيز أصوات الإخاء الإنساني، ومقاومة التطرف والتعصب والتمييز الديني، لقد تجاوزنا الفكرة النمطية بأن العالم يتآمر علينا، وهي فكرة سامة أجهضت النهضة العربية والإسلامية، وعملنا بروح إيجابية مع هيئات السلام والتسامح في العالم، ورأينا ناساُ يشبهوننا في أفكارهم وتوجهاتهم، وقناعتي وديني أن العالم ليس جمعية خيرية، ولكنه أيضاً ليس وكر ذئاب، وحين تدعو إلى الإنسانية فإنك ستجد ظهيراً لك من كل الأمم.
.
-أصدرتم 52 كتاباً مطبوعاً في قضايا التنوير الإسلامي.. كما أن لكم كتابات في الصحف العربية، وشاركتم ببرامج على المحطات الفضائية والإذاعات العربية.. هل تمكنتم من ايصال خطاب متجدد يتناسب مع كل التغيرات السياسية والاجتماعية التي يشهدها العالم؟
- لكم عدة مؤلفات منها، نذكر منها:
* مسيرة رسول الله - ترجم إلى الإنكليزية والرومانية
* النبي الديمقراطي
* المسلمون وعلوم الحضارة
* إسلام بلا عنف
ماهي آخر اصداراتكم، وفي أي مجال؟
الكتاب منبر أساسي لا غنى عنه لنشـر الفكرة، وقد نجحت بحمد الله في إصدار مجموعة من الكتب التي أعتبرها ثورية وتغييرية، وكتابي سيرة رسول الله طبع اثنين وأربعين طبعة، ولا أعلم في المكتبة العربية المعاصرة كتاباً طبع بهذه الكثرة، أما مصحف التجويد الذي أشرفت عليه علمياً فقد طبع عشـرات المرات وصدر منه أكثر من أربعين مليون نسخة في العالم وحظي بانتشار كبير جداً.
وفي صفحتي التي أشرح فيها كتبي هذه على فسبوك يبلغ عدد الزوار شهرياً أكثر من عشـرين مليوناً، وهو رقم نادر في الصفحات الفكرية، ولكنه دليل آخر على أن الفكر أيضاً له جمهوره وأن التسامح والاعتدال له جمهوره الكبير.
ويتوفر على الأنترنت أكثر من 60 كتاباً من كتبي البالغة نحو 77 كتاباً، وقد ترجم عدد منها إلى الإنكليزية والتركية والفارسية والأفغانية والرومانية، وآمل أن تؤدي الرسالة التي نتمناها في نشر ثقافة السلم واللاعنف، وبالتالي في مواجهة التطرف والتكفير.
وفي السنوات الأخيرة أصدرت سلسلة كتب، وهي واضحة المضمون من عناوينها، عبر دور المحيط وسائر المشرق ومؤمنون بلا حدود، كما تولت دار نفرتيتي نشرها في مصر:
• إخاء الأديان، وفيه نتبنى موقفاً جديداً في احترام كل الأديان في العالم، والبناء على الإيجابي فيها، وركز الكتاب بشكل خاص على الأصول الإسلامية المؤسسة لثقافة إخاء الأديان، والرد على الذين تصوروا استحالة ذلك دينياً.
• عدالة لا انتقام: الذي يتحدث عن إصلاح نظام العقاب في الإسلام والتحول من العقاب الجسدي إلى العقاب الإصلاحي، والتأكيد على روح العدالة في الإسلام بعيداً عن نزعة الثأر والانتقام
• أحرار لا زنادقة: وهو دفاع عن قادة التفكير العقلي في التاريخ الإسلامي الذين واجهوا الجمود والتعصب ودفعوا أثماناً غالية من التكفير والزندقة
• فقهاء لا كهنة: وهو يتناول إصلاح المؤسسة الدينية، والتمييز بين رجل الدين المكلف بالشعائر ورجل القانون الفقيه المكلف بإصدار القوانين لتطبيقها في الدولة والمجتمع.
• المذهب الإنساني في الإسلام: وهو بلورة للاتجاهات الإنسانية الممكنة لأنسنة الدين، ونشـر روح الإخاء الإنساني بين الأمم والشعوب، ومواجهة التفكير الكهنوتي الذي يغيب الجانب الإنساني في التشريع، ويرسم صورة فاشلة وكئيبة للإنسان.
• نور يهدي لا قيد يأسر: وهو دراسة أصولية عميقة تهدف إلى إصلاح الوعي بالنص الديني، ومنع الغلو في الدين، والدعوة إلى إحياء دور الكتاب والسنة كنص إرشادي للهداية والتربية، وليس كنص قانوني صارم يمنع الاجتهاد ويقمع العقل.
• النبي الديمقراطي: وهو قراءة في جوهر الدعوة المحمدية، والتأكيد على أن دور الناس في التشريع كبير ومؤثر، وأن جوهر الدين الإسلامي تحدد وفق حاجات الجمهور وليس وفق شروط الكهنوت.
.
- تحدثتم عن المرأة في اصداراتكم.. "المرأة بين الشريعة والحياة".. كيف ترون مكاسب حقوق المرأة في سوريا الجديدة؟
لعل كتاب المرأة هو أكثر الكتب التي أثارت الجدل في مسيرتي الفكرية، وقد أصدرته عام 2001 وتبنيت فيه عدداً من الآراء الجريئة، ومنها أن الحجاب فضيلة وليس فريضة، وأن المرأة لا تمنع من عمل هي له كفء، وأن النساء بلغن رتبة النبوة، ولهن الحق في كل منصب دون ذلك، ومع أن الكتاب موثق بالأدلة، ولكن الشارع المحافظ تعامل معه بغاية البطش، وبعد سنتين من صدوره، وتحديداً في شباط 2003 قبل أسبوع واحد من الانتخابات البرلمانية فوجئت بحملة طامية ضد الكتاب شاركت فيها وزارة الأوقاف والشيخ البوطي ودائرة الفتوى وتليت على منابر الشام بيانات قاسية بتكفيري والتبرؤ من أفكاري، وكانت محنة قاسية، وصدمة كبيرة لي، ولكنها أدت من جانب آخر إلى تعاطف كبير معي، حيث نلت ثقة التيار الاسلامي الذي لا ينتمي للحكومة وكذلك التيارات النهضوية ونجحت في الانتخابات بأغلبية كبيرة.
- ماهي الرسالة التي تحملونها اليوم لوطنكم سوريا في ظل هذه الظروف الخطيرة التي تمر بها سوريا بعد 8 ديسمبر؟
.
- كلمة حرة لكم؟
أما رسالتي لأهلي السوريين فهي ما أكرره كل يوم وهي أننا محكومون بالمحبة، ولا خيار لنا إلا المحبة، لقد خلقنا مختلفين لنتكامل لا لنتقاتل، إن ما نعيشه اليوم من الريب والظنون والتحريض هو نتيجة لغياب العدالة لعقود متتالية، وآن لنا أن ندرك أننا أسرة واحدة على اختلاف انتماءاتنا وأدياننا ومذاهبنا.
إنني أراهن على فطرة الإنسان، وأن الخير هو الأصل في النفس البشرية وأن الشر عرض زائل، وعلينا أن نبحث عن الخير في جوانح الناس بغض النظر عن أديانهم وعقائدهم وقومياتهم، تعم يمكننا بناء أسرة عالمية واحدة على قاعدة الخلق كلهم عيال الله.
إن علينا أن نحترم ثقافة الآباء ولكن لا يجب أن نعيش في عباءتهم، وإذا أردنا أن يبقى الإسلام حياً فعلينا أن نأخذ من تراث الآباء: الجذوة لا الرماد...
مع تحياتي الصادقة
بثينة جبنون
ناشرة ورئيسة تحرير مجلة "بثينة" بأبوظبي