الجفتلك (في سوريا) وسكانه
2025.04.30
عبد الكريم الناعم
الجفتلك، كما قرأت، يعني أملاك السلطان العثماني، وهو يمتدّ من جنوب شرقي حمص، ببعد يقرب من عشرين كيلو مترا، ويمتدّ شرقاً حتى حدود البادية، وشمالا حتى حدود محافظة إدلب، بيد أنّه اعتبارا من شرقيّ مدينة (حماه) يُسمّونه (العَلاه)، وكانت أرضه مراعي للقبائل البدويّة، وكان البدو، قبل أن يُسكن، يأتون إلى كلّ من مديني حمص وحماه، في موسم محدَّد، ويأخذون من تجارهما ما يُسمّى (خُوّة)- وهي مأخوذة من الأخوّة- لقاء منع تلك القبائل من غزو المدينتين،
كما في ذاكرتي أنّ أحد السلاطين العثمانيين، والمؤكّد أنّه قبل السلطان عبد المجيد، فكّر في إيجاد حاجز بشريّ بين البدو والمُدن، لكثرة شكوى أهل المدن من أذى البدو، فأصدر أمراً مفاده، أنّ كلّ مَن كان فاراً من التجنيد العسكري، وكلّ مَن كان عليه جرم، مهما كان نوعه، ولو بلغ حدّ القتل.. سيُعفى منه، وستُعطى له أرض في الجفتلك يفلحها، وله كامل الغلّة، فتوافدت آلاف من العائلات العلويّة من تلك الجبال الغربيّة الفقيرة، ولذا تجد أنّ مُعظم العائلات التي سكنتْ في الجفتلك مازال أبناء عمومتهم يسكنون في تلك الجبال، وحين جاؤوا اصطدموا بالقبائل البدويّة، لأنّ الجفتلك سيتحوّل إلى أراض زراعيّة، وهذا سيؤثّر على رعي البدو لقطعان أغنامهم، وسالت دماء في الاصطدامات، وتمكّن القادمون من الجبل من بناء قراهم، وكلّها كانت مبنيّة على شكل قباب، وبُنيت بـ(اللِّبْن)، ومَن كان لبيته سقف وليس على طريقة القبّة فذلك دليل على وضعه الاجتماعي المالي الأفضل، ولم يبق الآن من هذه المباني إلّا أطلال، وكان بناء القباب هو الأساس في كلّ الأماكن التي لا يتوفّر فيها خشب للسقف، بقيت قرية واحدة شاهدة على ذلك هي قرية الشيخ هلال الواقعة بين سلمية والرقّة، وقد حُوِّلت من قِبل سكانها إلى شبه قرية سياحية.
هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كميّة الأمطار في تلك الأزمنة كانت غزيرة في البادية بعامّة، وكان مَن يملك نصف فدان في الجفتلك يعيش حياة الأغوات.
القادمون من الجبال كانوا أمام مصير البقاء والدفاع عمّا أُعطي لهم، أو العودة إلى الجبال التي كان يُضرَب بها المثل في الفقر في تلك الأيام.
بمرور الزمن، وبعد أكثر من جيل، تصالح البدو مع جيرانهم الجدد، بل وشكّل القادمون حلفا مع العشيرة البدويّة التي تجاورهم، وكانوا يقاتلون مع حلفائهم إذا اصطدموا مع عشيرة أخرى.
إنّ ثمانين تقريبا بالمئة من أهل الجفتلك هم من العلويين، وثمّة عدة قرى من الشيعة (المتاولة)، وبعض القرى السنيّة، وعدد من المسيحيين.
حين تغيّرت أحوال الأمطار، وصارت أقلّ، بدأ الفقر يقترب من تلك المناطق، وكان المسافر إذا مرّ بتلك الأرض لا يرى فيها غصنا أخضر، واستمرّ هذا حتى ما بعد ستينات القرن الماضي، فحدثت هجرات واسعة إلى مدينة حمص تحديدا، ونشأت أحياء جديدة فيها لم تكن من قبل، بحثا عن حياة أفضل، وعمل بعضهم في معامل المطاحن، والسكّر، والغزْل، والمصفاة، ومعمل السماد، وكعمّال فيما يتوفّر، وساهموا في الحياة العامة بقدر.
مثل هذا النزوح إلى حمص لم تعرفه (حماه)، ولم تتّسع أحياؤها اتساع أحياء حمص لأسباب من أبرزها أنّها مدينة يغلب عليها شيء من التعصّب الطائفي،
بعد فترة بدأ الفلاحون بزراعات جديدة ما كانوا يعرفونها، الكرمة، والزيتون، والفستق الحلبي، واللوز، والتفاح، وأنواع الأشجار المثمرة،، فتعدّلت الأحوال، فإذا مررتَ بهذه الأرض الآن في الربيع تجدها جنات وارفة، حتى أن البدو تحوّلوا إلى فلاّحين مع الاحتفاظ بعاداتهم وتقاليدهم، وكان طبيعيا أنّ الذين عمّروا الجفتلك تأثروا ببعض العادات والتقاليد البدويّة، وصار عاديّاً أن ترى فلاحاً يتحدّث مع صديقه البدويّ بلهجته فلا تُميّز مَن البدويّ منهما من خلال اللهجة.
يمكن الإشارة إلى أنّ مدينة سلميّة اتّسعتْ بسبب نزوح أعداد كبيرة إليها، للأسباب التي ذكرناها عن غيرها، وفي منطقة السلميّة يوجد إسماعيليّون جاء قسم منهم من مدينة القدموس وما حولها، وهي معروفة أنّها مدينة يغلب على سكانها الاسماعيليون، وحولهم، ويتداخُل معهم.. العلويون، وعدد محدود من (المتاولة) وقرى صغيرة من السنّة.