عيني يا أم الزلف.. الفينيقيون: حرّاس الساحل، وفرسان العتابا، وبخور الآلهة
2025.04.19
سليمان يوسف
على ضفاف بحر لا ينام، وفوق أكتاف جبال تتعرّق جباهها ملحًا، وتهمس صخورها بأسرار نون وقرني الهلال، وُلد شعبٌ علّم الموج السفر، ولقّن الريح أسماء الآلهة. هناك، في المرافئ العتيقة من اللاذقية وجبلة وعمريت إلى صيدا وصور وجبيل، وُلد الفينيقيون، أبناء البحر والجبل، تجّار الخيال وخدّام الفلسفة، ومخترعو الأبجدية الأولى. ولدتهم الأرض، وولدوا لنا الذاكرة، ورثوا التراب والماء، وورثونا الوعي والحضارة.
كانوا قومًا لا يُعرفون باسم واحد، بل بأسماء مدنهم، مثلما تُعرف القصيدة بإيقاعها أكثر من عنوانها. ولم يوحدهم ملك، بل جمعتهم روح السفينة والحرف، وعاشوا على تخوم الأسطورة، حيث يتحد الحسّي بالروحي، والمادة بالفكر. والفينيقيّ هذا لم يكن مجرد إنسان عادي، بل كائنًا نصفه صخر ونصفه موج، أدار وجهه نحو البحر، لا هربًا من الأرض، إنما عشقًا للملح، وتوقًا إلى الطيران نحو الأفق من موانئه التي تختلط فيها رائحة الأرْز العتيق بلون الأرجوان وعرق الصنّاع وصلوات البحارة.

أدخل هؤلاء النبلاء الفنّ إلى جميع تفاصيل أيامهم، فبنوا سفنهم بحرص كما يبنون مخازن طعامهم، ونقشوا عليها رموزهم وهندساتهم بأيدٍ معتادة الرقص والمغازلة والدعاء، ووشّوا زجاجهم كما تُوشّى الفكرة في بواطن الذهن، نقية ومشتعلة. الفنّ في حياتهم لم يكن ترفًا، بل ضرورة، وهكذا خلّدوا لحظاتهم في كل منحوتة، وحملت كل جرّة توق الإنسان إلى البحث عن الجمال في العادي والمألوف والمحيط والطبيعة، وصارت صناعتهم صلاة تُصلّى بالأصابع الماهرة، والقلوب الرقيقة، والحناجر المرتّلة.
ومن عبقرية هذا الشعب وُلدت الأبجدية، تلك الفكرة التي غيّرت مصير الإنسان وحررته من ظلمة الطين الأبكم، فحلّقت حروفهم النورانية فوق الرموز الصوتية البسيطة، حتى صارت كائنات تنبض وتختزن في أجنحتها تواريخ المدن، وحكايا النساء، وبكاء الأطفال على الشواطئ. ورغم تبدّل الأزمنة وانقلاب الألسنة، ما تزال لهجات ساحل سوريا ولبنان إلى يومنا هذا تهمس بمفرداتهم العتيقة، كأنها أطياف تعبر من زمان إلى زمان، وتعيش خالدة في هواء الصبح ورواسب الملح.
ومن ينظر في وجوه أهل ذلك الساحل اليوم، يرى أن الفينيقيين حاضرون لم يغيبوا، إنما تواروا خلف أسماء جديدة وهويّات متجددة. هم أحياء في تلك البشرة الحنطية، في الأيدي المجتهدة، وفي العيون اللامعة بغموض البحر، المطيلة النظر إلى الأفق كأنها تنتظر سفينة لم تصل بعد. في لباسهم الشعبي، في نقوشهم، في أهازيجهم التي يغنونها عند الحصاد أو الشوق أو الرحيل، تلك التراتيل القديمة لآلهة البحر والخصب، التي تسلّلت إلى حاضرنا في ثوب جديد دون أن تفقد نغمتها الأولى، وأوزانها التي ما تزال تتمايل بين العتابا والميجانا، بين الزجل والموال، حيّة على الألسنة وكأنها امتداد لترانيم عشتروت، وأصداء لنحيب إيل على ابنه تمّوز.
كانوا أهل لينٍ طيبي المعشر، يتعاملون بأدب فطري وتهذيب متوارث. اختلطوا بالشعوب ولم يذوبوا، ورأوا الانفتاح غنًى لا تهديدًا، وفهموا الغريب لا بوصفه خصمًا، بل احتمالًا آخر للذات. كانت لهم قدرة عجيبة على التكيّف دون تفريط، وعلى الترحال دون نسيان الجذور، تلك الجذور العميقة التي حملت روحهم الحضارية عبر الزمان، لنراها اليوم حاضرة في مجتمعات الساحل نفسها، في تهذيبهم الطبيعي، وفي حسن ضيافتهم، ولباقة حديثهم، وتربيتهم التي لا تفصح عنها الكلمات، بل يدلّ عليها أثرها في القلب والروح والنفس.
حتى آلهة الفينيقيين لم تغب، وإن غيّرت أسماءها وهيئاتها. ففي معابدهم العابقة بالبخور، التي التهمتها الحروب والكوارث، أقاموا رموز الطبيعة المتحوّلة، وقدّسوا بعل ربّ العواصف والخصب، الذي ما تزال روحه تهيم في عواصف الساحل، ويعتمدون عليه في الزراعة «البعلية» حتى اليوم. وعشتروت سيدة الحب والحرب، التي اختبأت في ظلال مريم وأيقونات النساء المقدسات. وإيل، الكبير في السماء، الذي تحوّل اسمه إلى «إله» ثم «الإله» ثم «الله» في الصلوات. وتمّوز، الابن الضحية، الذي يموت ويعود كل ربيع، كأن الأرض لا تعرف الحياة دون فقدان ولو كان مؤقتًا. وما تزال بعض الرموز طافية كأصداء لم تسكتها القرون، فأم الزلف في أغاني الجبال ليست رمزًا للحبيبة وحسب، بل ظلًا باهتًا لعشتروت نفسها، في عينيها نيران المرافئ، وفي خصرها التواء الريح، وفي مناداتها رغبة شعب يؤمن أن الحب هو الخلاص، وأن الإنسان كتاب من وحي الآلهة.
وبين الحذر والدهاء، وبين الرقة والتمرد، ما تزال أرواح الناس وفية لأرواح أجدادهم، فتراهم أهلًا للنجاة، يتقنون الزراعة والتجارة والمقاومة والتأمل الطويل. وفي سردهم للحكايات الشعبية، في تفاصيل حديثهم، والأدب الذي ينتجونه، ما يزال ثمة شعور دفين بقدسية الكلمة، وكأن كل راوية منهم كاهن صغير ينفخ في جمر الذاكرة ليوقظ بها ما اندثر.
ربما لا نعرف الفينيقيين حقّ المعرفة، لكن البحر يعرفهم، والريح تحفظ أسماءهم التي نودي بها من رؤوس الجبال وعلى المرافئ وفوق الجروف وبين الموج، وصخور الساحل تحكي، لمن يُنصت، أن الجذور الضاربة في عمق التاريخ واللغة والأغاني لا تموت. ربما رحلوا إسمًا، لكن روحهم خالدة أبدًا هنا، في الأصوات والنبرات، وفي الأشجار والقصائد، وفي الموج، وخشب السفينة.