كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حقول طائفيّة 1 و2

عبد الكريم الناعم

 *بداية، قد يكون من المفيد تحديد ما المقصود بالطائفة، في سياق البحث، فهي قد تكون مجموعة، أو فرع من مذهب، ترسّخ وجودها بحكم ظروف خاصة، تاريخية، عقائديّة، وهذا يشمل ما في سورية من الطوائف، وقد يتقاطع مع بلدان أخرى، تشبهها في التكوين المجتمعي المعني،
*تعدّد الطوائف، حين يكون البلد مستقرّاً، ويمتّع بحكم عاقل، مقبولٍ في عدالته، وفي نهجه وفهمه، وفي توازناته، فالطوائف تكون مصدر غنى، في تعدّد المعتقدات، والثقافات، والعادات الاجتماعية، ومواسم الاحتفالات، وحتى في الأكل واللباس، أمّا حين يكون في البلد ثغرات واسعة من الضعف، حتى وإن تكن غير منظورة، فإنّ هذا التعدّد يتحوّل إلى كارثة حقيقية، ويمكن رؤية في ذلك في البلدان العربية والاسلاميّة، التي تشكو من وهن ما،.. بل تتحوّل الطائفيّة إلى رافعة نوعيّة خطيرة في توليد ما يؤدّي إلى حدوث تشقّقات مجتمعيّة، ونفسيّة، لها انعكاساتها على بنية الفرد ذاته، كأنْ يجد شخص ما نفسه في وسط لا بدّ من مجاملته ومعايشته، وهو لا يشعر بودّ حقيقي تجاه مَن يُعايشهم، أو يُضمر لهم كراهية ما، حملَها، أو حُمِّلتْ له كإرث،.. وحين يعود إلى بيته، أو بيئته يكون في واقع آخر، هذا انفصام خطير من حيث النتائج المتراكبة، وهذا يدلّ على أنّ في موروثاتنا ما لا يتناسب مع روح العصر الذي نعيشه، ولهذا أيضا أخطاره المدمّرة على الصعيد الوطني، في تمثّله الاجتماعي،
*تقول بعض الدراسات إنّ في سوريّة ما بين سبعة عشرة طائفة إلى تسعة عشرة، وهذا التعدّد وسّع من أمداء الذين تآمروا عليها، وعلى المنطقة، منذ بواكير الاستشراق الأوروبي، وتفكير الغرب الاحتلالي بوضع يده على المنطقة العربيّة، بما لها من موقع استراتيجي، وبما فيها من خيرات على ظاهر الأرض وفي باطنها، وما زال هذا الاستهداف قائما، وبشراسة حتى الآن،
*الطوائف الكبرى في سورية هي السنّة، وهم الأكثرية، وفروع تُصنَّف شيعية، وهم العلويّون، والاسماعيليّون، والدروز، والشيعة (المَتاولة)، والمسيحيوّن، وبعض الأزيديين، في جبل سنجار السوري، والمرشديّون، وعلى المستوى الإثني ثمة العرب، والأكراد، والأرمن، والآشوريون، والتركمان، والشراكسة،
*هنا لابد من الإشارة من أنّ جميع الطوائف الدينية في سورية لها مرجعياتها، عدا (العلويين)، فللسنة الأزهر، وللإسماعيليين المجلس الملّي الأعلى، وللدروز ترتيبهم الديني الهيكلي الخاص المتمثّل في شيوخ العقل، وللمسيحيين الكنيسة، وللمرشديين تنظيمهم الخاص البالغ الدّقّة،
العلويون وحدهم بلا مرجعية، وبهذا يمكن القول إنّه في سورية يوجد (علويّون)، ولا توجد (طائفة علويّة) بمعنى الطائفة الذي يسري على غيرها من الطوائف المنظمة،
*ما ذكرتُه أراه ضروريا لما سيكون له من آثار على بنية الأحزاب في سورية، ومنها حزب البعث، وقد أفصّل بما يتعلّق بذلك، دون ترتيب زمني، بحسب مقتضيات البحث، وقد أمرّ على ما له صبغة طائفيّة، بشكل ما،
*الأحزاب الرئيسية، في سورية تاريخياً، يمكن تقسيمها إلى أحزاب عقائديّة، وأخرى سياسية ذات شعارات لا تخلو من نفحة عقائدية، كالحزب الوطني، والشعب، والتي لعبت دورا في بداية تاريخ سوريّة الحديث، وثمة أحزاب صغيرة عاشت لوقت صغير ثمّ اختفت،
الأحزاب العقائديّة هي البعث، والنّاصريّون، على تعدّدهم، والوحديّون الاشتراكيون، والشيوعيون، والسوريون القوميّون، والأخوان المسلمون، والذين سيكون لهم دور في تسعير المسألة الطائفية، وهو حزب سنّي بامتياز، وذو تنظيم متين، متماسك، ومدعوم من جهات متعدّدة،
هذه الأحزاب، حملتْ في داخلها الكثير من الآثار السلبيّة الموجودة في بنية المجتمع، في تطوّر أحواله بين السلب والإيجاب، يمكن، إلى حدّ ما، استثناء السوريين القوميين من تلك الأمراض، ويمكن القول إنّه الأقلّ من حيث الحمولات السلبيّة طائفيّاً، لأسباب عقائدية، مدعومة بتنظيم حديدي، حازم، وربّما كان لاعتبار أنطون سعادة،- الذي أُعدم ظلما- .. اعتباره أيقونة في قوله وفي فعله أثر كبير في هذا الأمر، رغم المبالغة التي قد يتوقّف عندها الآخرون في هذا التعظيم والتقديس،
حتى الشيوعيون، والذين يُفترَض فيهم أنّهم تنظيم عقائدي، متماسك، مستند إلى قوة المنظومة الاشتراكية، وفلسفة ماركسيّة، قبل انهيارها، حين حدث فيه انشقاق بين كتلة خالد بكداش، وجماعة الفيصل، وجد تنظيم الفيصل نفسه أمام حرج طائفي، فلم يكن في كتلتهم أيّ عضو (علوي)، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى حجم الفيروس الطائفي كان عند بعض الشيوعيين أكبر وأعمق أثرا من العقيدة الماركسيّة، وإلّا كيف نفسّر موقف عبد الرزاق عيد، وهو كاتب ومفكّر معروف، ومنظَّم في الحزب الشيوعي، وله وزنه الاعتباري، كيف نفسّر موقفه الطائفي أثناء اندلاع الحريق في سورية؟!! ومثله يمكن القول عن المسرحي فرحان بلبل، الذي حُسب طوال عمره الإبداعي على اليسار الشيوعي، وقد نُقل عنه أثناء تلك الأحداث أنه قال ما معناه، أنا لم أكن طائفيّاً في يوم من الأيام، وقد زوّجتُ ابنتي لعلويّ، أمّا الآن فأنا طائفيّ، (زوج ابنته الدكتور في الجراحة العظميّة عصام شريفي، المقيم في فرنسا هو وزجته منذ زمن طويل، وهو عازف عود، وملحّن، لحّن لابنة فرحان (سمر) عدة ألحان غنّتها في مناسبات موسيقية في حمص قبل أن يتزوّجا)،
*الحزبان الوطني والشعب، مثلا البورجوازية في سورية، وأصحاب رؤوس المال، والاقطاعيين، وكان فيهما من جميع الطوائف، ويمكن استثناء العلويين، فهم فقراء آنذاك في الغالب، وهذا لم يمنع أن يتعاون بعض زعماء العشائر العلويين، وبعض شيوخهم المتنفّذين مع هذين الحزبين في الانتخابات النيابية، وضم الحزبان عددا قليلا منهم يمكن عدّهم على الأصابع، بينما اتّجه الجيل الجديد من الشباب العلويين، كغيرهم من الطوائف في ذلك.. اتّجهوا إلى الأحزاب التالية: البعث، الشيوعيون، السوريون القوميون، والناصريّون فيما بعد،
هنا أرى من المهم أنّ سكان جبال الساحل، في غالبيتهم عرب أقحاح، وما زالت العائلات الكبيرة فيهم تحتفظ بأنسابها، فهم عرب يمانيون تسعون بالمائة، وعدنانيون عشرة بالمائة تقريبا، وقد كانوا قبل المجازر التي اوقعها بهم السلطان سليم العثماني، كانوا موجودين في حلب، وحماه، وحمص، ودمشق، وفي الجولان، على أطراف فلسطين، وفي جبال لبنان، وطرابلس، وحين نزحوا للجبال هربا من القتل كانت هذه الجبال على درجة عالية من الفقر، فأراضيها لا تصلح للزراعة الواسعة، ولم يكونوا يعرفون شيئا عن زراعة أشجار الفواكه التي انتشرت الآن، فعاشوا حالة من الفقر والمحاصرة، أذكر تفصيلات اعتقد أنّها تلقي اضواءها على حقائق قائمة على الأرض، وستكون لها آثار تالية، فيما آلت الأمور إليه من أحداث متعلّقة بروح الموضوع ككل،
من المهمّ أن أشير إلى أنّ ثمانين في المائة ممّن كانوا في السجون لأسباب سياسية، أيام الرئيس حافظ الأسد هم من العلويين، وهذه حقيقة تثبتها الوثائق التي يمكن العودة إليها،
*مسألة أخرى أراها جديرة بالتوقّف والملاحظة، والتأكيد، وهي أنّ الأحزاب الوطنيّة، القومية، التقدميّة قد حملت في أحشائها الكثير ممّا في مجتمعنا السوري من سلبيات، طائفيّة، ومذهبية، ومناطقية، وعشائرية، بنسب متفاوتة، وظهرتْ في حزب البعث بعد استلام السلطة، في مساحة ما يُسمّى بأمراض السلطة، وهذا بطبيعته قد يعيد للذاكرة معارك تاريخية شديدة الحساسية، لم يتخلص المجتمع العربي الإسلامي منها، بحكم استمرار بعض آثارها العميقة، كما أنّها شكّلت أرضيّة مناسبة، وفرصة ذهبيّة للذين كان دأبهم تسعير الذواكر التاريخية التي تُفتّت ولا تجمع...
أرسل بتاريخ 5/10/2024
****
 
استطراد
*أرجو قبول استطراداتي، فهي في السياق، كما أنّها تفرّغ شحنات من الانفعال النفسي الذي يُلهب مساحة من الاحتجاج والرفض للفيروس الطائفي، أو ما أدري ما إذا كان يمكن تسميته بـ"الجين"، لدى البعض، ومجنون مَن يظنّ أنني أقصد غير حامليه،
*في سورية، ثمة مثقفون علويون، من أبناء ذلك الزمن، مقتنعون أنّ السلطة الوطنية التي تحكم سورية، زمن سلخ لواء اسكندرون، قد تهاونت في هذا الأمر بدوافع طائفيّة، لأنّ أهل اسكندرون جميعا من العلويّين، وهذا أمر يحتاج إلى تدقيق،
*لعلّ من المفيد التذكير بأنّ الفرنسيين، بعد احتلالهم سوريّة، أقاموا دويلات فيها، منها دولة للعلويّين، فحاربها شيوخ العلويين، ووجهاؤهم، وشبابهم الوطني النّاهض آنذاك، وفي المقدِمة الشيخ صالح العلي، صاحب أوّل طلقة أُطلقت ضد الاحتلال الفرنسي، وناضلوا، هم وغيرهم حتى عادت سورية دولة واحدة، ولا أنفي أنّه كان بين صفوفهم قلّة، تُعَدّ على الأصابع، ممّن تحمّسوا لتلك الدولة، طلبا لمكاسب شخصيّة بحتة، فجرفهم تيّار الرفض، ولم يُعرف عن العلوييّن أنّ أحداً دعا لأن يكون لهم أيّ نمط كياني بعيدا عن وحدة الوطن،
استطراد في السياق
*في عام 1973عُقِد مؤتمر الأدباء العرب، ومهرجانه الشعري في تونس، وكنتُ عضوا في الوفد، وقد رتّبوا لنا برنامجا سياحيّا، للاطلاع على ما في بلدهم، ومنها زيارة مدينة المهديّة الساحليّة، وفيها زرنا مسجداً بناه أبو عبد الله المهدي، مؤسّس الدولة الفاطميّة، ووقف الشخص المكلّف، والمُختص يشرح لنا نموذج البناء، وخصائصه، وميّزاته، وأثناء الحديث عن الفاطميّين غمز من قناتهم بكلام غير خاف، فقاطعتُه وقلتُ له ما معناه: "يا أخ أعتقد انّ مُهمّتك أن تُكمل شرح ما بدأته، ولسنا بحاجة لمعرفة رأيك في الفاطميين، فنحن هنا جميعا، كلّ منّا له قناعاته المبدئيّة، ويكفينا ما هي عليه هذه الأمّة من فُرقة، أفنوقظ ما هو ميت فيها؟!!"، فاحمرّ وجهه خجلاّ، وبتلعثم قال ما معناه: "أنا لم أقصد.."، "فقاطعتُه: لقد كان قصدك في غاية الوضوح، ولسنا بحاجة إليه"
استطراد آخر
في عام 1975عُقِد مؤتمر الأدباء العرب، ومهرجانه الشعري في الجزائر، وكنتُ مُعاراً فيها، واعتُبرتُ عضوا في الوفد السوري، وفي الجلسة التي عُقِدتْ في "عَنّابة " في الشرق الجزائري، وكان رئيس الوفد المرحوم عدنان بغجاتي رئيس اتحاد الكتاب العرب في دمشق، وفي الوفد الأستاذ علي عُقلة عرسان، وكنتُ جالسا بجانبه، وكان أوّل تعارف بيننا، وهو عضو في حزب البعث، ومُخرج مسرحي، وفي بداية افتتاح الجلسة صعد شاعر تونسيّ، أرجّح أنّ اسمه ماجد جعفر، أو جعفر ماجد، لم أعد أذكر، وبدأ بقصيدة عموديّة، مَطلعها:
عربيٌ هذا الثّرى عربيُّ
مَرَّ فيه محمّد وعليُّ
فاشتعلتْ القاعة بالتصفيق، فالتفت إليّ علي عقله عرسان وقال مبتسماً، ما معناه رغم أنّ هذا البيت ضدّ الأمويّين، فسأصفّق له،
فهِم مَن فهم..
استطراد ثالث
عام 2006 وكانت المعارك طاحنة بين المقاومة الاسلاميّة في جنوب لبنان، ضدّ العدو الصهيوني، وقلوبنا متعلِّقة بما يدور، التقيتُ بالدكتور طيّب التيزيني، وسألتُه، بحضور آخرين، عن تقييمه لِما يجري، وعن توقّعاته، فأجابني بطريقة لم تخلُ لهجتها، وطريقة لفظها من روح استغْربتُها، وقال ما معناه: "والله الليّ بيعْمل شي بيتحمّل مسؤوليتو"، وعبّرتُ عن موقفي المؤيّد للمقاومة دون تردّد، وتساءلتُ اين غابت الماديّة التاريخية التي كرّس لها ما كرس في كتبه، وأين روح الماركسيّة، والوقوف ضد الامبرياليّة وتوابعها؟!!
ما أدري هل نحن أمّة مازال يحكم أمواتُنا، حتى المثقّفين، والمفكّرين، منذ أكثر من ألف سنة؟!!
حتّى إعلام عبد الناصر، حين اختلف مع البعث الحاكم في سوريّة انزلق إلى المهوى الطائفي، فحرّض ضدّ العلويين بلسان أحمد سعيد في صوت العرب!!
أولا يحتاج هذا إلى تقييم وتقويم لنخرج من ركام الأموات؟!!
*******
 ..يتبع 
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع