العباسيون والنصارى
2024.04.20
تقديم واختيار: إلياس بولاد- فينكس
من كتاب كنيسة مدينة الله العظمى انطاكيا.
تاليف الدكتور أسد رستم.
"بعد ان زالت دولة الأمويين واستتب الأمر للعباسيين أخذوا يرتبون دواوينهم وينظمون حكمهم، فقربوا أهل الذمة في العراق والشام وأطمعوهم بالرواتب والجوائز وأكرموهم، فجهابذة العباسيين اكثرهم من النصارى واليهود، وقد تقلدوا ديوان الجيش، وتسابق أكابر رجال الدولة من المسلمين انفسهم لكسب ودهم ورضاهم.
وممن تقلد هذا الديوان، ملك ابن الوليد، قلده اياه المعتضد (٨٩٢-٩٠٢)م، وكان المعتضد شهماً عاقلاً فاضلاً، وكان شديداً على أهل الفساد، وقلد المتقي
بالله (٩٤٠-٩٤٤)م أبا العلاء صاعد ابن ثابت خلافة الوزارة وكان نصرانياً.
واستخدم العباسيون الاطباء من أهل الذمة والحكماء والتراجمة والكتاب، فأكرموهم وراعوا جانبهم وقدموهم.
وقد حفظ لنا ابن ابي أصيبعة في كتابه: "طبقات الأطباء" الشيء الكثير من هذه المحاسنة، ولعل أفضل ما ينقل عنه كلامه عن علاقة الخليفة المنصور،
بجورجيس بختشوع الذي كان رئيس أطباء مارستان جندسابور، فلما انقطعت شهوة المنصور من الداء الذي اصابه في معدته، استقدم جورجيس، فدرس علته ووصف له الدواء فشفي الخليفة وطابت نفسه، ومنع جورجيس من الرجوع الى بلده، وكان المنصور قد علم ان جورجيس خلف امرأته في جنديسابور، فأرسل اليه ثلاث جوار روميات، وثلاثة آلاف دينار، فقبل جورجيس الدنانير ورد الجواري، فلما عاتبه المنصور أجابه: "اننا معشر النصارى لا نتزوج إلا امرأة واحدة حية، لا نأخذ غيرها".
وبذل المأمون وغيرة جهدهم في نقل الكتب اليونانية والسريانية الى العربية وأنفقوا بسخاء، فكان السوريون المسيحيون ساعدهم الأقوى، وفيهم:
الحمصي والبعلبكي والدمشقي والحيري والحرائي.
وأكرم بعض الخلفاء الأساقفة وجالسوهم، فالهادي كان يستدعي اليه الأسقف تيموثاوس في أكثر الأيام ويحاوره في الدين ويبحث معه ويناظره، ويطرح عليه كثيراً من القضايا، وله معه مباحث طويلة، ضمنها كتاباً ألفه الاسقف في هذا الموضوع. وكان هارون الرشيد، يفعل مثل هذا أيضاً، وقد رفعت الكلفة بين النصارى والخلفاء، حتى أن البعض منهم يهدون الخلفاء أيقونات القديسين، فيقبلوها منهم.
وكثيراً ما كان الأساقفة يطلبون من الخلفاء، تثبيتهم في مناصبهم للاعتزاز بذلك على أخصامهم أو منازعيهم...".