كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مشكلة تدوين التاريخ العربي (والقصة الخرافية لبناء الجامع الأموي من قبل البيزنطيين مثالاً)

د. إليان مسعد- فينكس

إن الدولة الأموية وبعد أن وصلت إلى الهند شرقاً والأطلس غرباً، لم تعد تحتمل في عاصمتها دمشق أن تقتسم الطبقة الحاكمة الصلاة مع مواطنيها المسيحيين بأغلبيتهم في ذلك الوقت في المكان ذاته، حيث الأحد للمسيحيين والجمعة للمسلمين، ينحرف المسلمون يمنة ليصلوا إلى محرابهم، والمسيحيون غربًا ليصلوا بمصلاهم، رغم دخولهم من الباب ذاته، وهذا وضع غير مقبول فقرر أجرأ الخلفاء الأمويين علاجا لأمور الدين الوليد بن عبد الملك (وهو مشهور بإلحاده) أن يأخذ يقية كنيسة مار يوحنا المعمدان (ذلك اسمها) وأن ينهي هذا الوضع الشاذ بالنسبة له و لدولة عظمى في ذلك الوقت. وكان من الطبيعي أن لا يقبل مواطنوه المسيحيون ذلك، فقد رفضوا طلباً مشابهاً لوالده عبد الملك بن مروان، كما أن من البديهي أن يسود منطق الدولة ومصلحتها. وعبّر البشاري المقدسي عن ذلك بشكل لا لبس فيه في كتابه (أحسن التقاسيم) حين قال لعمه:(ياعم لم يحسن الوليد حين أنفق أموال المسلمين على جامع دمشق. قال عمي لا تعقل يابني أن الوليد وفق وكشف له الله عن أمر جليل، فبعد أن رأى الشام بلد النصارى ورأى لهم فيه بيعاً حسنة فقد أفتتن بزخارفهم، فاتخذ للمسلمين مسجداً وجعله إحدى عجائب الدنيا). فهدف الوليد المنافسة، وهي طبيعة الأشياء، فقد قام الوليد بترك أربع عشرة كنيسة بدمشق كان العرب قد استولوا عليها حين دخولهم دمشق للمرة الثانية حرباً، وهنا أتعرض لأسطورة دخول العرب من بابين من الجابية سلماً ومن الشرقي حرباً، فأبو عبيدة بن الجراح حين الدخول الثاني لدمشق بعد معركة اليرموك كان قد توفي بينما كان حياً حين دخل العرب دمشق سلماً في المرة الأولى، وأسطورة فتح الشام لها بحث آخر.
إذاً ترك الوليد أربع عشرة كنيسة بدمشق وضواحيها صودرت حين الفتح لإقامة العرب أو بأوقات لاحقة فقد أقطع معاوية كنيسة حميد بن درة بعد أن صادرها لأن حميداً، هو ابن درة ابنة خال معاوية، كما أن حي جعفر المعروف بدمشق كان قد أقطع من قبل معاوية لأحد أقاربه يحمل ذات الاسم، ووافق الدمشقيون النصارى على العرض ولم يكن لهم خيار آخر. كما أن الوليد هو من بدأ شخصياً بإزالة جدران كنيسة مار يوحنا (الجامع الأموي) تلك الجدران الشرقية والقربية والتي وسعت الكنيسة على أساسها لتصبح ستة أضعاف المساحة الأصلية، فالعرب بذلك الوقت كانوا يحترمون ويهابون الأماكن المقدسة، ولم تطاوعهم أنفاسهم بإزالة الجدران، كما أن الدمشقيين بذلك الوقت ندموا على اتفاقهم مع الوليد، ولم تسكن ثائرتهم مطلقاً إلا بعد أن أنهى الوليد وعماله إزالة معالم الكنيسة والإبقاء على هيكلها المعماري الخارجي الأصلي وأعمدتها وقبتها، وهنا اقتنع الدمشقيون النصارى مواطنو الوليد بعد مرور وقت كافٍ ونشوء قناعات جديدة بأن الدولة الحاكمة لها الحق برمز ديني يتناسب مع أهميتها (راجع الواقدي وابن عساكر والطبري وابن شداد واليعقوبي)، وهنا شمّر الدمشقيون وكل نصارى الشام عن أذرعتهم لينصروا دولتهم في معركتها المعمارية والمعنوية، وما سبق هو الحقيقة.
وندخل هنا بالأسطورة الثانية لننقضها، وهي أسطورة أن الوليد استنجد بصديقه إمبرطور القسطنطينية ليعينه على إكمال المسجد بالعمل والفسيفساء، وتم التأكيد على وصول اثني عشر ألفاً من العمال البيزنطيين، ويسميهم المؤرخون العرب بالروم، لبناء المسجد وزخرفته.
وكل ذلك هراء عربي أصيل لاحق لأسباب طائفية وتعصبية، وأبيّن مايلي كبرهان على هذا التخريف:
حكم الوليد بين 86هجري - 96هجري حوالي إحدى عشرة سنة قضاها باللهو، نعم، لكن بالعمارة في دمشق والقدس ومكة والمدينة وصنعاء، ولكن الأهم بنقضه للهدنة التي أقامها والده عبد الملك بن مروان مع الروم بسبب انشغاله بحروب ابن الزبير، وامتناعه عن دفع الأتاوة السنوية التي كانت تدفع منذ معاوية أقول إن الوليد قضى إحدى عشرة سنة من الغزوات المتواصلة في سهوب كيليكيا وحصون طوروس حيث خسر البيزنطيون حصوناً كثيرة، واستعادوا بعضها لاحقاً، وشارك بغزوات متواصلة صيفاً وشتاءً أبناؤه العباس ومروان وبشر وعبد العزيز وأخوه مسلمة، وسقط بإحداها قائدها الشهير الوضاح الأموي في كمين قرب قنسرين. وأثناء حكم الوليد احتل العرب هرقلية عدة مرات واستعادوا أنطاكية وقيصرية وعمورية وطرسوس، وكاد ابنه العباس أن يقتل أثناء حصار طوانة فقد فر الجيش، بينما ثبت العباس مع ثلة من اليمانية وكلب ففر الروم. فكيف بالوليد يستنجد ببيزنطة لعمارة مسجد، كان كنيسة سابقاً؟ ومن قال أن البيزنطيين فريدو عصرهم بالفسيفساء والعمارة؟ فقد قال البكري عن المسيحيين عموماً والعرب منهم خصوصاً مايلي في كتابه (معجم في ما استعجم في الكلام عن دير نجران): (كان العرب النصارى يتبارون في البيع وزينتها: آل المنذر في الحيرة وغسان في الشام وبنو الحارث في نجران ويجعلون في حيطانها وسقوفها الفسافس والذهب)، وهو اعتراف صريح بأن النصارى والعرب النصارى يعرفون البناء والتزيين بالفسيفساء. وأبرهة الحبشي حين بنى كنيسة في اليمن جعل فيها الفسيفساء، فهل استقدم الأحباش لعمل ذلك وهم لا يعرفونه لاسابقاً ولا لاحقاً؟
وهو ذات الفسيفساء الذي نقله واستعمله ابن الزبير من كنيسة أبرهة المهدمة باليمن، فقد نقله إلى الكعبة ليزينها أثناء ثورته واستقلاله عن الأمويين بمكة. وما قام به الوليد بن عبد الملك وبذات فترة بناء الجامع الأموي أن أرسل عمالاً من الشام ومصر إلى مكة والمدينة لإتمام مساجدها واقتدى بابن الزبير وزينها بالفسيفساء وقد أرخ لهولاء الفنانين البشاري المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) حين يقول بعد أن رأى مسجدي المدينة ومكة وكان المهدي العباسي القريب زمنياً من عصر الوليد يقوم بأعمال ترميمية على المسجدين: (حمل إليها صناع الشام ومصر أفلا ترى أسماءهم عليه...)، ويبدو من حديثه أن كل فنان سوري كان يوقع اسمه بالفسيفساء على القطعة التي ينتهي من تركيبها. ولعل مشكلة عدم التمييز لدى العرب فيما نعنيه كلمة رومي هي التي أدت لهذا الخلط وإبخاس حق نصارى الشام في هذه الإنجازات، فالعرب يسمون كل من سكن بلاد الرافدين فارسياً على اسم الدولة الحاكمة، ورغم كون أغلبهم كلدان وسريان وآراميون وآشوريون، كما أن كل نصارى الشام من يعاقبة ونساطرة وملكانية هم روم على اسم الدولة التي كانت حاكمة قبل الفتح، وحتى الآن في المغرب العربي كله من ليبيا وحتى الأطلسي رومي تعني مسيحي ولو كان عربياً قحاً.
أما خرافة عدد من قدم من بلاد بيزنطة لعمارة الجامع الأموي، فوصل عند مؤرخينا (ابن جبير، ابن بطوطة، ابن رشد، ابن عساكر) إلى اثني عشو ألفاً من البيزنطيين, فتخيلوا دمشق أيام الوليد مع (48) ألفاً من السكان خمسة آلاف عربي بعد أن أصابها الطاعون الشهير وانخفض عدد سكانها الأصلي الذي كان لايتجاوز 60 ألفاً، تصوروا أن يدخل جيش عرمرم من البيزنطيين (12ألفاً) مسلحين بالرفوش والفؤوس والمعاول. ليقيموا في عاصمة عدوهم وليبنوا له جامعاً على أنقاض كنيسة لأن مؤرخينا المتأخرين المملوئين حقدا وطائفية على مواطنيهم لا يرغبون بالاعتراف بقدرة مواطنيهم من نصارى الشام على تجاوز محنة النصارى وهي الاستيلاء على نصف كنيستهم ثمناً وقرباناً لولائهم لدولتهم العظمى التي سايرت مصالحهم ولعل قدرتهم النفسية والتي لايزال سكان الشام بمختلف مشاربهم يتمتعون بها كخاصية على اكتشاف المصلحة الجماعية المشتركة والاختيار الحر والتنازلات المتبادلة وقدرتهم الفنية والمعمارية على بناء شيء يضاهي مابنوه سابقاً في كل أرجاء وطنهم, فهم معدن الدولة العربية وكتبة دواوينها وخراجها وصانعو سلاحها ونقدها وذهبها ومخترعو حروفها ونقطها وأرقامها وبناء مراكبها وحصونها ومنتجو اقتصادها ومنظمو دولتها التي قامت على أكتافهم، ومعروفون بالحذق وأنواع الحرف خصوصاً سكان مدنها وأغلبهم بذلك العصر من المسيحيين الملكانية، وهذا ماعرضهم للخلط مع الروم وحتى الدمشقيون آل سرجون خزنة بيوت مال الدولة الأموية لم يعرفوا إلا بالروم رغم تسميتهم بـ(وزراء المال) ولغتهم الآرامية فهو سرجون بن منصور الرومي عند (الطبري والبلاذري والصولي وابن عساكر وابن عبد ربه والمسعودي..).
إن هولاء الشوام وأهل الرافدين والنبط والقبط بمصر وبربر شمال افريقيا هم معدن هذه البلاد وهم أجداد مسلميها ومسيحيها الحاليين وهم صنعة حضارتها العربية وبناء مساجدها وكل من أرخ لاحقاً أثناء الحروب الصليبية وبعدها وبمرحلة صدام الشرق والغرب على أرضية الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية ودخول العناصر غير العربية لم يفهموا إلا أن 12 ألف رومي عمروا الجامع الأموي، فهل يعقل أن مواطنينا الضعفاء المضطهدين الفقراء والمهانين مسلوبي الإرادة والكرامة كانوا بيوم من الأيام قادرين على بناء هذا الصرح العظيم للوليد انه شئ غير قابل للتصديق.
ولعل نقد خرافات مؤرخينا في هذه الأيام بالذات وأساطيرهم مع إعادة الاعتبار للقوى الحية والإرادات الحية في تاريخنا من الوليد إلى أصغر حمال حجارة دمشقي ومركب فسيفساء ساهم في صنع تلك الحضارة، تلك القوى التي أنتجت عبر تاريخنا الغلال والفكر والعمارة والحضارة.
أقول إن إعادة الاعتبار لها على أسس علمية هو أحد سمات الديمقراطية المعرفية التي تساهم بالنصر على أسطورة إسرائيل التي لا تقهر والغرب الذي يعلم الغيب القوي الجبار القادر على كل شيء الذي نستورده من عنده الـCD والـclip ونحالفه ضد مواطنينا.
و نستورد من لدنه اثني عشر ألفاً ليعمروا مساجدنا.
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع