طقوس أعياد الميلاد ورأس السنة في الساحل السوري
2023.12.29
د. إليان مسعد- فينكس
يتم الاحتفال بأعياد الميلاد وطقوسها، طوال الشهر الذي يسبق الميلاد والذي يليه، فمن سوريا انطلقت هذه الأعياد وهي موجودة في ثقافتنا حتى قبل الأديان. فأعياد الخصب والقيامة هي جزء أصيل في ثقافتنا وحضاراتنا القديمة، وما زال سكان الساحل السوري يحتفلون بهذه الأعياد منذ أكثر من ستة آلاف عام، وتحتفل بعض القرى بالساحل، بعدد من الأعياد، منها:
أولاً: عيد البربارة وهو في الثالث من شهر كانون الأول، وفيه يتم سلق القمح مع الدجاج المسمن في حلة كبيرة حتى ذوبانه مع بعضه، وتجتمع العائلة لتأكل هذا الطعام اللذيذ، وفي نهاية النهار يتم إشعال النار ويرقص الأطفال والناس حولها فرحين، ويسلق القمح من جديد ويوضع عليه السكر ويزين بالزبيب والمكسرات، ويقدم أيضاً للجيران بجو من الحبور والفرح الجماعي.
بعدها بأسبوعين يتم الاحتفال بعيد البشارة: و هي البشارة بمولد المسيح، وفيه يتم تصنيع الكبة بالسلق واللحمة، ويتم سلقها بالماء المضاف إليه السماق مع تقديم الحلويات بعدها.
وبعد عيد البشارة بأسبوع يأتي عيد الحلوة، وهي تعني التحلية بقدوم المسيح، وفيها يتم أكل الحلاوة والتلاج والنمورة وغيرها فرحاً بقدوم المسيح.

وفي الثالث عشر من كانون الثاني وفق التقويم الغربي أو الأول منه وفق التقويم الشرقي يتم الاحتفال بالميلادة، وهي ميلاد المسيح بالتقويم الشرقي وفيها يتم ذبح خروف أو جدي عند أغلب العائلات، أو تشترك عائلتين أو أكثر بذبيحة ويتم شي اللحم وطبخه، ومعه يتم صنع فطائر على التنور بزيت الزيتون والسمسم أو بالسمن العربي.
وكانت طقوس الميلادة تترافق مع كرنفال كان يسمى الصبحة، وهي عبارة عن احتفال يستمر ثلاثة أيام يجتمع فيه الكبار والصغار في القرى ويلبسون أجمل ثياب لديهم ويحضرونها ويحضرون أنفسهم قبل عام لهذه المناسبة الصبحة، حيث كان الكثير من العزابية يخطبون بعد الصبحة مباشرة، وفي هذا الكرنفال كان هناك بيع وشراء وتجارة، وأيضاً يتم تصنيع ألعاب للأطفال.
للأسف توقف الكرنفال بحجة الأسباب الأمنية منذ الفترة بين 1958 و1963، لكن طقوس الميلادة واللحم والفطير والحلويات مازالت مستمرة حتى يومنا هذا،
وهذه الطقوس تشبه الطقوس المسيحية من حيث وجود أربع أسابيع قبل رأس السنة يشعل المسيحيون فيها شمعة كل يوم أحد حتى تكتمل الشموع بعيد الميلاد.
لمحة عن عيد القوزلة، رأس السنة الشرقي من التراث الشعبي السوري.
كما وتحتفل معظم قرى الساحل السوري بعيد /القوزلة/ والقوزلة هي يوم عيد رأس السنة الشرقية، وكلمة قورلة في اللغة الآرامية حيث تعني القوزلة البداية أو إشعال النار، وكان سوريو الساحل السوري ولفترة قريبة كالأقدمون يشعلون النار كنوع من الإعلان عن انتهاء الظلام، أي انتهاء الأيام طويلة الليل وعودة النور أي الأيام التي بدأ النهار فيها مرحلة الطول، وهذا الاحتفال هو اجتماعي فلكي تاريخي، حيث أن رأس السنة الشرقية كان تقويماً عالمياً، ولأن التقويم الساري لدى الغرب يحدد بدء الحركة الاقتصادية والمالية أصبح لا مناص من استعمال التقويم العالمي الى جانب التقويم المحلي الفولكلوري.
و الفرق بين رأس السنة الشرقي الذي يقع في 1/13. كانون الثاني ورأس السنة الشمسية العالمي المتبع الآن، يقع بالأول من كانون الثاني، أي بفارق ثلاثة عشر يوما أي في 1/1.
إن السنة الشرقية (التقويم العالمي القديم) هي السنة وفق التقويم الذي تبناه يوليوس قيصر نحو 44 ق. م وما زالت تسير عليه الكنائس الشرقية، ولكن مع مرور الزمن حصلت وتراكمت أخطاء وفروقات ضئيلة جداً في التقويم الشمسي من الناحية الفلكية، فتبنى البابا غريغوربوس الثالث عشر عام 1583 ميلادية الإصلاح، وقال آنذاك إن الفرق بين التقويم اليولياني «يوليوس» وواقع التقويم الشمسي فلكياً هو عشرة أيام منذ بدء المسيحية، وهذا هو التقويم الغريغوري الغربي الذي تسير عليه الكنائس وأصبح مقبولاً عالمياً وبشكل رسمي، أن الخلاف هو حول إصلاح فلكي ولا علاقة له البتة بكل العقائد الدينية، ومع مرور السنوات تلو السنوات أصبح الفارق الآن بين التقويمين الغربي والشرقي ثلاثة عشر يوماً كما هو الآن أي بفارق 3 أيام أخرى عن أيام غريغوريوس الثالث عشر.
من سوء الحظ معظم الناس أوقفوا الاحتفال بهذا العيد منذ القرن السادس عشر بسبب اعتماد التقويم الغريغوري المعتمد اليوم كتقويم عالمي حيث تبدأ به أيضاً السنة المالية . وفي بعض المناطق العربية والسورية المحتلة من تركيا وخارج سوريا يسمى عيد القلنداس، ويقال بالمعايدة "قوزلة مباركة" أي بداية سنة مباركة.
وفي ريف جبلة يقولون عند اشتعال النار والتهابها /قزلت النار/، حيث كانوا يشعلون حرائق كبيرة على قمم الجبال ويذبحون الذبائح ويستهلكون الحلويات المصنوعة من العجين كالعوامات والمشبك وأصابع زينب، ويسلقون الحنطة مع لحم الدجاج والسمن كتقدمة للإله حدد أو داجون أو تيشوب أو كموش أو بعل إله الخصب، وهذا كله يقع بصميم أعرق التقاليد المنبثقة عن جبل صافون ومجمعه الديني الأوغاريتي، ومازالت كلمة الدجن التي تعني الخبز أو الطعام عموماً، ومع الكثير من المفردات وأسماء القرى الآرامية مستخدمة في ريف الساحل السوري.
بالنهاية أودّ الاشارة أن هذا العيد هو عيد للفرح والإلفة، وليس عيداً للصوم والصلاة وانتظار قيامة الساعة.
أعياد مباركة وعيد قوزلة مبارك ياطيبين.. قوزلة مباركة ياحلوين يا طيبين
وكل عام وأنتم بألف خير.