الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية من القرن الخامس عشر الى القرن الثامن عشر
2023.11.28
إلياس بولاد- فينكس
《الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، من القرن الخامس عشر الى القرن الثامن عشر. نحو فهم مناسب للتاريخ، جامعة البلمند》، كما كتب فيها المرحوم الأب جوزيف حجار، من كهنة الروم الملكيين الكاثوليك، منذ حوالي الثلاثين عاماً.
انتهى مؤتمر جامعة البلمند، الذي بحث موضوع: "الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية من القرن ١٥ الى القرن١٨، نحو فهم مناسب"، منذ عدة أيام، ولم يشارك بأبحاث هذا المؤتمر ولا بالمناقشات التي تبعت الأبحاث، ولا بحلقات الحوار، أي باحث تاريخ من الكهنة أو العلمانيين من طائفة الروم الملكيين الكاثوليك الذين كان لهم ممثلاً رسمياً، حضر بشكل بروتوكولي. ومن هذا الواقع المؤسف!؟
ارتأيت أن أقدم بعض ما كتبه مؤرخ قدير ومشهور في هذا المجال، لتتضح وتتكامل الأحداث التاريخية لتلك الفترة، وقد صغتها بأسلوب مبسط ليفهمه أكبر عدد من المهتمين بهذا المجال وتعوض لوجهةالنظر المقابلة التي كان من المفترض أن تدلي بها.
"لم يسفر مجمع فلورنسا، الذي أنهى أعماله، في قصر "لاتران" في روما ببداية ١٤٣٩م، الى نتائج وتوافق تام في مقرراته، فقد عاد المطران "جورج شولاريوس. ومرقص الافسسي، الى القسطنطينية، وهما المعارضان الرئيسيان لمقررات هذا المجمع.
وكان من نتيجة ذلك، أن تجاهل الغرب المسيحي لما ينتظر الشرق من مصير سياسي محتوم ومظلم. فقد تجاهل هذا الغرب المساعدات العاجلة والفعالة التي وعد بها بيزنطة، أثناء المجمع، والتي كانت تشكل الفرصة الوحيدة لخلاص القسطنطينية من سقوطها بيد العثمانيين الأتراك، ففي ٢٩ أيار عام ١٤٥٣
استولى السلطان محمد الفاتح، على كنيسة اجيا صوفيا، واضعاً نهاية للإمبرطورية المسيحية البيزنطية، وأول شيء قام به هو تعيين "جورج شولاريوس" بطريركا للقسطنطينية باسم البطريرك "جناديوس". ومنذ ذلك الوقت تم التحالف بين السلطان العثماني والبطاركة ضد البابوية، عدوهما المشترك.
ظل الروم الأرثوذكس، ولقرون، مترددين بين ولائين:
١- الأرثوذكسية اليونانية ومن ثم السلافية.
٢- الاتحاد مع الفاتيكان بروما.
-أدرج بعض البطاركة الأرثوذكس اسم البابا، في كتب الليتورجيا، منذ عام ١٤٤٠، وقد أكد ذلك بطريرك الاسكندرية "فيلوتيه" برسالة الى البابا "أوجين الرابع" عام ١٤٤٣م. في حين تراجع بطريرك الاسكندرية، بعد عدة سنوات، ١٤٤٣، في حين أن البطريرك الأنطاكي الجديد، ميخائيل الثالث، الذي انتخب عام ١٤٥١، ترجم الى العربية، قرار الوحدة الذي وقع في فلورنسا (١٤٣٩). والذي أتى به الى سوريا، "نثنائيل مطران رودس".
في عام ١٤٨٤م. عقد سينودوس في القسطنطينية، قطع نهائيا رابطة الوحدة مع الفاتيكان بروما.
لم يحضر بطاركة إنطاكيا والقدس، هذا السينودس، ولم يكن لهم من يمثلهم، أما بطريرك الاسكندرية، فقد ناب عنه أسقف ازمير، دانيال، وكان حضوره رمزياً.
-كانت أديرة الروم الأرثوذكس في سوريا ولبنان، تضم أهم الطوائف الرهبانية، دير مار يعقوب قرب بلدة قارة، وكان يضم أكثر من ١٢٠ راهباً، دير مار جاورجيوس الحميرة، بالقرب من مرمريتا كان تأثيره على كل وادي النصارى في الشمال الغربي لمدينة حمص، أديرة معلولا، صيدنايا، والزبداني. كانت تستقطب المسيحيين الدمشقيين. وفي جبل لبنان كان دير سيدة قفطين، والبلمند، ومار الياس الشويا، سيدة قفطون وبترام، وعماطورا، تضم مسيحيي المنطقة...
-حوالي منتصف القرن السادس عشر، انفتحت بطريركية انطاكيا للروم الأرثوذكس، على كل من العالم السلافي، وعلى البابوية الغربية، شارك البطريرك يواكيم الرابع ابن جمعة (١٥٤٣-١٥٧٦)،بكل الأحداث التي طبعت الكنيسة البيزنطية، فقد اجتمع عام ١٥٥٧، في القاهرة مع نظرائه بطاركة الاسكندرية والقدس لوضع قوانين مشتركة للحياة الرهبانية لرهبان سيناء، ثم ذهب الى رومانيا والى بولونيا، وكان المؤرخ العجيمي، قد عده من المناصرين للاتحاد بروما.
- وقع اضطراب وقلق عظيم، بسبب المنافسات على بطريركية انطاكيا، طال شخصيات مهمة مثل: ميخائيل السادس صباغ (١٥٧٧-١٥٨١) الذي كان يعرف العربية واليونانية والسريانية، وبسبب افتراء أحد كهنة رعيته، استبدل بيواكيم الخامس ابن ضو .سافر هذا البطريرك الى بولونيا وموسكو، وتدخل بفعالية، في الأزمة الكنسية للكنيسة الرومانية، وألف جمعية Lvov، وأصدر عام ١٥٩٠ قراراً بإحداث بطريركية موسكو.
-وبسبب المنافسات المستمرة على كراسي الأسقفيات، توجهت التراتبية الأكلوريسية الانطاكية الى الاتحاد الروماني حتى سنة ١٦٢١م. فأسقف حلب: "ملاتيوس كرمة" قدم ولاءه الى رئيس حراس الارض المقدسة -الفرنسيسكان- "توماس دي نوفارا" بقصد ونية تعريب النص الليتورجي اليوناني. وقد قدرت روما مبادرته، واعتبرته من الرواد المعاصرين للاتحاد مع روما.
"تكيف البطريركية الأرثوذكسية الأنطاكية في الاتحاد مع روما".
- تزايد الضيق والقلق، في بطريركية انطاكيا، في تلك الفترة الحرجة. فظهرت عدة اتجاهات داخلها. فقد توزعت الروابط مع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والروسية في بطريركيتي الاسكندريةوالقدس.
بينما زاد المنحى الاتحادي مع روما في سوريا ولبنان، ففي عام ١٦٢٢-٢٣، أرسلت البروباغندا الرومانية الى أسقف حلب، ملاتيوس كرمة، عدة كتب ليتورجيا يونانية، تبعها مجموعة كتب أخرى حتى ١٦٣٠.
اقترح الأسقف كرمة على الكردينال: "بورجيا" أن يطبع الانجيل باللغة اليونانية والعربية مع قاموس باللغتين، وأرسلهم له عن طريق زميليه "باخوميوس الصاقازي، وأسقف الموارنة اسحق الشدراوي. وبعد أن أصبح بطريركا عام ١٦٣٤م، تم اغتياله بسبب تعاطفه مع روما، وكان ذلك بعد سنة من انتخابه ،١٦٣٥م.
ناقش خليفته افتيموس الثالث الصاقازي ١٦٣٥-١٦٤٧. الاتحاد مع روما، ودعاه مجمع البروباغندا، أن يرسل كهنة شباب، الى روما لتلقي العلوم اللاهوتية، ولكنه لم يعلن تقاربه هذا مع روما بشكل علني.
- مكاريوس الثالث الزعيم (١٦٤٧-١٦٧٢)
يجسد هذا البطريرك حال بطريركية انطاكيا المتضاربة بين عدة توجهات. ففي أول زيارة له الى موسكو عام ١٦٥٣ -١٦٦٠. تصرف كبطريرك أرثوذكسي، واعتبره الأكرانيون والمولدافيون، الأول بين البطاركة، وخليفة بطرس الرسول. وزيارته القصيرة لحلب، عام ١٦٢٢، أعطت البعثات التبشيرية الغربية انطباعا حسنا عنه ولفتت نظرهم اليه، فقنصل فرنسا "بيكت" أشار الى نواياه بتقارب الأرثوذكس مع كنيسة روما. وفي زيارته الثانية لموسكو، لتنصيب "نيكون" بطريركاً، كان له تواصل مع الكبوشيين بحلب..
توفي في ١٢ حزيران ١٦٧٢م، وبكاه الأرثوذكس والكاثوليك،ورافقوا جثمانه الى المقبرة.
"الاتحاد مع روما يحير بطريركية انطاكيا"
-بين عامي ١٦٧٢-١٦٨٢، أدى التنافس بين البطاركة الى انقسام الأسقفيات،
فقد خلف المرشح السوري كريللس الزعيم المرشح المدعوم من القسطنطينية،
"نيوفيطوس الصاقازي، الذي تنازل عن المنصب، بسبب تراكم ديونه. وبعد مدة قصيرة، وجد البطريرك الشرعي منافساً من رهبان دير مار سابا بفلسطين، بروكوريوس الدباس، مدعوماً من الرهبان الفرنسيسكان، ومن القنصل الفرنسي،
وبعد حرب طاحنة بين الخصمين، تصالحا عام ١٦٩٤. وأصبح الدباس البطريرك اثناسيوس الثالث، واكتفى بكرسي أسقفية حلب مع الحق بخلافة البطريرك أثناسيوس الخامس بعد موته. ألغت روما عام ١٦٩٧ تنازل أثناسيوس الثالث، وبدوره توجه كريللس الخامس نحو روما، وفي عام ١٧١٨، قدم اعترافه الكاثوليكي، قررت البروباغندا الرومانية قبول تنازل أثناسيوس الذي كانت قد رفضته عام ١٦٩٧. تشبث هذا الأخير بلقبه بطريرك متحد مع روما طالما مصلحته تقتضي ذلك.
اعترفت البروباغندا الرومانية بشرعية بطريركية كيرللس الخامس التي حاربتها في الماضي.
بموت كريللس في ٥ كانون الأول ١٧٢٠، توضحت الأمور، فقد حظي أثناسيوس الثالث من جديد بالشرعية الرومانية حتى موته في ١٥ آب ١٧٢٤. الذي فتح باب الانفصال الدائم للبطريركة الانطاكية.
-منذ عام ١٦٨٢ أعلن أفتيموس الصيفي أسقف صيدا بشكل علني توجهه لاتحاد مع روما في عام ١٦٩٧، قام بضعة رهبان تابعين لدير البلمند بالقرب من طرابلس بترك طائفتهم، وتوجهوا الى وادي الجماجم، بالقرب من قرية الشوير لتأسيس دير الباسيليين الشويريين، فقد كانوا من آوائل الراغبين بالاتحاد مع روما. في ٢ تموز عام ١٧٠١ أعلن مطران بيروت سلفستروس الدهان إيمانه الكاثوليكي، الى البابا أكليمنضوس الحادي عشر، وفي العام نفسه انضم الشماس عبد الله زاخر، الى الاتحاد مع روما وناضل في سبيل ذلك حتى موته عام ١٧٤٨. وأسس افتيموس الصيفي عام ١٧١١ دير المخلص.
-أصدر السلطان العثماني أمراً في ١٤ أيلول ض١٧٢٢ الى بطريركية انطاكيا، أبطل فيه كل تقارب مع روما، ومنع المبشرين اللاتين، التعاطي مع طائفة الأرثوذكس، تدخل ملك فرنسا لويس الخامس عشر لإلغاء هذا الأمر، ولكنه لم يصل الى نتيجة، حدث ذلك بوقت وصلت الأزمة في البطريركية الأنطاكية الى ذروتها.
أدى موت أثناسيوس الثالث دباس، الى أن يعلن الفريق الكاثوليكي نفسه بشكل علني، ظاناً أن الوقت قد حان لانتخاب بطريرك يفرض نفسه على كامل البطريركية الأنطاكية.
تشكل تحالف من ثلاثة أساقفة بينهم أسقف صيدنايا، لترشيح كريللس الخامس طاناس ابن أخ المطران أفتيموس الصيفي، للمنصب. وتم انتخابه في ٢٠ أيلول ١٧٢٤. بعد أسبوع من الانتخابات في ٢٧ ايلول ١٧٢٤. واستناداً الى عريضة قدمها أهالي حلب إلى القسطنطينية أن يكون المطران سلفيستروس القبرصي بطريركاً.
-ان هذا الانشطار التراجيدي للتراتبية في البطريركية الانطاكية، أعاد التنافسية البطريركية ثانية. فقد شارك كهنة البطريركية والمؤمنون والمرسلون اللاتين والقنصل الفرنسي، في أخذ موقف من المرشحين للمنصب، فئة ناصرت سيلفستروس القبرصي ليس بسبب أرثوذكسيته، وآخرون ناصرو كاثوليكية كريللس طاناس وليس لشخصه.
لم يتسرع الكرسي الرسولي بروما بتأييد البطريرك التوحيدي، بينما أخذت الديبلوماسية الفرنسية موقفا صريحاً ضد المرشح التوحيدي كريللس، وساندت موقف الروم الأرثوذكس أي سيلفستروس القبرصي.. وكان قنصل فرنسا في صيدا، "بينوا لومير" قد استنكر ولام التجار من مواطنيه الفرنسيين، لإقراضهم أموالاً للبطريرك كريللس. وفي القسطنطينية، قام السفير الفرنسي الذي خلف السيد "بوناك" ويدعى "اندريزيل" باتخاذ اجراءات ضد كريللس.
وفي السادس من أيار ١٧٢٥. عبر السفير الفرنسي لوزير خارجيته "السيد موروبا"عن تأييده للاجراءات التي اتخذتها الحكومة العثمانية بحق كريللس، بحبسه ونفيه، برغم تأييد المرسلين اللاتين بحلب ودمشق لكريللس، ولم يتخذ أي اجراء أو دعم لصالحه.
في ٢٣ تموز قدم السفير الفرنسي في القسطنطينية الدعم الكامل للبطريرك سيلفستروس. وأبلغ ذلك لوزير خارجيته.
وهكذا تصدت الديبلوماسية الفرنسية برفضها لخطوة الاتحاد مع روما. وهي التي كانت دائما الحامية التقليدية للكاثوليك الشرقيين!؟
رافق هذا التبدل، إلى أخذ موقف تحفظ من غالبية أساقفة البطريركية الأنطاكية، والذي سبب الانشقاق التراجيدي في هذه البطريركية.
وقد نشأ الاتحاد مع روما علامة غموض مما أجج انقسام الكنيسة.
قامت روما بفحص دقيق لملف الكنيسة الأنطاكية. وعقدت لجنة البروباغندا التي رأسها الكردينال: "بيترا" سبع جلسات من ١٥ أيار الى ٥ تموز ١٧٢٨. وكلفت الكبوشي: "دوروتيه" أن يبلغ البطريرك كريللس أن تثبيته والاعتراف به مشروط بعدة التزامات.
وفي ٢٢ نيسان ١٧٣٠ أعلن رسمياً كريللس السادس طاناس قبول الشروط الرومانية. ولكنه لم يحصل على درع التثبيت "الباليوم" (تثبيت تنصيبه رسميا) إلا في الثالث من شهر آذار عام ١٧٤٤.
《الأب جوزيف حجار ١٩٢٣-٢٠١١》
باحث وحامل درجتي دكتوره، ومحاضر بجامعات: لاتران روما، وجامعة ليون فرنسا، وجامعات اكسفورد وميونخ، والأكاديمية الدولية للعلوم الدينية من بلجيكا. له عشرات الكتب في التاريخ الديني وفي السياسة الدولية. يعتبر مرجعاً بالتاريخ ذات سمعة عالمية.