"قومة موحسن" في مواجهة زحف الرأسمال التجاري لحيازة الأرض
2023.09.22
د. عبد الله حنا- فينكس
الحلقة الأولى
دخلت قرية موحسن بسكانها البالغ عددهم سبعة آلاف نسمة في خمسينات القرن العشرين والواقعة على الضفة اليمنى لنهر الفرات إلى الشرق من دير الزور تاريخ النضال الفلاحي باسم "موسكو الصغرى". فقد استطاع فلاحو هذه القرية، الذين دخلت الأفكار الشيوعية قريتهم في أوائل خمسينات القرن العشرين عن طريق معلم المدرسة الابتدائية القادم من مدينة دير الزور والمتقد حماسة لإقامة نظام اشتراكي خال من استثمار الإنسان للإنسان ومن تجميع الثروات في أيدي أقلية من المرابين والتجار وكبار الملاك والسماسرة وغيرهم وحرمان المنتجين الحقيقيين من ثمرة أتعابهم.
فمن المدينة، دير الزور، دخل في أوائل خمسينات القرن العشرين الفكر الاشتراكي إلى قرية الموحسن على يد معلم شيوعي قادم من دير الزور. ومن المدينة أيضا، دير الزور، دخل قبل ذلك الرأسمال الربوي والتجاري زاحفا لتوظيف رأسماله وتحقيق الأرباح، ومندفعا في استثمار الفلاحين بالوسائل المتاحة آنذاك وفي مقدمتها شراكة الأغنام وبيع المياه المرفوعة من الفرات. وشيئا فشيئا، حصل هذا الرأسمال الربوي والتجاري على قسم كبير من إنتاج الفلاحين عن طريق بيعهم الماء، الذي يرفعه الغرّاف أولا (منذ مستهل القرن العشرين) ومن ثمّ الموتور (المضخة) ثانيا (منذ بداية ثلاثينات القرن العشرين)، وهما ملك الرأسمالي. وبهدوء وذكاء سعى هذا الرأسمال إلى الاستيلاء على الأرض مصدر الحياة الوحيد في المنطقة آنذاك.
ومثلما انطلق الشر والخير من المدينة ضمّت القرية بين جناحيها أيضا الأشرار والأخيار. فالزعامة العشائرية في القرية وقفت في معظم الأحيان ضد أبناء العشيرة وتحالفت مع مستثمري المدينة من تجار ومرابين ومتنفذين، وتقاسمت وإياهم الغنيمة، التي تمثلت في ذلك الحين في الأرض ينبوع الثروة ومصدر الخيرات. وبدلا من أن توزع الخيرات على صانعيها استأثر بها التحالف العشائري ـ الرأسمالي وحرم الريف من معظمها. وكثيرا ما يشكل التناقض بين المدينة والريف محور الأحداث لفترة من الزمن، وكثيرا ما يكون هذا الصراع صراعا شكليا، كما هو الحال بين دير الزور وريفها. ولكن تاريخ الصراع على ملكية الأرض في قرية الموحسن يقدّم، في العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين، صورة معاكسة، صورة حقيقية لجوهر التناقض الاجتماعي.
فنموذج الموحسن يقدم، كما سنرى، صورة لتحالف القوى التقدمية في المدينة، ديرالزور، مع فلاحي الريف من المو حسن ضد الرأسمالية الزراعية المنطلقة من المدينة والساعية للتحالف مع الزعامة العشائرية أولا ثمّ لابتلاعها، أي تجريدها من نصيبها من الأرض لاحقا.
من جانب آخر لا يمكن أن نغفل الدور الإيجابي للرأسمال الزراعي في التنمية وانتشار المعمورة وزيادة المساحات المزروعة وبالتالي زيادة الإنتاج. وقد كتب الكثير عن دور الرأسمال الزراعي في التقدم، الذي جرى في الجزيرة وحوض الفرات ولا حاجة لتكراره. ولكن معظم الدراسات والكتابات، إن لم نقل كلها، أهملت أمرين:
- طرق استيلاء الرأسمال الزراعي المتحالف مع الزعامات العشائرية في تسجيل (تطويب) الأرض باسمهما وحرمان الفلاحين منها.
- والأمر الثاني إغفال حياة الفلاحين العائشين على هذه الأرض سواء بقوا عليها كفلاحين محاصصين، في حالة الموحسن، أو هجّروا منها بعد دخول التراكتور والحصّادة. وهذا البحث سيتناول الجانب الأساسي فيما أهمله "الباحثون" ونعني به الإنسان المنتج صاحب الأرض الشرعي المحروم منها. وسيهتم هذا البحث، بما أهمله الآخرون، بنضال الفلاحين من اجل الاحتفاظ بأرضهم ومقاومتهم للاستغلال والاستثمار، مسلطا الأضواء على معرفة من يملك الأرض أحد مفاتيح فهم التاريخ.
*******
الحلقة الثانية
دخلت قرية موحسن بسكانها البالغ عددهم سبعة آلاف نسمة في خمسينات القرن العشرين والواقعة على الضفة اليمنى لنهر الفرات إلى الشرق من دير الزور تاريخ النضال الفلاحي باسم "موسكو الصغرى". فقد استطاع فلاحو هذه القرية، الذين دخلت الأفكار الشيوعية قريتهم في أوائل خمسينات القرن العشرين عن طريق معلم المدرسة الابتدائية القادم من مدينة دير الزور والمتقد حماسة لإقامة نظام اشتراكي خال من استثمار الإنسان للإنسان ومن تجميع الثروات في أيدي أقلية من المرابين والتجار وكبار الملاك والسماسرة وغيرهم وحرمان المنتجين الحقيقيين من ثمرة أتعابهم.
وكان المستعمرون يفرضون الغرامات على الفلاحين والمرابون يستردون منهم ديون الغرامات مع فوائدها.
في أواخر القرن التاسع عشر أخذت النصبة (الجرد)، وسيلة رفع المياه من الفرات لري الأرض، تتراجع في المناطق القريبة من دير الزور بصورة ملحوظة لصالح الغرّاف الأكثر قدرة على رفع المياه. وبسبب قرب الموحسن من دير الزور، مركز تصنيع الغراريف، انتشر بسرعة فيها. فقد وجد في عشرينات القرن العشرين أكثر من عشرين غرافا في زور موحسن، معظمها ملك لأثرياء الدير، الذين تقاضوا سدس المحصول لقاء تقديم الغرّاف وبعضها لأغنياء الفلاحين. كما كانت العلاقات التجارية وثيقة بين "دكنجية" (أصحاب الدكاكين) الدير والفلاحين.
******
الحلقة الثالثة
الخصام بعد التحالف بين الزعامة العشائرية للموحسن والإقطاع التجاري أفسح المجال أمام الشيوعيين أن يخوضوا غمار النضال.
تألفت أراضي المو حسن الواقعة إلى الشق من دير الزور من ثلاثة مواقع هي:
ـ أرض الزور المحاذية لنهر الفرات والممتد حتى طريق القطعة جنوبا. وكانت تروى بواسطة النصبة ثمّ الغرّاف. وأرض الزور هذه كانت موزعة بين الفلاحين بمعدل نصف نصبة تقريبا، وهي مسجلة في دائرة الطابو بأسماء المالكين، الذين تفاوتت ملكيتهم لأسباب مختلفة: سطوة النفوذ العشائري وحيازة وجيه العشيرة مساحة أوسع، بيع بعضهم بسبب فقره لملكيته، تفتت الملكية بالإرث. وكان دخول الغرّاف في مستهل القرن العشرين حدثا هاما في زيادة مساحة الأرض المروية من جهة، ونيل أصحاب الغراريف سدس المحصول من جهة ثانية.
2 – أرض النحامة الممتدة من طريق قرية القطعة شمالا حتى طريق دير الزور الميادين جنوبا. وهي أرض مشاع جرى تسجيلها أواخر العهد العثماني بأسماء فلاحي الموحسن خلافا لرغبتهم. فالدولة رأت في تسجيل الأرض وسيلة لجباية الضريبة، والفلاحون لم يكن لهم مصلحة آنذاك في الطابو، الذي يرتب عليهم ضريبة عن أرض، بقيت بور لا يمكن ريّها بالوسائل القديمة كالنصبة والغرّّاف بسبب ارتفاعها عن مستوى النهر. ومع دخول المضخة في ثلاثينات القرن العشرين أصبح بالإمكان ريّ هذه الأرض وأصبح لها قيمة شرائية.
3 – أرض الحاوي الممتدة من طريق دير الزور – الميادين شمالا حتى سلاسل الهضاب الموازية لنهر الفرات على بعد عدة كيلو مترات جنوبا. وكانت هذه الأرض قبل وصول الماء إليها عن طريق الضخ في ثلاثينات القرن العشرين أرضا أميرية (أملاك دولة) تستخدم كمراعي لطروش أهل القرية، التي كان قسما منها ملكا لأثرياء دير الزور يقوم رعاة الموحسن برعيها وفق مبدأ الشراكة المتعدد الأساليب. وعندما ظهرت محركات الضخ بدأ مالكو المضخات من أثرياء الدير بالتعاون مع الفلاحين يزرعون هذه الأرض ريّا ويتقاسمون المحاصيل. ثم شرع بعض أثرياء الدير من مالكي المضخات يتطلعون إلى تملك أرض الحاوي وتحويلها من ملكية للدولة إلى ملكية خاصة بهم وحرمان الفلاحين منها. وهذه الظاهرة لا تقتصر على الموحسن، بل هي ظاهرة عامة شملت معظم أراضي الحاوي في وادي الفرات، وبخاصة بعد إمكان إيصال مياه الفرات إلى أرض الحاوي المرتفعة نسبيا.
وهنا نلاحظ تحالف الرأسمال الزراعي مع الزعامات العشائرية للفلاحين لتقاسم هذه الأرض وحرمان الفلاحين منها. وفي بعض الحالات دبّ الخلاف بين "الرأسمال الزراعي" والزعامة العشائرية على تقاسم الغنيمة وكان هذا الأمر، كما هو في حالة الموحسن في صالح الفلاحين، وأحد العوامل الرئيسية لقومتهم.
ففي عام 1927 جاء ثلاثة من تجار الدير [هم: محمود الحمد العبود وحسين المحمد الجاسم وعقلة الحاج خليفة] بمحرك من نوع رستم قوة أربعين حصان ويعمل على الفحم. استخدم هذا المحرك في البدء لتدوير حجري الرحى لمطحنة طحن الحبوب، ثمّ تحول، بعد تعديله عام 1932 إلى مضخة لرفع المياه وسقاية الأرض. وكان ذلك إيذانا ببداية النهاية لوسائل رفع الماء القديمة وهي النصبة والغرّاف. وأخذ هؤلاء التجار يقدمون نصف البذار والماء المرفوع بواسطة المحرك رستم لفلاحي الموحسن ويتقاسمون المحصول مناصفة. وشيئا فشيئا أخذوا يستأجرون الأرض من الفلاحين ويزرعونها لحسابهم عن طريق وضع محاصصين. وكانت حصة الفلاح المحاصص ربع حاصل الإنتاج المقتصر آنذاك على الحنطة والشعير.
بعد مدة قصيرة دخل منافس جديد لهؤلاء هو محمد سعيد هنيدي، تاجر الحبوب والغنم والسمن المشهور في الدير. وقد قام الهنيدي عام 1936 بتركيب محطة ضخ ديزل ضخمة على الفرات في الموحسن بالقرب من رستم. وجرى تنافس بين التجار مالكي المضختين. وقد خدمت "الظروف" الهنيدي في إزاحة التجار الثلاثة مالكي المحرك رستم بعد أن خسروا في تجارة الغنم واستدانوا مبالغ من المال من الهنيدي. وقد تمّ وفاء قسم من الدين عن طريق شراء المحرك رستم وقسم من أراضيهم في الموحسن، كان الفلاحون قد باعوها (أو رهنوها) لقاء الديون المتراكمة عليهم مع فوائدها للتجار الثلاثة. وهكذا انتقلت ملكية هؤلاء التجار الثلاثة في الموحسن إلى الهنيدي. وبناء على اتفاق شفهي عام 1939 {هذا مانرجحه اعتمادا على ما ذكرته جريدة الصرخة الشيوعية عام 1954 من أن الهنيدي أخذ الأرض قبل 15 سنة، أي عام 1939} مع الزعامة العشائرية للموحسن حصل الهنيدي أيضا على حق استثمار أرض الحاوي مناصفة مع أهل الموحسن.
جرى ذلك عام 1939 حيث ساعد (أو لم يعارض) رؤوس أفخاذ موحسن {وعددها ستة أفخاذ تنتمي إلى البوخابور كما رأينا} محمد سعيد الهنيدي على تسجيل (تطويب) جزء كبير من أرض الحاوي (وهي أملاك دولة) مساحتها 8500 دونم و وبقي القسم الباقي من أرض الحاوي "معلقا" بين الهنيدي والفلاحين. وسرعان ما أخذت المياه المرفوعة من الفرات بمضخات الهنيدي تروي أرض الحاوي منتجة المحاصيل الوفيرة. وفي عام 1944 قام الهنيدي بوضع مضخة ديزل ثانية لضخ المياه وتوسيع استثماراته. وهنا فاق الفلاحون من "غفوتهم" وشعروا بأنهم أخطؤا في عدم مقاومة الهنيدي ومنعه من تسجيل الأرض (قسم من أرض الحاوي) باسمه وحرمانهم منها.
في منتصف أربعينات القرن العشرين رفع فلاحو الموحسن راية المقاومة ضد هذا التاجر الذي أخذ أرضهم في غفلة منهم ومن الزمن غير المناسب لمصالح الفلاحين، وهذا ما عرف بـ"قومة الموحسن الأولى" لعام 1946. فقد منع الفلاحون مرور سواقي الهنيدي عبر أراضيهم (الزور والنحامة) إلى أرض الحاوي المسجلة حديثا باسم الهنيدي، وهي أملاك دولة كان العرف الفلاحي يعتبرها ملكا لأهل قرية الموحسن. ولكن محمد سعيد هنيدي بدهائه ودبلوماسيته استطاع، بعد مفاوضات مع زعماء أفخاذ الفلاحين، الوصول إلى اتفاق يتنازل بموجبه الهنيدي عن نصف ما يملكه من أرض الحاوي لأهل الموحسن مقابل أن يتنازل هؤلاء له عن نصف أرضهم في النحامة. والرواية الفلاحية في الموحسن تقول أن وجهاء القرية تواطؤا مع الهنيدي وقاموا بالتنازل عن نصف أرضهم (في النحامة) دون أن يقوم الهنيدي بالتنازل عن نصف أرضه في الحاوي ومساحتها 8500 دونم للفلاحين. ومعنى ذلك ان الهنيدي ربح دون أن يخسر شيئا إلا "إرضاء" وجهاء القرية "بما فيه النصيب" .
{هذا التفسير هو للمؤلف (عبد الله حنا) ولم اسمعه صراحة ممن التقيت بهم. ولكن منطق الأمور وخبرة المؤلف تجعله يجزم في هذا الأمر. وفي إحدى قرى حلب باع أحد الزعماء أرض القرية بعباءة...}
ونكرر هنا ما ذكرناه قبل قليل حول ظاهرة تحالف الزعامة العشائرية في القرى مع متنفذي المدينة وأثريائها لتسجيل الأرض باسم الطرفين، أو تنازل الزعامة العشائرية عن الأرض المشاع (أو أرض أملاك الدولة) للقرية لقاء ثمن معين، ظاهرة شبه عامة جرت في معظم قرى الفرات، وغيره من المناطق. والخاسر الوحيد في هذه الصفقات هم الفلاحون.
وبعد مدة توفي محمد سعيد هنيدي وحلّ محله ابنه جميل، الذي لم يكن كأبيه في اتباع اللين وسياسة مسايرة رؤساء الأفخاذ. وقد أدت سياسة جميل هذه، المخلّة بالشروط الشفهية بين الهنيدي الأب ورؤساء الأفخاذ، واتباعه أسلوب قهر الفلاحين وإجبارهم على السخرة وإهانة المعارضين منهم وحرمانهم من الفلاحة في أرضه وتأمين مورد رزق لهم، إلى تسهيل تحالف رؤساء الأفخاذ الناقمين على حليف الأمس والمصابين بخيبة الأمل منه مع القوى الفلاحية المتضررة من تلك الصفقة بين التاجر وزعماء الأفخاذ.
وهنا نلاحظ أن الرأسمال التجاري تحوّل إلى مستثمر إقطاعي له أزلامه ويسخّر الفلاحين المحاصصين ويهينهم ويقوم بأخذ حصة إضافية عند تقسيم المحصول المعروفة في الموحسن بـ"الطماس". وهذا كان من العوامل الدافعة لقومة الموحسن.
في تلك الأجواء كانت عواطف الفلاحين تتجه في أوائل خمسينات القرن العشرين نحو الأفكار الاشتراكية. وبفضل الأجواء العامة السائدة، ونشاط المعلم الشيوعي القادم من ديرالزور ممدوح عباس، الذي عقد صلات حميمية مع شيوخ الأفخاذ واحتضن طلاب موحسن القادمين لتلقي العلم في المدرسة المتوسطة في دير الزور في العام الدراسي 1952 ـ 1953. وقام ممدوح بتنظيم بعض هؤلاء الطلاب الناشئين في الحزب الشيوعي، وكان يساعدهم في كل أمر يحتاجونه، ولا يبخل بالمساعدة المالية من جيبه الخاص للمحتاجين منهم. ولهذا أصبح تحرك الفلاحين في الموحسن يسير بشكل عقلاني منظم ومرتبط بالحركة الفلاحية والاجتماعية الصاعدة في سورية خمسينات القرن العشرين.
ردا على سياسة التاجر الديري المتصلبة وقلبه ظهر المِجَنْ للزعامة العشائرية قرر فلاحو الموحسن الموحدين والمسلحين فكرا سياسيا متقدما (عن طريق الطلاب ذوي النفوذ المؤثر رغم صغر سنهم) دخول معركة مكشوفة مع الإقطاع التجاري. وهكذا عقد الفلاحون مع زعامتهم العشائرية سلسلة مشاورات واجتماعات أثمرت في خريف 1952 على عقد حلف بين الفلاحين تعاهدوا فيه ألا يفلحوا في الحصة في أرض الحاوي التابعة للتاجر الديري الذي ملك، كما رأينا، مضختين حديثتين لضخ المياه من الفرات إلى أرض الحاوي. ولكن عددا من الفلاحين خرق المقاطعة وخان رفاقه، تحت ضغط الحاجة، وقام بالعمل محاصصة في أرض التاجر الهنيدي. وقد أدى خرق المقاطعة هذا إلى توتر الأجواء في القرية مما كاد يؤدي إلى انفجار الخلاف بين الفلاحين، وقسّم القرية إلى قسمين: شرقي وغربي، أي بين مؤيد للهنيدي ومعارض له. ولكن الوعي الثوري المنتشر في القرية بين الشباب، وهم من طلاب المدرسة الإعدادية في دير الزور ويضمون أفرادا من جميع الأفخاذ، تغلّب على هذه الإشكالية، واسهم في توحيد الفلاحين من جهة ودفعهم لربط قضيتهم بتيار النضال الوطني العام، وتعريف الرأي العام في سورية على قضيتهم، وكسب أنصار لهم في دير الزور ودمشق وغيرهما من المدن السورية. ولا يمكن هنا إغفال دور الشيوعيين البارز في توجيه المعركة وجهة طبقية ووطنية وتخليصها من الحزازات العشائرية والتحرك العشوائي غير المنضبط.
{لفت نظر المؤلف عبد الله حنا، إلى ظاهرة تردد شباب (أو بالأصح شبيبات الموحسن) المتقدين حماسا على محاضراته الثقافية عندما أوفده الحزب الشيوعي السوري للقيام بنشاط ثقافي صيف1957 في دير الزور لمدة شهر ونصف.}
********
الحلقة الرابعة
تميزت معركة الموحسن الواقعة إلى الشر من دير الزور مع الإقطاع التجاري في خمسينات القرن العشرين بتعاطف القوى التقدمية والمناهضة للإقطاعية مع فلاحي المو حسن وحركتهم في الدفاع لاسترداد أرضهم المسلوبة أمام زحف الرأسمال التجاري والزراعي. كما تميزت المعركة أيضا بنشاط اليسار في التعريف إعلاميا بقضية القرية. وبدا ذلك واضحا من خلال العريضة، التي تقدم بها وفد موحسن إلى الصحف الدمشقية ونشرتها جريدة الصرخة اللبنانية الشيوعية بتاريخ 16 / 7 / 1954. وننشر فيما يلي نص العريضة كما وردت في الصرخة:
’’نحن فلاحي قرية موحسن البالغ عددها 7000 نسمة نتوجه إلى الرأي العام لبسط قضيتنا العادلة أمامه طالبين تأييدنا لاسترداد أرضنا المغتصبة من قبل الإقطاعية المجرمة. خمسة عشر عاما مضت ونحن نقاسي الظلم الفادح والضغط القاتل من قبل الإقطاعيين الجشعين آل هنيدي فهم يستعملون مختلف الوسائل البشعة لسلب أراضينا وتفريق صفوفنا وإيقاع الفتنة بيننا. هذه الأراضي البالغ مساحتها 40000 دونم، والتي تضم منطقة الحاوي والنحامة. ففي أيام الاحتلال الفرنسي اغتصب آل الهنيدي 8500 دونم من مجموع منطقة الحاوي البالغ مساحتها 25000 دونم. وحوالي سنة 1946 زعم آل الهنيدي أنهم سيعطوننا نصف ما استملكوه من منطقة الحاوي مقابل إعطائهم نصف النحامة البالغ مساحتها 15000 دونم، والتي نملكها بموجب سندات تمليك. وعندما أفرغنا لهم وسلمناهم ما طلبوه منا نكثوا بوعدهم وامتنعوا عن تسليم المساحة المستحقة لنا بذمتهم. ويحاول آل الهنيدي حاليا السيطرة ووضع اليد على ما تبقى من أراضينا وابعادنا عنها. وهم يعملون من أجل ذلك بمختلف الوسائل كإثارة الفتن وتنظيم اعتداءات مسلحة علينا والصقوا بنا مقتل أحد عملائهم، واتهموا فلاحا بريئا بمقتله. كما أشعلوا فتنة أخرى في قرية القطعة المجاورة ووقع من أثرها ما يقارب خمسون جريحا. كما يستغلون نفوذهم ويدعون تبديل ونقل الموظفين الذين يعاكسون رغباتهم وأطماعهم.
لقد دافعنا عن أراضينا وما زلنا متحدين متضامنين لحماية حقوقنا الشرعية بدمائنا. وإننا نطلب إلى الشعب الكريم وإلى الصحافة دعمنا ومساندتنا وتأيدنا بنضالنا ضد الإقطاعية المجرمة وعن حقنا المغصوب بالأرض ومن أجل حياتنا وحياة أطفالنا ونسائنا. ولنا وطيد الأمل بأن قضيتنا ستلقى ما تستحقه من عدل وإنصاف من القضاء النزيه والسلام.
[يبدو واضحا من خلال صياغة العريضة الجو العام السائد آنذاك ضد القوى الإقطاعية وسياسة الحزب الشيوعي الخارج لتوّه من معركة الدكتاتوريات العسكرية 1949 ـ 1953]
تأييدا لفلاحي موحسن وقع 500 شخص من أهالي دير الزور من أطباء ومحامين وأساتذة وعمال عريضة تؤازر موحسن وُزّعت على الصحف ونشرتها جريدة بردى الدمشقية الحيادية، التي لا تحمل لونا حزبيا، في 28 تموز 1954، وفيما يلي نصها:
’’نحن الموقعين أدناه أهالي دير الزور نؤيد فلاحي قرية موحسن في نضالهم لاسترداد أراضيهم المغتصبة من قبل الإقطاعية المجرمة، التي نشأت وترعرعت في الفرات بين أحضان الاستعمار الفرنسي. وإننا نهيب بالحكومة الوقوف بحزم في وجه الإقطاعية الغاشمة، كما نستصرخ الشعب السوري في الانتصار لحقوق فلاحي موحسن المهضومة.‘‘
هذه العريضة، التي نشرتها جريدة بردى غير اليسارية والمتصفة بخطها الوسطي تدل على أن الحركة الفلاحية لم تبق معزولة في الأرياف، بل أخذت تجد لها حلفاء في الأوساط المدينية من الفئات العمالية والبورجوازية الصغير المتنورة. كما أنّ المناقشات الجارية عام 1949 لوضع دستور 1950 تعكس مواقف البورجوازية السورية، وبخاصة مثقفيها، من الرغبة في تحجيم العلاقات الإقطاعية.
برز التعاطف مع الفلاحين جليا في المقال، الذي نشرته جريدة بردى الدمشقية في 18 تموز 1954 تحت عنوان: ’’الفلاح بين فكي الإقطاعية والقانون‘‘، جاء فيه: ’’...إن قصة فلاحي موحسن التابعة لدير الزور من أعجب القصص على طغيان الإقطاعية على الفلاح وعلى قوانين الدولة. إنها قصة كل فلاح ضعيف... إن حكومة الحزبين المؤتلفين السابقة (حزبي الشعب والوطني ـ المؤلف) تبنت قرارا كانت نقضته محكمة التمييز في عهد الشيشكلي، لأنه يخدم مصلحة خصوم الفلاحين... وصدرت قرارات متناقضة بشأن أراضي موحسن... إن قرار التجميل لم ينفذ في عهد الشيشكلي فكيف تقوم الحكومة اليوم بتنفيذه وهي رمز الحياد... والغريب أن عملية التجميل لم تجر إلا في هذه القرية، فلماذا؟... ‘‘والجواب الذي أرادته الجريدة هو أن التجميل هدف إلى إضفاء صفة الشرعية على اغتصاب كبار الملاك لأراضي موحسن.
حول هذا الموضوع كتبت جريدة الصرخة اللبنانية الشيوعية في 4 تموز 1954 تفاصيل وافية نقتطف منها المقطع التالي: ’’إن عائلة الهنيدي درجت منذ زمن بعيد على استثمار جهد الفلاحين والاستيلاء على أرضهم بطرق غير مشروعة مستندة إلى السلطة. وقد لجأ آل الهنيدي إلى تزوير سندات تمليك وتسجيل أراضي موحسن باسمهم. ثمّ استعانوا بقوة الدرك والعشائر أثناء حكم الشيشكلي (1953 ـ المؤلف) لإجلاء الفلاحين عن أرضهم. وعندما قاوم الفلاحون ورفضوا النزوح تراجعت عائلة كبار الملاك. وعندما وقف أحد الخونة في القرية مع كبار الملاك لقّّنه الفلاحون درسا... والقضية لم تنته وآل الهنيدي يسعون لتسخير السلطات لانتزاع أرض الفلاحين".
*******
الحلقة الخامسة
قامت الحملة الإعلامية لمساندة فلاحي موحسن، والتي نشرنا في الحلقة السابقة بعضا منها، بعد زوال دكتاتورية الشيشكلي في شباط 1954، حيث عرفت البلاد بين عامي 1954 ـ 1958 أزهى عصورها الديموقراطية. ولكن المعركة الحاسمة بين فلاحي موحسن والإقطاع التجاري جرت في عهد الشيشكلي وتحديدا في صيف 1953. وفي تلك الفترة، في خمسينات القرن العشرين بلغت الحركة الفلاحية والانتفاضات المرافقة لها أوج ازدهارها. وقد لعبت جريدة الصرخة اللبنانية الشيوعية، التي كانت تصل سرا، قبل عهد الديموقراطية، إلى موحسن دورا في تنوير الفلاحين ودفعهم للمقاومة لمنع الإقطاع من الاستيلاء على أرض جديدة في حاوي موحسن. كما أن القوى المتنورة والمناهضة للإقطاعية في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية أسهمت أيضا في تشجيع الفلاحين ودفعهم للنضال، حتى في العهد الديكتاتوري. يضاف إلى ذلك موقف العطف والتأييد الواضح من أكثرية أهالي دير الزور المهتمة بالشأن العام والمتأثرة بالنهوض الوطني والجماهيري المتصاعد آنذاك.
كان الهنيدي قد طوّب في أوائل أربعينات القرن العشرين، كما رأينا، ثلث مساحة الحاوي أي 8500 دونم. وبدأت الشكوك تتسرب في أوائل الخمسينات عن عزم الهنيدي على الاستيلاء على كامل مساحة الحاوي البالغة 25000 دونما. وحتى يتمكن الفلاحون من إثبات تصرفهم بالأرض ووضع اليد عليها وبالتالي تطويبها باسمهم وقطع الطريق على الهنيدي، قاموا في أوائل صيف 1953 بحفر ستة آبار في أراضي الحاوي المحاذية للأرض المسجلة باسم الهنيدي لإثبات حق التصرف بالأرض. وقد قام كل فخذ بحفر بئر بعمق ستة أمتار في أرض الحاوي، التي قسموها فيما بينهم. استمرت عملية الحفر أسبوعا وكانت تجري ليلا في ضوء القمر وتتوقف نهارا. وتميزت ليالي الحفر بمشاركة النساء في العمل وببعث النشاط في الرجال من خلال زغاريدهنّ المترافق مع حداء الرجال. وفي تلك الأثناء، أي في الوقت الذي حفر فيه الفلاحون الآبار، كان عبد الرحمن هنيدي قريب جميل وزيرا للزراعة في حكومة الشيشكلي.
[كان عبد الرحمن هنيدي وزيرا للزراعة في وزارة الزعيم فوزي سلو (9 حزيران 1952 ـ 11 تموز 1953) واستمر في هذا المنصب في حكومة العقيد أديب الشيشكلي (19 تموز 1953 ـ 1 آذار 1954). ويلاحظ أن نوري الإيبش الإقطاعي المعروف في شرقي غوطة دمشق كان وزيرا للداخلية. كما أن ممثلا آخر للإقطاعية الديرية احتل منصب وزير الزراعة، قبل هذا التاريخ، في عهد حكومة جميل مردم بك (23 آب 1948 ـ 2 كانون الأول 1948، وكذلك في عهد وزارة خالد العظم (16 / 12 / 1948 ـ 19 / 3 / 1949]. كما كان الضابط صلاح الشيشكلي، مهرب الحشيش ورئيس الهجانة (قوى الأمن في البادية) وشقيق رئيس الجمهورية أديب الشيشكلي، على صلة صداقة حميمة مع آل هنيدي.
[مثلما وقف الضابط صلاح الشيشكلي شقيق رئيس الجمهورية أديب الشيشكلي إلى جانب آل هنيدي ضد الفلاحين، وقف أيضا إلى جانب الإقطاعي نوري بن مهيد شيخ الفدعان ضد فلاحي عين عيسى إلى الشمال من الرقة].
ولهذا سرعان ما صدر قرار بهدم الآبار، التي حفرها الفلاحون على اعتبار أن الأرض ملك لآل الهنيدي، علما ان الفلاحين حفروا الآبار في المنطقة المحاذية "لأرض" الهنيدي. وكان معروفا آنذاك أن محافظ الدير عبد الكريم العايدي لا يرد طلبا لآل الهنيدي، طالما ان قريبهم وزير للزراعة. فاتجهت كتيبة من درك دير الزور لهدم الآبار. ولكن قائد الكتيبة وكنيته بيطار.
[لم يتذكر محدثنا الاسم الأول لضابط الدرك المتعاطف مع الفلاحين "لوجه الله تعالى". وكان أمرا مألوفا آنذاك وقوف بعض أجهزة الدولة، المتحدرة من الفئات الوسطى والدنيا والمتطلعة إلى النهوض بالبلاد، إلى جانب الفلاحين]
أخبر الفلاحين سرا بالأوامر المعطاة إلى الكتيبة بهدم الآبار. فخرج الرجال والنساء والأطفال إلى مواقع الآبار في محاولة لمنع الدرك وأزلام الإقطاعي من الوصول إليها لردمها فأصدر المحافظ أمرا بتجميع قوى الدرك من سائر مخافر المحافظة في الموحسن لتنفيذ قرار الردم. وفعلا رابط القسم الأكبر من الدرك على طريق دير الزور الميادين لمنع فلاحي موحسن من عبور الطريق والوصول إلى أرض الحاوي المختلف عليها. وفي الوقت نفسه جهّز آل هنيدي أكثر من مائة فلاح من قرية حطلة (إلى الشمال من دير الزور)، الذين يمتون بصلة القربى العشائرية لهم، وأغروا كل فلاح بمبلغ 25 ليرة سورية مكافأة على مساعدتهم لهم.
[من الصعب على دارس الحركات الاجتماعية في مناطق العصبيات العشائرية إهمال هذا العامل لدى البحث والتحليل. فثمة عوامل، وطنية أو عشائرية أو طبقية، متداخلة مع بعضهما في تناقض أو انسجام لدفع الحركة الاجتماعية والصراع الطبقي أو عرقلتهما أو تحويلهما عن مسارهما في اتجاه العشائرية التي تخبو أحيانا في مرحلة النهوض الوطني أو القومي وتشتعل أحيانا أخرى مدمرة أي نهوض وطني أو اجتماعي.]
لم يكن فلاحو الموحسن بفضل وحدتهم وتصميمهم على استرداد أرضهم المغتصبة وتعاطف القوى المناهضة للإقطاع في أجهزة الدولة وخارجها سواء في الدير أو على مستوى البلاد غافلين عن الخطة المبيتة والقاضية بعزل الموحسن عن أرض الحاوي بحاجز من الدرك متمركز على طريق دير الزور الميادين قبل يوم من تنفيذ العملية. وفي الوقت نفسه كان زلم الإقطاعي المنقولون في سيارات مأجورة يصلون إلى مكان الآبار لردمها. فخرجت جموع القرية من الرجال النساء والأطفال محاولة اختراق حاجز الدرك للوصول إلى أرض الحاوي ومنع الدرك أو زلم الاقطاعي من ردم الآبار (الخالية من الماء) وهي البرهان بحق التصرف. فجرت صدامات بين الفلاحين والدرك أبدت فيها الفلاحات ضروبا من الشجاعة، مما أدى إلى إرباك الدرك وشل حركتهم. فاستدعت الحكومة قوى إضافية من حرس البادية (الهجانة، وهي بإمرة صلاح الشيشكلي مهرب الحشيش وشقيق رئيس الجمهورية أديب) فاستطاعت هذه القوى مجتمعة من السيطرة على الموقف بعد أربعة أيام واعتقال العشرات من الفلاحين وردم الآبار.
وهنا أدخل الوزير عبد الرحمن هنيدي في روع الشيشكلي، أن تحرك الموحسن هو في حقيقته "ثورة ضد الحكومة" وهو "مؤامرة شيوعية" تحاك ضده قبل انتخابه رئيسا للجمهورية بقليل. فأرسل أديب الشيشكلي أخاه صلاحا إلى دير الزور لمعالجة الأمور باستعمال "دبلوماسية الكرباج". وهكذا تمكّن صلاح من إرهاب الزعامة العشائرية للموحسن وتمّ ردم الآبار بالكامل، واطلق سراح المعتقلين، ولكن الأرض المتنازع عليها في الحاوي بقيت دون استثمار مدة ثلاث سنوات، إذ رفض فلاحو الموحسن العمل في ارض الإقطاعي، ولم يتجاسر أي فلاح تابع للإقطاع من حرثها طيلة سنوات المقاطعة، وهذا يعني أن تنفيذ المقاطعة للإقطاعي جرى برغبة الفلاحين وقوة بأسهم في منع المتخاذلين أو زلم الإقطاعي من حراثة الأرض. ووصل الأمر إلى درجة أن الإقطاعي لم يتمكن من زيارة القرية طيلة مدة المقاطعة.
رأينا قبل قليل أن الدرك لم يتمكن بمفرده من قمع قومة الموحسن المشهودة في أوائل صيف 1953، ولهذا قامت سلطات دير الزور باستقدام قوة من الهجانة تمكنت من السيطرة على الموقف وإنهاء القومة بقوة السلاح. وحتى لا يقوم الفلاحون بحفر الآبار من جديد في أرض الحاوي نصبت ثلة من الهجانة بيتا من الشعر وأقامت في أرض الحاوي. وكان الإقطاع يأمل أن يصطدم الفلاحون بقوة الهجانة. ولكن الفلاحين ركّزوا جهودهم على مهاجمة مصالح الإقطاعيين في المحركات والبساتين وساقية الإسمنت وتخريبها دون أن يتركوا أثرا. فاستخدمت السلطة الكلاب البوليسية لمعرفة "المخربين" ولكن الفلاحين ضللوا الكلاب البوليسية باستخدام الفليفلة الحادة التي تنشر روائح معروفة تنعدم بسببها حاسة الشم لدى الكلاب.
***
بعد قومة الموحسن عام 1953 دخلت قضية الأرض أروقة المحاكم لمدة ثلاث سنوات جرى بعدها في عام 1956 اتفاق رضائي بين الإقطاع والزعامة العشائرية حول تقسيم أرض الحاوي المتنازع عليها مناصفة بين الفلاحين والإقطاع. وكان من المفروض أن تقسّم الأرض المستردّة من الإقطاع إلى ستة حصص بعدد أفخاذ الموحسن الستة. ولكن الزعامة العشائرية للأفخاذ الستة قسمت الأرض إلى سبعة حصص ووزعت الحصة السابعة على شيوخ الأفخاذ الستة. معنى ذلك أن شيوخ الأفخاذ اخذوا حصتهم عن طريق الفخذ، وأخذوا حصة إضافية لهم. فهم حسب مفاهيمهم يمثلون الدولة في القرية ولوكلاء الدولة حصة الأسد من الغنيمة. هذا هو المنطق العشائري ونطق كل حكم استغلالي.
هذا الأمر أثار حفيظة القوى الشابة المنضوية في صفوف الحزب الشيوعي فأدانت الاتفاق وحرّضت الفلاحين على رفضه. وهنا وقع تناقض بين الزعامة العشائرية والقوى الشابة، وبخاصة طلاب الموحسن في دير الزور وكان عددهم كبيرا (35 طالبا في المرحلة الإعدادية) وينتسبون إلى مختلف الأفخاذ مما مكّنهم من قوة التأثير وعدم الوقوع في الخلافات العشائرية. وما كان أمام الزعامة العشائرية الراغبة في تقاسم الأرض مع الإقطاع، إلا تحريض السلطة على الطلاب، لأنهم شيوعيين. وقد اعتقلت الشرطة في دير الزور بعضهم لمدة قصيرة، لأن ظروف سورية عام 1956 كانت تسير في خط الطلاب المناهض للإقطاعية.
*******
الحلقة السادسة والأخيرة:
شكلت موحسن الواقعة إلى الشرق من دير الزور، مع عدد من القرى، حالة فريدة مكّنت الفلاحين من إيقاف زحف الإقطاعيين في الاستيلاء على أملاك الدولة أو أرض القرية المشاع. وقد ساعد فلاحو الموحسن في إيقاف الزحف الإقطاعي واسترداد جزء من أراضيهم أو الاحتفاظ بما تبقى منها في منطقة الحاوي العوامل العامة والخاصة التالية:
ـ نهوض الحركة الفلاحية في سورية في خمسينات القرن العشرين.
ـ اختلال التوازن الطبقي لصالح الفلاحين، بعد صعود شرائح البورجوازية الصغيرة، واحتلالها لمواقع هامة في السلطة، ووقوفها ضد الملكية الإقطاعية، ومناداة بعض أقسامها بالاشتراكية.
ـ انتشار الأفكار الاشتراكية بمفاهيم متعددة ومنها الفكر الماركسي، الذي وصل إلى موحسن عن طريق دير الزور ومعلم المدرسة الابتدائية.
ـ تصدع التحالف بين الزعامة العشائرية للقرية والإقطاع التجاري في المدينة دير الزور في أواخر أربعينات القرن العشرين، مما أعطى الحركة الفلاحية زخما جديدا، وحليفا سار مع الحركة الفلاحية. ويلاحظ أن الزعامة العشائرية لم تكن حليفا مضمونا دائما فهي على استعداد للمساومة إذا سنحت الظروف، وحصلت على جزء من الغنيمة. وهذه سياسةمعظم الزعامات العشائرية في علاقتها مع الفلاحين.
ـ عدم وجود رابطة عشائرية بين الإقطاع التجاري (آل الهنيدي) والفلاحين، يكبل النشاط الفلاحي بقيد العصبية العشائرية لصالح شيوخ العشيرة الإقطاعيين، كما جرى في مناطق عديدة. فقد لعبت العصبية العشائرية، في حالة موحسن، دورا تحريضيا ضد الإقطاع ذي العشائرية الغريبة.
ـ لعبت الصحافة، وبخاصة الشيوعية منها، دورا في تعريف الرأي العام بقضية الموحسن، مما أسهم في رفع معنويات الفلاحين من جهة، وحدّ من مساندة السلطة للإقطاع.
ـ تحالف القوى التقدمية والمستنيرة في المدينة (دير الزور) مع فلاحي الموحسن أسهم في دفع النضال الفلاحي، وقدّم نموذجا لمساندة المدينة (التقدمية) للريف الفلاحي
[نلاحظ حالة مشابهة في تحالف المدينة (بورجوازية حماة الصغيرة مع الريف المستثمَر من أغوات حماة وبكواتها. وقد جرى ذلك التحالف تحت علم الحزب العربي الاشتراكي المؤسس عام 1949]. والقوى التقدمية الديرية هي قوى الفئات الوسطى في المدينة، التي كانت تعجّ في الخمسينات بالروح الوطنية والقومية.
هذه العوامل مجتمعة جعلت من قرية موحسن في خمسينات القرن العشرين نموذجا نضاليا فريدا من نوعه في وادي الفرات، بل في سورية بأجمعها. وهذا السبب، مضافا إليه الانتشار الواسع للحزب الشيوعي في القرية، دفع بعضهم لإطلاق اسم "موسكو الصغرى" على الموحسن.
{عام 1938 مرّ النائبان الفرنسيان الشيوعيان من ديرعطية في طريقهما إلى حمص. فجرى لهما أمام دار البلدية استقبال حاشد لسببين: وجود منظمة شيوعية ناشئة ونشيطة في ديرعطية، الأجواء الوطنية، التي أرادت التعبير عن شكرها لمواقف الحزب الشيوعي الفرنسي المؤيدة للاستقلال الوطني السوري. وعندما غادر النائبان ديرعطية اطلقا عليها اسم "موسكو الصغرى"} تعبيرا عن روحها النضالية المعقلنة والمتزامنة مع مرحلة النهوض الوطني والقومي والاجتماعي في خمسينات القرن العشرين.
***
[اعتمدنا في الكتابة عن موحسن على الوثائق المذكورة في النص، وعلى ما رواه الفلاحون في لقاء معهم في موحسن بتاريخ 15 / 4 / 1985، وهم: حمود العبد السلامة مواليد 1923 وهو فلاح متوسط الملكية. أحمد العبد السلامة مواليد 1914 وهو فلاح فقير وراع له تسعة أولاد ذكور أحدهم انتفع من الإصلاح الزراعي وثلاثة متطوعين في الجيش. محمد يونس مواليد 1940 قدم لنا معلومات عن قومة موحسن.
ورأينا بعد الانتهاء من الكتابة إرسال النص للتدقيق في دير الزور عن طريق الصديق الدكتور قاسم العزاوي، الذي عرضه على الاستاذين: حسين الشيخ مواليد1939 في الموحسن وأحمد الدخيل مواليد 1936 في الموحسن وكلاهما معلمان ومشاركان كطلاب في الحركة الفلاحية. ولا يسعنا إلا أن نشكر الاستاذ حسين الشيخ على ما بذله من جهد في قراءة النص قراءة متأنية واللقاء بالمسنين وأخذ معلومات منهم. وهذا مما مكنه من الوصول إلى جملة من الوقائع وإجراء التصحيحات وإبداء الملاحظات والتحليلات، التي أخذنا بمعظمها وقمنا بصياغتها وفق خط البحث ومنهجيته.
أما مسؤولية سرد الوقائع وتحليلها فتقع على كاهل المؤلف ولا يتحمل أحد ممن استقينا منهم المعلومات أية مسؤولية.