حملة اسماعيل الأطرش الطائفية في حزيران 1860
2023.01.21
د. عبد الله حنا- فينكس:
حملة اسماعيل الأطرش الطائفية في حزيران 1860
من جبل حوران (الدروز) إلى جبل لبنان
اخذ في منتصف القرن التاسع عشر يلمع نجم أحد مشايخ الدرجة الثانية في جبل حوران (محافظة السويداء حاليا، والمعروف بجبل العرب بعد 1937) وهو اسماعيل الاطرش شيخ القريّا، التي اصبحت بفعل هجرات الدروز المتلاحقة وموقعها بين المعمورة والخراب (البادية) مركزا سكانيا هاما كما اصبحت منطلقا للاتجاه نحو الشرق وإعمار القرى الخربة...
وعندما سنحت الفرصة لاسماعيل قام في حدود 1859 بمهاجمة عِرى واحتلالها دون مقاومة من شيخها هزاع الحمدان. وبعدها اتخذ اسماعيل من عرى مركزا له لمقاومة مشايخ الحمدان والحلول محلهم. وكانت حملة اسماعيل الاطرش عام 1860 عاملا هاما في ازاحة مشايخ الحمدان الإقطاعيين من السويداء وحلول الطرشان محلهم بزعامة ابراهيم الاطرش عام 1868.
لا بدّ لفهم حملة اسماعيل الأطرش في حزيران 1860 من جبل حوران لنجدة سعيد جنبلاط في لبنان وإقليم البلان من معرفة طبيعة النظام المشيخي الإقطاعي في جبل حوران وتداخل العصبية المذهبية مع ضرورات الحياة وظروف المكان وعاداته البدوية.
***
{النظام المشيخي الاقطاعي في جبل حوران يبدأ من والي دمشق العثماني ووكيله حاكم حوران ويليه شيخ مشايخ جبل حوران ومن ثمّ شيخ القرية وهو جابي الضرائب ومالك ربع أراضي القرية، يسخّر الفلاحين في زراعتها لحسابه الشخصي، وهو المتصرف بالوكالة في ثلاثة ارباع اراضي القرية الباقية يوزعها على الفلاحين.
اثناء التحضير لكتابي عامية جبل حوران رجوت من احد مثقفي الجبل رضوان محمد رضوان ان يكتب خلاصة ما يعرفه عن العامية فأنشأ دراسة تحت عنوان "الحركة العامية في الجبل 1888- 1892" نشرتها كملحق في كتابي "العامية والانتفاضات الفلاحية (1850 – 1918) في جبل حوران" صدر عن دار الأهالي دمشق 1990.
وننقل فيما يلي مقاطع ذات علاقة لفهم حملة اسماعيل الاطرش (التي اختلط فيها القبلي بالطائفي) مما خطه قلم الاستاذ رضوان رضوان:
كان الدروز مجموعة من القبائل العربية التي قبلت المذهب مع شيخها وقائدها، وكأن هذا المذهب ابقى على تلك القبائل العربية مستمرة في عاداتها وتقاليدها ومفاهيمها. وفي الدروز كثير من المفاهيم والعادات القبلية التي لا علاقة لها بالمذهب، وتكاد تخالفه وتقف نقيضا له، وقد بقيِ من المذهب واستمر في حياة الدروز ما يتناسب مع الروح القبلية العربية، وفي رأسها مفاهيم الجاهلية بالذات: الشجاعة الكرم والنخوة وحماية العرض والأرض.
ولأسباب كثيرة اتصلت حياتهم بالحرب مع الجوار الحوارنة ومع البدو ومع الحكومات. ويمكن ان نربط الأساس القبلي من جهة والعقيدة الدينية من جهة اخرى (وعندها يمكن ان نفهم احداث 1860 في نجدة إسماعيل الأطرش لإخوانه دروز الشوف). كان كل شيئ عشائريا وبدويا من حيث العادات والتقاليد والمفاهيم والقيم السائدة. وكان شيخ العشيرة أو زعيم العائلة يمثل تلك القيم ويطرح نفسه حاميا للعشيرة وذائدا عنها.}
***
فمع احتدام المعارك في جبل لبنان بين الموارنة والدروز ارسل سعيد جنبلاط زعيم دروز الشوف إلى زعيم دروز حوران اسماعيل الأطرش يطلب النجدة، وأحرق الكتاب من أطرافه الأربعة إشارة للخطر الشديد. فوجد اسماعيل في هذه الدعوة فرصة لا تفوّت. فتوجه بقواته المؤلفة من الفلاحين الدروز والبدو المتحالفين معهم عابرا سهل حوران باتجاه وادي التيم قاصدا حاصبيا وعدد سكانها حوالي ستة آلاف معظمهم من الروم الأرثوذكس. وسبق الحملة توترات اجتماعية نزح على اثرها مسيحيو القرى المجاورة الى حاصبيا، التي دخلها الدروز عنوة في 20 ايار 1860 وقتلوا من وصلت اليه ايديهم من المحاصَرين. وبعد ايام من سقوط حاصبيا وصل اسماعيل الاطرش الذي عبر مع حملته هضاب جبل الشيخ ووصل في 11 حزيران 1860 إلى راشيا في الوقت الذي كان فيه جمهور كبير من الدروز يحاصرون القلعة ومن يحتمي داخلها من المسيحيين وعدد من الشهابيين. وسرعان ما اقتحم اسماعيل الأطرش ورجاله القلعة واستولوا عليها وأجروا مذبحة شبيهة بمذبحة حاصبيا.
وبعدها انطلق دروز وادي التيم وحوران بقيادة اسماعيل الاطرش إلى البقاع لمحاصرة زحلة وفتحها. وبعد أن انزلوا الخراب بعدد من قرى المسيحيين وشاركهم بعض أبناء العشائر من السنة والشيعة تمكنوا بعد صراع مرير وبفضل الخديعة من دخول زحلة ونهبها وقتل من وصلت إليه أيديهم.
***
أضواء على حملة إسماعيل الأطرش في حزيران 1860
- كثرة عدد البدو المرافقين للحملة الدرزية مما يشير إلى احد أهداف الحملة في السلب والنهب وتغليب طابع الغزو عليها.
- لم يتعرض اسماعيل الأطرش قبل وأثناء تحرّك الحملة للمسيحيين في الجبل.
{لم يزد عدد القرى المسكونة في جبل حوران في منتصف القرن التاسع عشر عن سبعين قرية ولم يتجاوز عدد سكانه ثلاثين الف نسمةمنهم خمسة آلاف من المسيحيين أقاموا على أطراف السفوح الغربيةمن الجبل والقريبة من سهل حوران في قرى عرى وذيبين وخربا و جبيب وأم الرمان وصلخد وعرمان والسويداء والهيت. وقد وقع المسيحيون قبل تكاثر الدروز بين ناري ضرائب الدولة والخوة المدفوعة للبدو. ومع ازدياد شكيمة الدروز تخلصوا نسبيا من خوّة البدو ليقعوا تحت وطأة شيخ القرية الدرزي حامي الفلاحين الدروز والمسيحيين من تعديات البدو. ولم يزد عدد القرى المسكونة عن سبعين قرية.}
واكتفى بفرض مستلزمات الحملة على المسيحيين كما الدروز.
{استثمر معظم المشايخ الفلاحين الدروز والمسيحيين. وكان النظام المشيخي يرى في الفلاحين قوة انتاج واستثمار لا يعيش النظام بدونها. ومن هنا نرى بان ترحيل الفلاحين المسيحيين عن الجبل لم يكن في صالح النظام المشيخي المحتاج لجزء من قوة عملهم الزراعي والرعوي.}
- بعد مغادرة الجبل وعلى الطريق إلى وادي التيم بدأت تظهر ملامح الغزو ضد مسيحيي قرى السفوح الشرقية لجبل الشيخ بنهبهم وقتل من يقع تحت أيدي رجال الحملة. هذا مع العلم أن هؤلاء المسيحيين لم يحملوا السلاح ولم يشاركوا في قتال ولم يبق أمامهم إلا الهرب والالتجاء إلى دمشق. وهذا ما ورد في أوراق فتسشتاين.
- وإذا كان هناك ما يبرر لقائد الحملة انطلاقاً من تربيته ومفاهيمه ما عمل في راشيا وزحلة، فليس لتصرفه في الاعتداء على مسيحيي القرى الشرقية من جبل الشيخ المسالمين أي مبرر.
- بعد عودة اسماعيل إلى الجبل لم يمسّ المسيحيين الواقعين تحت إدارة مشيخته بأذى. وهو بحاجة لقوة عملهم واستغلالها، كما استغل الفلاحين الدروز، لتدعيم مشيخته.
الحلفة القادمة: أصداء حملة اسماعيل الأطرش في دمشق منقولة عن روايات المعاصرين