عزت باشا العابد سكرتير السلطان عبد الحميد من كبار إقطاعيي دمشق وأعيانها
2023.01.15
د. عبد الله حنا- فينكس:
كان عزت باشا العابد، السكرتير الخاص للسلطان عبد الحميد، من الذين تناولتهم جريدة المقتبس الدمشقية النهضوية، بالنقد ملقية الأضواء على أعمال عزت باشا وممتلكاته. فمن هو عزت العابد؟..
ظهر آل العابد في حي الميدان إلى الجنوب من دمشق، و اهتموا بتجارة الحبوب والمواشي. وبعد أن ازدادت ثروتهم، انتقل كبراؤهم من الميدان، الحي الشعبي، إلى سوق صاروجة الحي الارستقراطي في منتصف القرن التاسع عشر. وبرز من الأسرة "هولو العابد"، الذي عمل متصرفاً في حماة ونابلس، مما مكّنه من جمع الثروة عن طريق الوظيفة العالية. وتلك الثروة أوصلته عام 1878 إلى عضوية المجلس الإداري للولاية، ثم لرئاسة هذا المجلس. ولم يكتف "هولو باشا" بشراء الأراضي، أو بالأصح الاستيلاء عليها بأسعار بخسة، بل سعى لتعليم أولاده. ومعروف أن ابنه عزت العابد درس في بيروت وتعلم اللغة الفرنسية، التي كان قلة من المثقفين المسلمين يتقنونها. وبعد ان ذاع صيته استدعاه السلطان إلى استنبول. وهناك استفاد عزت العابد من موقع عائلته ومن إجادته للغة الفرنسية، ومن طموح السلطان عبد الحميد في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية ووضعها في خدمة مطامحه وسياسته، فتوصل أن يصبح كاتم أسرار عبد الحميد وسكرتيره الخاص وحاز على لقب بك أولا ثمّ باشا، وعن هذا الطريق تمكن من جمع ثروات هائلة.
{يحتوي أرشيفنا في دمشق كرّاسا طبعه محمد علي بن عزت باشا العابد يتضمن أملاك عزت باشا الموقوفة وقفا ذريا في بلاد الشام من جنوب الأناضول إلى غزة. وقد تناولنا في كتاب الفلاحين قضية الوقف الذري الذي استند إليه من جمعوا العقارات والأراضي من الأعيان والموظفين الكبار لمنع مصادرتها من الحكام اللاحقين. و ليس للوقف الذري اساس ديني}
وقد تميز عزت باشا العابد وابنه محمد علي بعدم حصر اهتمامهم في التجارة الداخلية وامتلاك الأراضي والأوقاف الذرية، و انتقالهم إلى بالإهتمام بالأعمال التجارية العالمية والمضاربات وشراء الأسهم في الشركات الأجنبية، ولكن دون نسيان القاعدة العامة آنذاك، وهي امتلاك الأراضي الزراعية وشراء العقارات وتشييد الأبنية، وتسجيل بعضها وقفاً ذرياً تجنباً من مصادرتها.
{من لائحة المشمولين بالإصلاح الزراعي يتبين أن آل العابد ملكوا قرى أو جزءا من قرى حزرما، محمدية، حوش الصالحية، بيت نايم، الزريقية، الفريقة، ميدعا في غوطة دمشق ومرجها. وقد اخترنا في جولتنا الميدانية لدراسة تاريخ الفلاحين والمسألة الزراعية، قرية حزرما لدراسة طرق الاستثمار في إقطاعات بيت العابد.}
***
كان من الطبيعي، بعد ثورة الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد في أواخر تموز 1908، ان يكون عزت باشا العابد أمين سر السلطان وصاحب الأطيان والرساميل الهدف الأول للمناهضين للاستبداد الحميدي. يبدو ذلك واضحا في خبر جريدة المقتبس الدمشقية التالي:
"استدعت شركة التراموي الكهربائي بالشام من الحكومة نقل الأراضي المسجلة باسم رئيس مجلس إدارتها عزت باشا العابد لاسمها، لأنها دفعت لأسماءها من من صندوق شركتها. والقضية موضع النظر في نظارة النافعة.
وفي اليوم التالي أي في 18 كانون الأول 1908 نشر المقتبس الخبر التالي"
"ورد من مقام الصدارة العظمى أن عزت باشا العابد وولديه محمد علي بك وعبد الرحمن بك قد وكلوا شابوح أفندي بأن يقيم دعاوى حقوقية في الولايات لأجل أملاكه، وصدقت نظارة الخارجية على وكالته". و لكن المقتبس طالبت أن تكون وكالة شابوح أفندي لاغية ولا تسمع له دعوى.
وبعد شهر ونيّف من المطالبة بعدم قبول وكالة شابوح أفندي للدفاع عن ممتلكات عزت باشا نشرت المقتبس خبرا خطيرا تتهم فيه أمين سر السلطان عبد الحميد بالإختلاس، وتطالب باسترداد الأموال، التي اختلسها عزت باشا. جاء في الخبر: "تقرر أن يؤخذ من أملاك عزت باشا العابد المحجوزة ليُسدذ بها ما ثبت عليه من اختلاس أموال لجنة المهاجرين والمصرف الزراعي.
وتمضي المقتبس مستأنفة هجومها على أمين سر السلطان من خلال ردّها على جريدة المؤيد المصرية التي قالت بعودة عزت باشا العابد إلى الأستانة. جاء في المقتبس: "...ومن الغريب ان تقدّس مثل هذه الجريدة أعمال الظالمين المفسدين. ولكن ذلك لا يستغرب من جريدة جعلت دأبها القول بأن سلطة الملوك والأمراء سلطة شرعية من الله مهما ظلموا وعسفوا في بلد كمصر وعصر كهذا العصر".
***
قد عاشت دمشق بعد ثورة الاتحاد والترقي 1908 في أجواء قلقة وانقسم المجتمع بين مؤيد للثورة ممثلا بالنخب المثقفة، وبين معاد لها ومطالب بعودة الحكم الحميدي، ممثلا بالقسم الأكبر من الأعيان ورجال الدين. ومعروف ان العامة كانت بأكثريتها تسير حسب فتاوى رجال الدين. ولهذا فإن ميزان القوى كان راجحا آنذاك لصالح استمرارية الاستبداد السلطاني. وقد اطلقت المقتبس على تحالف هذه القوى اسم "الحركة الارتجاعية"، واوردت بعض اسماء هذه الحركة.
ومثال على ذلك خبرالمقتبس التالي:
" ...عطا باشا البكري وكيل أشغال عزت العابد بدمشق ولهذا كان مع الحركة الارتجاعية... ومن الذين أهاجوا الأمة الدمشقية من برزوا في التقهقر الشيخ عبد القادر الخطيب وأحمد القضماني (وظيفته بكباشي جمع ثروة تبلغ ثلاثين ألف ليرة) والمفتي صالح أفندي وهؤلاء يسعون وراء جزّ صوف المساكين ويلتزمون ما يساوي ألف ليرة من أعشار مزارعهم بما يساوي مئة ليرة".
ونلاحظ هنا بوضوح من قراءة نص المقتبس أنها تربط بين زعماء الحركة المطالبة بعودة السلطان عبد الحميد وبين نشاطاتهم في "جمع الثروة" غير المشروعة و "جز صوف المساكين" من الفلاحين والتلاعب بالتزام ضريبة الأعشار من مزارعهم أي اقطاعياتهم بأسعار بخسة ويدخل فارق الإلتزام إلى جيوبهم. وفوق هذا وذاك فإن وكيل أشغال عزت باشا العابد كان من المؤيدين للحركة الارتجاعية، أي عودة السلطان عبد الحميد إلى عرشه الإقطاعي.
وتربط المقتبس بين مصالح زعماء الحركة الارتجاعية (أي المطالبين بعودة ورجعة السلطان عبد الحميد) ومواقفهم السياسية المناهضة لتطبيق الدستور في مقالة في 9 آب 1909 جاء فيها:
"الرجعيون في سورية... هؤلاء هم الرجعيون الحقيقيون الذين لا يرضون بالدستور ولو قيل لهم انه منزل من السماء، ولا يرضون عن العهد الجديد ولو كان فيه عدل العمرين. وكيف يرضى عن الدستور من نُكب به".