1922 / وجيه الحفار
2022.11.01
د. عبد الله حنا- فينكس
1 – وادي الفرات:
أ – ما شاهده أحمد وصفي زكريا:
في عام /1916/ أرسلت السلطات العثمانية المهندس أحمد وصفي زكريا إلى دير الزور للإشراف على عملية مكافحة الجراد هناك. وفي عام /1970/ نشر عبد القادر عياش ذكريات زكريا الذي سافر بالعربة من حلب إلى الدير ونقتطف منها المقاطع التالية:
"... شاهدت أسطولا من القوارب النهرية في الفرات... صرنا نطرب لسماع أنين البكرات التي ترفع الماء من الفرات بالدلاء الكبيرة وتسقي الزروع، كما نطرب لغناء الفلاحين العاملين بها وهم وراء دوابهم الهزيلة الذاهبة والآيبة حين جر حبال الدلاء.. وبعد ساعتين بلغنا مفرق الرقة ولم يكن يومها جسر يوصل إليها وكان العبور من الضفة الجنوبية إلى الشمالية يتم عن طريق السفينة. في السبخة سوق وحوانيت وبساتين ومناظر جميلة ومنطلق للسفن.. بعد السبخة كانت على يسار الطريق بينها وبين الفرات غابة عظيمة كانت أشجارها وقتئذ باسقة وكثيفة يضيع فيها الغريب. وكانت هذه الغابة وأمثالها قديما مأوى للأسود إلى أن انقرضت قبل قرنين من الزمن. وانقرضت الغابة ويا للأسف وصارت أرضها قاعا صفصفا.. حول مخفر معادن مخيم لمهاجري الأرمن وكنت تلمح على وجوههم الاعياء والبؤس وكانت الأمراض تفتك بهم وهم يزحفون إلى مصير مجهول العاقبة..
وصادفت قافلة تجار عراقيين قادمين من بغداد إلى حلب سمعتهم يتكلمون باللهجة العراقية العميقة التي وجدتها غريبة علي... وصادفت أيضا مركبات عديدة تحمل عددا من ضباط الألمان الراجعين من جبهة الكوث إلى بلادهم للاستجمام.. وكنا نرى في وسط الفرات سفنا محملة بالأسلحة الحربية والمعدات والذخائر الحربية المرسلة إلى جبهة العراق..
وكان هناك بدو على الفرات يستعدون للرحيل (الزمن آذار 1916) للتشريق إلى البراري البعيدة. ولما اقتربنا من الظعون "ويقصدون بها الابل المحملة" رأيت الظعون تمشي الهوينا وتتهادى وصرت أسمع محاورات النساء في هوادجهن ومناغاة الأطفال، وأرى حول الظعون فرسانا مدججين هم حماة المال والعيال ومشاة زاحفين لا يخلون من سلاح، وخيلا وابلا وغنما.. منتشرة على مسافة بضع مئات من الأمتار وعلى سجيتها... فسألتهم: من أي الاعراب أنتم؟ فأرادوا الكتمان وقالوا: نحن من عرب الله وقاصدون باب الله الكريم، وأشاروا باناملهم نحو الآفاق الشرقية الجنوبية. فلم أشأ تعميق الحديث ودعوت لهم بالسلامة وانطلقت اتمتم (اكتم ذهابك وذهبك ومذهبك)...
... وكنت الحظ أن الديريين وأهل قرى وادي الفرات عامة ماهرون في السباحة التي يتعلمونها منذ الصغر. والرجال والنساء في القرى يعبرون الفرات سباحة ويضعون ثيابهم على رؤوسهم ويخوضون ويسايرون الماء في جريانه، فإذا وصلوا إلى المكان المقصود خرجوا رويدا رويدا ولبسوا ثيابهم وانطلقوا ... ويجيد الديريون ركوب الخيل.. أمراض العيون كثيرة عندهم وكذلك مرض تناسلي اسمه (البجل)... هذا ولم يكن في الدير سوى حمام واحد، لأن أكثر السكان يستحمون في الفرات ويكتفون به وقد رأيت المقاهي كثيرة...
... في الميادين رأيت النساء يقصدون عين علي ويذبحن هناك الذبائح ويقرأن الأدعية ويمرحن طول النهار ثم يرجعن. وكان الأهلون يسبحون في العين للتبرك..
طفت ضفاف الخابور وشاهدت نواعيره المشابهة لنواعير حماة... وقد داهمتنا عاصفة عجاج تعمي الأبصار وتسد الأنفاس..
ب – الأسرة الفراتية في منظار عبد القادر عياش:
للباحث الديري عبد القادر عياش سلسلة من الدراسات والانطباعات والمشاهدات عن وادي الفرات نشرها في كتيبات ومنها الأسرة في وادي الفرات. ونقتطف فيما يلي فقرات مما كتبه عياش:
الرابطة الاجتماعية في القرية الفراتية هي رابطة الفخذ والعشيرة ورابطة الأسرة التي تذوب في العشيرة.. اذا لم يستطع العريس أن يملك بيت شعر، حفر حفرة في الأرض مستطيلة وسقفها بالعيدان والقش والطين لكي يعيش فيها مع زوجته وولدهما. وهذه الحفرة تسمى دبدابة أو ادمة. وأحيانا تشاركه نعجته أو نعاجه هذا المأوى. واذا توفر له المال اشترى بيت شعر أو ابتنى بيتا من الحجر عبارة عن غرفة واحدة. قلما يتجاوزها لفقره. ولا يتعدى أثاث البيت بساطا محليا وقدرا صغيرة ولقن نحاس وقربة ماء وطاسة نحاس.
وليس لكثير من الأسر الريفية أرض تبني عليها بيوتا من حجر ولذلك تقيم تحت بيوت الشعر.. ولا تعليم ولا وحدات صحية ولا أمن.. ولكن وضع الأسرة أخذ يتحسن.. ان الأسرة الريفية تكاد تكون بلا روابط غير وجود الأولاد. فلا حب ولا تفاهم ولا احترام...
جـ - المعلومات الزراعية والاقتصادية والادارية التي جمعها عن سنجق دير الزور عام / 1922 / وجيه الحفار ونشرها في دير الزور عبد القادر عياش.
هذه المعلومات، التي جمعت عام / 1922 / هي صورة لبعض نواحي الحياة الاقتصادية في حوض الفرات السوري قبل الحرب العالمية الأولى لأن التبدل في أنماط الحياة لم يكن قد دخل بعد. وفيما يلي مقاطع من المعلومات التي جمعها الحفار:
1 – ان زراعة لواء دير الزور محدودة ومنحصرة بالحنطة والشعير والذرة البيضاء والسمسم وبقليل من الماش والذرة الصفراء والقطن، وبالجبس والبطيخ والخيار والقتة. ومن الفواكه: التوت والرمان والخوخ والتين والاجاص والتفاح واللوز والمشمش، منحصرة ببساتين البلدة التي لا تزيد عن ألف دونم. ويوجد الفستق الحلبي والبطم بصورة طبيعية في جبل عبد العزيز.
وأما الأراضي الزراعية فتنحصر بسواحل الفرات والخابور ولا تتجاوز ضفتي الأنهر أكثر من 500 متر والنادر إلى 1000 متر جميعها تسقى بالوسائط العادية ومجموع الأراضي الزراعية 500000 دونم مع الأراضي التي في شمال وشرق الخابور.
لم تسبق العادة في تسميد الأراضي في اللواء إلا ما يسوقون عليها الأغنام والماعز. وتكون قد تسمدت بطبيعتها. أما في أطراف البلدة بعض البساتين تستعمل السماد. والبعض منهم يستعمل التراب الذي هو قرب أراضي الزراعة المركب من الجص وقد بدأوا يشعرون بفائدته للأراضي.
ان محصول الحنطة في دير الزور السنوي يبلغ من 25 – 27 مليون كليو غرام جميعه يستهلك محليا. ومن النادر أن يرسل إلى عانه وبغداد وحلب. حيث أكثر العشائر الرحل تتسوق حنطتها من نفس اللواء... الشعير الأسود يحصد قبل الاصفر بخمسة عشر يوما. وهو غذاء عمومي للزراع يخلطونه مع الذرة البيضاء ولكن الآن أصبح الشعير أغلى من الحنطة بـ 15% نظرا لوجود الحملة العسكرية في ذلك اللواء.
السمسم من النباتات الصيفية، كانت حاصلاته ذات أهمية. وكان اللواء يخرج منه سنويا قبل الحرب 400 ألف كيلو غرام، وحيث لا توجد معاصر لاستخراج السيرج يجري اخراجه إلى الشام. ونظرا لقلة فيضان الفرات قلت زراعته بالمائة سبعون. حيث زراعة السمسم يكون أكثرها في المحلات المنحطة على شاطئ الفرات، فبعد انسحاب الماء في أثناء الفيض يبذرون الأراضي سمسم بلا سقاية فيزهر في تموز، وفي أيلول يجمعون حاصلاته. الآن يوجد معصرة في الدير لاستخراج السيرج.
أما وسائل الري فهي الكرود والدواليب ومخصوصان بنهر الفرات وشمال الخابور. وأما النواعير المجاول مخصوصة بنهر الخابور وتشتغل بقوة انحدار الماء. والري بهذه الوسائل تمتد مسافته بين 50 و 400 م فقط والأراضي الواقعة وراءه هي أرض بور لم تصلها المياه إلا مع استخدام المضخات في الخمسينات.
2 - الكرود جمع كرد، وفي لسان بعضهم: "جرد". الكرد اما أن يكون ببكرة واحدة أو ببكرتين أو بثلاث. والكرد عبارة عن أخشاب تنصب على شاطئ الفرات، ويركب عليها دلو يجر بواسطة الثيران والدلو يحمل الماء من النهر وبعد صعوده لسوية الأرض تصب ماؤه في حوض ومن الحوض يجري الماء في ساقيه مخصوصة تساق إلى سقاية المزروعات. وأقسام الكرد هي: النصبة والدواكير والشمعة وكرة اسطوانية والدلو والطماس والعونة والشارونة (شرحها الحفار بالتفصيل)....
أما كمية الماء الذي يرفع بواسطة الكرد في الساعة الواحدة تختلف إذا كان السحب بواسطة الثور أو الكديش، فعند استخدام الثور يصعد الدلو خلالها 60 مرة في كل مرة يرفع 100 ليتر، المجموع 6000 لتر ماء. وإذا كان السحب بكديش أو بغل فيصعد الدلو 75 مرة في كل مرة 100 ليتر، المجموع 7500 ليتر ماء. والكرد المؤلف من بكرتين يعطي مثلي الماء والمؤلف من ثلاثة يعطي ثلاثة أمثال.
وقليلا ما ينشئون على ضفتي الفرات آبارا لأجل الكرد، وانما ينقبون الجرف بصورة هلال من سطح الأرض إلى ما تحت الماء بذراع، ثم يأتون بالشوك ويضعونه في أسفل الثقب بموازاته ثم يصعدون عليه بالشوك وكلما وضعوا صفا يضعون عليه ترابا ويربص إلى أن يصل إلى سطح الأرض ويقال لهذه العملية (هرز) وفي أعلى الهرز تركز النصبات، ويكون عليها بكرات على سعة النقب. ويأتي ماء الفرات إلى النقب بواسطة جدول طوله نحو خمسة أمتار وعرضه نحو 80 سانتيم يسمى (راط).
يتطلب هرز النقب نحو 70 حمل شوك، ويحتاج النقب كل سنة إلى تعمير ولا يكلف الهرز الفلاح نفقات فهو الذي يصنعه وأولاده وحريمه يأتون بالشوك. عمق النقب أو البئر 6 أمتار على الفرات وفي الخابور 2 – 4 في أثناء نزول النهر. وأما في نيسان ومايس وحتى حزيران حيث فيضان النهر يقل العمق من 2 – 3- 4 أمتار.
3 – الدوليب أو الغراريف وهي أقسام خشبية وسطول ماء تدار بواسطة الكدش والبغال لسحب الماء من النهر لسقاية الأراضي. وأقسام الدولاب هي: الشلبك والجبة والبكرة والشمعة والجايز (شرحها الحفار بالتفصيل).
والدواليب التي تشتغل على ستة بغال لا تقف. يشدون على كل دولاب بغلين في آن واحد مدة أربع ساعات بلا توقف. وكل أربع ساعات يغيرون بغلين. ويقال لهذه المدة (عدة) يعينونها بظل مسمار مدقوق على خشبة موضوع عليها إشارات. بين الإشارة والإشارة أربع ساعات. فكل ما وصل الظل إلى اشارة غيروا البغال. ويستمر عمل الدولاب 24 ساعة بلا انقطاع.
4 – النواعير: تشتغل بقوة الماء وجميعها أقيمت على نهر الخابور. أما الفرات فلا يساعد انحداره على تدوير النواعير. ولنصب النواعير على الخابور يعمرون السكور القديمة ويرممونها ثم يركبون الناعور عليه. وإذا أرادوا أن يعملوا سكر جديد فإنه يكلفهم مصاريف باهظة نظرا لعرض نهر الخابور الذي هو 30 – 50 متر. فحين عمل السكر ينتخبون أضيق نقطة وهي نحو 30 متر. ويكون السكر بطولها وبعمق 4 أمتار، ويكون عرضه في أسفل النهر 5 أمتار وفي وجه النهر 1.5 متر ومجموع الانشاءات نحو 200 متر مكعب. يأتون بالحجر الكلسي من مسافة نصف ساعة. يقدمه مقاولون لقطعه ونقله والقائه في الماء بسعر مجيديين لكل متر ونقل الأحجار يتم بواسطة الحمير ويلقى بالأحجار في الماء إلى أن تخرج بصورة سوية الأحجار إلى وجه الماء. ومن بعدها يبدؤون بعمارته بالكلس إلى أن يصعد عن سوية الماء نحول 60 سم، ويركبون فيه فتحتان بحسب طوله وبقدر الفتحات يركبون على الناعور مجول وطواحين. الناعور الواحد أما أن يكون ذا مجول وطاحون أو ذا مجولين وطاحونين أو ثلاثة مجاول وطاحون بحجر.
المجول: عبارة عن طارتين خشب بقطر 8 أمتار متصلتين ببعضهما البعض بصورة متوازية موضوع بين الطارتين أسطال بين الواحد والآخر 25 سم سعة كل سطل 8 لترات ماء وعددها 40 – 45 والمجول ألواح خشب عريضة مثبتة في الناعور. تدفعها مياه النهر فيدور المجول. وتمتلئ السطول التي على محيطه فيوصلها إلى أعلى لتصب في حوض خشب مطلي بالزفت ومن هذا الحوض يذهب الماء في ساقية إلى الأراضي المزروعة. سواء كان الناعور ذا مجول أو مجولين أو أكثر.
الكلس الذي يستعمل في انشاء السكر يعمل في نفس الأحجار يحرق في مكلسة أو نامورة في قرية البصيرة وتوقد المكلسة بشجر الطرفة. يخرج الكلس منها في مدة شهر ويحرق بمدة أسبوع وتخرج المكلسة نحو 26 ألف كيلو غرام بالمرة الواحدة وتخرج سنويا نحو 300 ألف كيلو غرام كلس. كل متر من السكر يحتاج إلى 128 كغ كلس ويحتاج السكر من الكلس 35 – 40 ألف ك غ قيمتها 150 ليرة عثمانية. مصرف السكر بالأحجار والكلس ثلاثة مجاول وطواحين نحو /1200/ ليرة ذهب عثماني مصرف كل مجول سنويا /8/ ليرات ذهب للتعمير والترميم.
5 – يوجد أصول سقاية رابعة وهي فتح جدول من طرف الخابور واسالتها للأراضي المنخفضة واسقاء المزروعات بلا واسطة وهذه الجداول منحصرة في أعالي الخابور وجغجغ. بعضها يستفاد منها وبعضها مندثر.
6 – المراعي:
إن الأمطار التي تنزل في الخريف تنبت الحشائش من الفصيلة النجيلية غالبا فتخضر الأرض في الشتاء والربيع. وفي أواخر الربيع تصفر الأرض وتذبل الحشائش نظرا لطبيعة الأرض الرملية والجبسية. فالمواشي التي يبلغ عددها 400 ألف رأس من الغنم والماعز والجمال تتسرب إلى الشمال. حيث سهول أورفه وماردين وديار بكر طلبا للعشب. ولكن العشائر التي تسكن شاطئ الفرات المرتبطة بزراعتها يبقون في أراضيهم. ترعى ماشيتهم الحشائش اليابسة. ولكل من هذه العشائر منطقة لرعي مواشيها. في الشامية عشائر السبخة والبوسراية ومرعاهم موقع الرحوم والترب والتريب وخنيفس والقاعيات والبشري ومهيرة وأبو الجير ومساحة رعيهم نحو 3000 كم مربع. ومرعى عشائر البوخابور: المالحة – قريطع – عظمان – سيلة زهيري – حاوي البوخابور. مساحة المرعي نحو 4000 كم مربع. ومرعى عشائر الميادين والبوكمال: العاكولة وسهول أخرى مساحتها 4000 كم مربع. وفي الجزيرة تبلغ مساحة المراعي 20000 كم مربع، مراعي العقيدات غرب مملحة البوارة 4000 كم مربع. مراعي عشائر الجبور جهة الهول 4000 كم مربع. مراعي عشائر البقارة: أبو كبره – الزرب – أم مدفع – جبل عبد العزيز – الفيضات – الذرو – عين نعجة – عين بقرة – عين البيضة – دبشية – مرسية – سحل القصب مساحتها 3000 كم مربع.
7 – الحيوانات: ان الحيوانات في دبر الزور عبارة عن الحيوانات الأهلية، وهي الفرسية والبقرية والغنمية، ومن الحيوانات الوحشية: الذئب – وابن آوى – والغزال – والأرنب – والضبع – والخنزير.
ان الحيوانات الفرسية الموجودة في لواء دير الزور أشهر من أن تذكر وهي أصيلة منسوبة إلى عروق مشهورة. ونظرا لهذه الشهرة يأتي تجار الخيل من حلب والشام والعراق يشترون ما يلزمهم منها وتساق لمصر والهند.
أما الكدش فتستعمل في الزراعة والنقل. والبغال التي تستعمل في دير الزور تأتي من ولاية الموصل وتستعمل في الدواليب نظرا لقوتها وقلة غذائها. والحمير هي الواسطة الوحيدة لنقليات العشائر على ضفتي الفرات. فجميع سمنهم وصوفهم وحبوبهم ينقلونها على الحمير. فالاستفادة منها عظيمة. لكنها جميعها ضعيفة وقصيرة القامة لا تستطيع أن تحمل أكثر من مائة كيلو ولمسافة محدودة.
وللعشائر رغبة في اقتناء الجمال نظرا لتحملها العطش ونقل الباشهم (عفشهم أي ممتلكاتهم المنقولة) يوجد في لواء دير الزور حسب تعداد سنة 1911 (21079) جمل ولكن عدد الجمال تراجع بعد الحرب الأولى وبسبها.
ان الأغنام الموجودة في دير الزور هي من العرق السوري ذي الآلية الجسيمة. ان مجموع الأغنام حسب دفاتر الأغنام عام 1911 كان 2484422 رأس غنم عدا الخرفان المولدة في تلك السنة. وأما في هذه السنة 1922 فبلغ 255000 رأس وهذا النقص عائد لمؤثرات الحرب العالمية الأولى.
ويرجع جنس الماعز إلى عرق آسيا المعلوم الأوصاف ومقداره سنة 1911 كان 74724 وعدده في هذه السنة 1922 بلغ 55000 رأس والنقص لنفس أسباب نقص الغنم.
والحيوانات البقرية الموجودة في لواء دير الزور من العرق الآسيوي لكنه لم ير الاهتمام اللازم من التغذية والتربية ولذلك ضعف وانتهكت قواه.
8 – شكل الملكية: ان الأراضي الزراعية منحصرة على ضفاف الأنهر وان أعظم أرض مستقلة لا تتجاوز 200 – 300 دونم نظرا لضعف الوسائط الاسقائية. أما وسعة الأراضي التي خلف الأراضي المزروعة فهي مئات ألوف الدونمات غير مملوكة فإذا جلبت المضخات الجسيمة فإن الاستفادة من هذه الأراضي تكون عظيمة جدا نظرا لما فيها من المواد الانباتية الغنية.
وفي سنة 1283 أي 1864 لما تشكلت حكومة لواء دير الزور قسمت الحكومة الأراضي التي على ضفتي الأنهر للأهالي المقيمين بها، وأعطت لكل من راجعها من المزارعين قواجين خاقانية بحدود معلومة والمساحة كانت على نسبة الخانات والنفوس. فمنهم من أعطته بكرة ومنهم بكرتين ومنهم من أعطته ثلاث وأربع بكرات، وقد فرضت مساحة كل بكرة 12 دونما وهو اعتباري. حيث القطعة التي أعطيت باسم بكرة في الحقيقة هو أكثر من مئة دونم. فكان المزارع الذي يملك بكرة هان عليه رسم الويركو الذي هو على الدونم. ثم هو في كل سنة يزرع قسما حتى في كل ثلاثة أو أربعة سنين يمكن الرجوع للأرض التي زرعها من قبل. فهذه الواسطة لم تتعب أرضه ولم تحتاج لاستعمال الأسمدة.
وقد كانت الحكومة تأخذ على تطويب الدونم غرشا واحدا تركيا. وهذه المعاملة شملت ضفتي الفرات من مسكنة إلى القائم. أما طرق الامتلاك على ضفتي الخابور فالأهالي تملكت الأراضي بلا سندات خاقانية. وفي سنة 1312 رومي قسمت الحكومة الأراضي على الأهالي من عشائر الجبور والشرابيين والمعامرة وخلافهم من القاطنين بلا بدل وأعطي لهم بها سندات خاقانية (حكومية) وكان التوزيع على النواعير التي تشتغل بقوة الماء. فكل مجول فرضوه بكرتين. وخصصوا له أرض اعتبار 24 دونم. والمجولين 48 دونم والثلاثة مجاول 72 دونم. وهذه الدونمات اعتبارية. وفي الحقيقة هي أضعاف ما جرى قيده في سندات الخاقانية.
ومن بعد القيد الذي جرى سنة 1312 كل من راجع في قيد أراضيه مستندا على حق قرار وحقوق تصرفية يقدر بدل مثل للأرض وهو من 1 – 6 غروش ويأخذ بها سند تصرف. وأيضا عند توسيع المساحة الموجودة في سندات الخاقانية، يؤخد من المراجعين بدل المذكور عن كل دونم ان كان بمراجعة الأهالي للحكومة أم بإرسال مأمورين لتحرير الأراضي من قبل الحكومة. وعندما يقع شقاق بين الأهالي بخصوص الأراضي يصير بدل المثل 20 غرش تركي وهذا نادر والمعاملات تكون بقرار مجلس الإدارة.
أما الأراضي التي وراء الضفتين فهي بور أميرية بسبب عدم تمكن سوق المياه إليها وفقدان الوسائط الميكانيكية.
لما تصاعدت أسعار الحبوب وبات الكل يأمل فوزا باهرا من الزراعة تمايلت الأفكار إلى جلب مؤتورات ومضخات للاستفادة من هذه الأراضي الخالية. فتقدم البعض للحكومة طالبين تفويض قسما من هذه الأراضي على أن يحيوها بمدة معلومة. ففي بادئ الأمر نسبت الحكومة التركية هذه الطلبات. ومنحت البعض منهم احياء أراضي واسعة في جنوب الدير وشرقه. لكن الشقاق الموجود بين الأهالي جعل الحكومة توقف تلك المعاملات وبقيت كذلك إلى الحكومة المنتدبة. ويوجد أراضي ممتلكة بموجب سندات خاقانية أكثرها واقعة في فم الوديان المنحدرة من الصحراء وتسمى بأراضي السيل، ففي السنين الممطرة تغمر المياه هذه الأراضي فيزرعونها حنطة وشعير ويستفيدون منها، استملكت بحق القرار.
ولا يوجد داخل اللواء أراضي وقفية ولا أراضي وقفية ولا أراضي كانت ملكا لعبد الحميد. انما وجد أراضي وقف ذرية لآل النقشبندي وأراضي مملوكة للحكومة، كانت مخصصة للانموذج الزراعي، وأراضي مملوكة وضعت الحكومة يدها عليها نظرا لتعطيلها من الزراعة في المدة القانونية.
9 – القروض: كان اعتبار القرض الزراعي في أيام الأتراك يستند إلى معاملتين احداهما المصرف الزراعي الذي كان يقرض المزارعين احتياجاتهم. أما بالكفالة المتسلسلة وهو لكل شخص 500 – 1000 قرش تركي. واما برهن الأراضي المربوطة بقواجين مقدار نصف القيمة. وكان للمصرف شعبة بقضاء الميادين تشمل قضاء أبو كمال. وكان رأس مال المصرف للقضائين 400 ألف قرش تركي. وكانت معاملته جارية إلى انسحاب الأتراك.
والاعتبار الثاني هو الاستقراض من التجار بفائض فاحش أي 50 – 60% والتجار يقرضونهم مبالغ لمدة سنة مستندين على حاصلاتهم الزراعية التي يأتون بها إلى القصبة يبيعونها ويوفون دينهم. ويستعمل التجار حيلة شرعية يبيعون الفلاح بمطلوبه أثواب خام كان ثمن الثوب 20 مجيدي فيبيعه بـ 35، والفلاح يأخذ الثوب ويبيعه لغير التاجر بعشرين مجيدي فيأخذ الدراهم ويقضي بها حوائجه. وفي موسم الحاصل يوفيها 35 مجيدي. وقد اطلعت على معاملة في هذه الأثناء وهي لما ضايقت الحكومة الأهالي في تسليم ما عليهم من التكاليف الأميرية استقرض أهالي الصور من تجار القصبة 650 ليرة ذهبية على أن يوفوها بعد عشرة أشهر 1000 ليرة ذهب.. (ويعلق وجيه الحفار على ذلك قائلا: على الحكومة أن تستيقظ تجاه هذا الغدر، وتتخذ الوسائل لتخليص الزراع من أيدي هؤلاء الغدارين).
10 – التجارة الزراعية: الادخالات والاخراجات تنحصر في معاملات العشائر ببيع الحبوب والسمن والصوف والغنم والماعز والخاروف والجمال. والبيع اما أن يكون نقدا، واما بإيفاء ما عليهم من الديون التي أخذوها بفائدة 50 – 60%. ففي هذه المعاملة اما أن يكون الفلاح مجبرا ببيع محصولاته لدائنه. فيكون قد باعه بأقل من ثمنها في السوق، فيكون فائض دينه ارتفع 70% أو 100%. والأسعار تختلف تبعا للأمن وحالة الطرق ووسائط النقل.
وصدر لواء دير الزور السمن والصوف والخروف والغنم والسمسم إلى حلب والشام ويستورد منهما أموال الفاتورة والسكر والرز المصري والقهوة والقطران والكاز والبانزين والزيتون والصباغات والدهون. ومن بره جيك الدبس والعسل والفاصولية – وقم الدين والمشمش المنقوع، والأخشاب المختلفة والفحم والزيت الحلو وأنواع الخضر. ويأتي من العراق والموصل البغال والزفت والبلوط والعفص وجلود الحيوانات والمشالح والحطائط البغدادية.
11 – الصنائع الزراعية: محدودة في عمل الجبن والسمن وحياكة الصوف. يعملون السمن من حليب البقر والغنم بالأصول القديمة. بعد أن يحلبوا الحيوانات، يعملون الحليب لبنا ثم يخضونه بالشكوة (قربة) تستوعب 20 كيلو ثمنها مجيدي. ومن اللبن المخضوض يستخرجون الزبد وبعد تذويبه يصير سمنا. تعطي النعجة في السنة 3 كيلوات سمن، وتعطي البقرة 13 كيلو. مجموع الأيام التي يستفاد من حليبها وسطي 180 يوما.
ان كمية الحليب المستحصلة من هذه الحيوانات قليلة لعدم كفاية غذائها وتربيتها. أما حاصلات الأغنام فمنوطة بقلة وكثرة الأمطار والتي بسببها يكثر الربيع أو يكون قليلا. وفي السنين المحلة أكثر أصحاب الأغنام تهاجر إلى ولاية الموصل وديار بكر وماردين وأورفه حيث الربيع مبذول.
12 – أجور العمال الزراعيين: ان أجور العمال الزراعيين أكثرها سنوية فهم مشتركون بحصة معلومة مع أصحاب الدواليب والكرود. بعضهم يأكل عند صاحب الدولاب وله كساء ومداس ويأخذ ربع الحاصلات بعد اخراج العشر وأجرة الأرض. وكل دولاب يتوكل بشغله أربعة عمال عليهم فلاحة الأرض وزراعتها وجمع ونقل المحصول ومداراة الدواب ونظارة الدولاب. أما الساقي ففي كل دولاب واحد يأخذ 1 – 12 من المحصول بعد اخراج العشر. أما العمال باليومية فالوسطى 20 – 30 غرش سوري، وفي أيام الحصاد تبلغ الأجرة اليومية 40 غرش مع أكلهم ودخانهم.