كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الفلاحة جميلة العلي تجيب على سبب الاستكانة للإقطاع

د. عبد الله حنا- فينكس:

الفلاحة جميلة العلي تجيب على سبب الاستكانة للإقطاع بقولها:
"الرب ما نطالوا والعبد ما بِشَكينا" 
كانت قرية "العريمة" بالقرب من الصفصافة (طرطوس) ملكاً لآل بشور. وكان فلاحو الحصة المحظوظون يحصلون على مساحات واسعة من بيت بشور ويدفعون لهم 40% من الحاصل. وكان بعض الفلاحين المحاصصين يشغّلون أجراء من القرى المجاورة. والأجراء كانوا عزاباً وأجرتهم شنبل قمح وشنبل ذرة. ولكن القسم الأكبر من الفلاحين كان يعمل بيده دون استخدام الأجراء.
وفي العريمة زرنا، بتاريخ 16 / 9 / 1984 الفلاح طاهر غانم من مواليد 1900 في المعيصرات (صافيتا) التابعة لبيت الشيخ يونس. وكان لدى الفلاح طاهر زوج بقر وزرع حنطة وشعيراً وذرة وحمص. ولم يأخذ بيت الشيخ يونس
{بيت الشيخ يونس من الملاك الصغار وهم من مشايخ العلويين. وبرز من صفوفهم المثقف النهضوي عبد الطيف اليونس. وكتب مذكراته، التي تقدم صورة تفصيلية عن انتشار أفكار النهضة وفي مقدمتها الوعي الوطني في صفوف العلويين. ولكنه تجنب الحديث عن الأوضاع الطبقية وتحديداً هيمنة كبار الملاك على المنطقة، ودور العشائرية في التوازنات السياسية.}
أكثر من 20% من المحصول، ولم يسخّروا الفلاح بعكس بيت العباس. ولكن بيت الشيخ يونس كانوا "يكحشونا من الأرض"، حسب تعبير الفلاح طاهر. و كحش: طرد. والمقصود كانوا يهجّرونا ويطردونا. 
***
جميلة العلي زوجة الفلاح المرابع طاهر من مواليد 1912 في العريمة، فلاحة مرابعة طلقة اللسان جريئة منطلقة، قالت:
إن والدها سافر إلى أمريكا "قبل التجمع".
{التجمُّع: المقصود الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918). والتجمُع كلمة متداولة لدى جيل الحرب العالمية الأولى. وكاتب هذه الأسطر سمعها في صغره عشرات المرات من جيل الحرب الأولى. ولم أعثر عليها في القاموس و لعلها محرّفة من تعبير "جمع العسكر". وفي المنجد الأبجدي: يوم الجمع: يوم القيامة. فهل ظنّ جيل الحرب أن القيامة قد دنت؟.. وحرُّفت الكلمة من الجمع إلى التجمّع.} 
كانت والدة جميلة تجمع الفريكة والذرة لتطحنها وتخبزها وتؤمن الغذاء لأسرتها. وبعد زواج طاهر من جميلة استقرا في العريمة وأخذا أرضاً من بيت بشور، وكان ملكهما "فدان".
{الفدان: المحراث مع زوج من البقر (الثيران غالباً) للحراثة.}
وكان واضحاً من خلال حديث الفلاحة جميلة وتعابيرها معاناة الفلاحين وبخاصة الفلاحات من ظلم مالكي العريمة من آل بشور المسيحيين.
{لم يكن ثمّة تناقض بين ما سمعناه ونقلناه قبل قليل من أن الفلاح، وهو علوي، كان محظوظاً عندما يصبح مرابعاً في أرض بيت بشور وجهاء صافيتا المسيحيين، وبين ما ستورده جميلة العلي من معاملة مالك العريمة "الإقطاعي" من آل بشور. فالملّاك من آل بشور استخدموا مع الفلاحين سياسة ذات وجهين تتناسب مع التوازنات الطائفية والعشائرية وصلاتهم القوية مع رؤساء عشائر العلويين من آل الحامد والعباس ونفوذهم القوي في دوائر الدولة آنذاك.}
وسنورد فيما يلي ما تفوهت به الفلاحة جميلة دون تنسيق أو زخرفة، قالت: "كانوا يمسكون الحرمة ويقيّدونها ويضربونها".. وقالت: "طلب (المالك) من الفلاح علي الأنجي سقاية الغرس فرفض فضربه على رأسه وجرحه". "طلب (المالك) من فلاح نقل تنكة زيت كاز من مكان لآخر. فقال الفلاح أريد أن أطحن، فهجّره". و "كثيراً ما قيدوا المرأة في رسن الفرس". و "كانوا ضد جميع الفقراء والضرب لجميع النساء". و" مرة (في الخمسينات) ضاع حبل الجمل فأخذ من كل فلاح نصف شنبل قمح". و "مرة (في الخمسينات) ضاعت عصا الربش، {عصاة خشبية تنتهي بعارضة خشبية تستخدم لتجميع الزرع المدروس على البيدر.}
فبلص {البلص: أخذ المال ظلماً دون وجه مشروع. المنجد الأبجدي..}
كل بيت بعشر ليرات"!
{على الرغم من أن المرأة كانت تتكلم بطلاقة وتدل تعابير وجهها على الصدق، إلّا أننا نشك في أن المالك أخذ عشرة ليرات بلصاً تعويضاً عن الربش، الذي لم يكن ثمنه آنذاك يزيد عن الليرة السورية. ولم يكن الفلاح يملك في ذلك الحين هذا المبلغ من المال. فهل قصدت جميلة أن تقول عشرة قروش وأخذها "الحال" والحماس أثناء الحديث فحوّلت القرش إلى ليرة وهذا ما نعتقده.} 
فسألنا الفلاحة جميلة: لماذا كنتم لا تشتكون للحكومة، فأجابت: "وين في دولة، كان يقتل الزلمة أمام رئيس المخفر".
و ختمت جميلة كلامها مجيبة بالعبارة ذات المغزى العميق:
"الرب ما نطالو والعبد مابشكينا"،
أي أننا لا نستطيع الوصول لله لنشتكي له، والإنسان ممثل السلطة أو مالك الأرض ورمزت له جميلة بـ(العبد) لا يسمع شكوانا...
***
توضيح واستفسار
بعض من بيت بشور في صافيتا أصبحوا من كبار الملاك في أواخر العصر العثماني وبخاصة أيام الانتداب الفرنسي 1920– 1945. 
ذات يوم زار صافيتا كبير مشايخ العلويين خليل النميلي. وقام بيطار من بيت بشور بحدوة فرس الشيخ النميلي ورفض تقاضي أجره إحتراماً للشيخ النميلي ومكانته المرموقة في أو ساط العلويين. ورداً على الجميل دعا الشيخ العلوي الكبير خليل النميلي لآل بشوور بالتوفيق. هنا استغلّ إقطاعيو بيت بشور هذا الدعاء لمنع أي تحرك أو تمرد للفلاحين العلويين العاملين في إقطاعات بيت بشور. وكان سلاح هؤلاء الإقطاعيين دعاء كبير مشايخ العلويين لهم بقوله:
"بجاه العدرا أم النور ترزقكم يا بيت بشور" 
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان
الشيخ علي حمدان البريعيني فقيه وشاعر وناسخ بين برعين وكيليكيا والآستانة
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 2من2
قرية "بدادا"
الشيخ كامل حاتم عالم مشقيتا وصوت الاصلاح في الساحل السوري 1من2
أنساب العرب.. الخرافة والزيف في ثوب التاريخ والعلم
أحمد محمد علاء الدين شيخ بسنادا الكتاب المفتوح وموكب الشموع