الخبز والجوع ونساء باريس (سقوط الباستيل)
2022.07.14
مروان حبش- فينكس:
من ذاكرة التاريخ
الخبز والجوع ونساء باريس
(سقوط الباستيل)
كان شتاء١٧٨٨إ١٧٨٩ قاسياً، وحلّ بفرنسا قحطٌ انتهى بعواصف ثلجية أتلفت المحاصيل الهزيلة، مما أدى إلى ارتفاع سعر الخبز وهو قضية مثيرة لربات البيوت في باريس، وانتشرت معلومات تفيد بأن تجار الجملة يحتكرون الغلال ويمنعونها عن الأسواق طمعاً في رفع أسعارها. وكان الجوع أبلغ من الكلام، ويتقاطر الجائعون على مراكز الإغاثة، كلما أقامتها في باريس الحكومة والكهنة والأغنياء، وافدين من داخل البلاد ليأكلوا ويغامروا بفقرهم في أفعال يائسة. وكانوا ينفذون إرادتهم بنفسهم دون اعتداد بالقانون، وهددوا بشنق أي تاجر يخفي الغلال أو يغالي في سعرها، على أقرب عامود نور.
تواصل ارتفاع سعر الخبز، وتزايد خطر العنف الجماهيري، ونتيجة ذلك صدرت الأوامر إلى الجند لحماية المخابز مخافة هجوم الجائعين عليها والنهب العشوائي لمحتوياتها.
كان الباريسيون/يأت الثائرون/ات يخشون الأفواج العسكرية التي تحاصر المدينة، والتي لم يكسبوا تأييدها لقضيتهم بعد، أن تهدد الجمعية الوطنية والثورة معاً، وتزامن ذلك مع إقالة الملك بشكل مفاجئ وزير المال "نيكير" وهو الوحيد في الحكومة الذي كان الشعب قد وثق به، وذلك أدى إلى هيجان الجماهير حتى أن إشاعةً أو خبراً كانا كافيين ليثيرا رد فعل عنيفاً وهذا ما حدث في 12 تموز 1789 حيث اعتلى محام متطرف في التاسعة والعشرين من العمر، طاولة خارج مقهى (الكافيه دافوا) على مقربة من (الباليه رويال) وندد بإقالة الوزير "نكير" باعتبارها خيبة أمل للشعب وهتف بأعلى صوته: إن الجنود الألمان في (الشان دي مارس) سيدخلون باريس هذه الليلة ليذبحوا سكانها، ثم لوح بطبنجة وسيف وهتف: إلى السلاح، وفوراً تبعه فريق من الحاضرين والمحاضرات إلى ميدان (الفاندوم)، وهناك أجبرهم الجند على التراجع، وفي المساء من اليوم ذاته تجمع حشد من الثائرين والثائرات في حدائق التويلري اشتبك مع فوج من الجند الألمان الذين أطلقوا النار عليهم/هن وجرحوا كثيراً من الثوار والثائرات، الذين/اللواتي عادوا وتجمعوا/تجمعنا وشقوا طريقهم/هن عنوة إلى (أوتيل دو فيل) واستولوا على ما وجدوه من سلاح.
تجمع الثائرون/ات مرة أخرى في 13 تموز، وهاجموا/هاجمن دير (سان لازار) واستولوا/لين على مخزونه من الغلال ونقلوه إلى سوق (لي هال) ، بينما ثوار آخرون فتحوا سجن (لا فورس) وأطلقوا/ن السجناء، وراح أفراد الشعب يفتشون عن السلاح في كل مكان، فلما لم يجدوا منها إلا القليل، صنعوا خمسين ألف حربة.
وفي الصباح الباكر من يوم 14 تموز هاجم حشد من ثمانية ألف رجل (أوتيل ديز نفاليد) واستولوا/لين على 32000 بندقية، وبعض البارود، و12 مدفعاً، وفجأة هتف أحدهم: "إلى الباستيل رمز الاستبداد" هذا الرمز الذي لم يكن فيه إلا سبعة سجناء من سراة القوم، ولكنه كان يرمز في ضمير الشعب إلى مئات السجون والزنزانات السرية، وما أثار الحشد أيضاً علمهم بأن الجنود في الباستيل صوبوا بعض المدافع إلى شارع وضاحية (سانت أنطوان) التي يغلي سكانها بالمشاعر الثورية، وأيضاً كان يقال بأن الباستيل يحتوي مخزناً ضخماً من الأسلحة والذخائر.
واتجه حشد الثائرين/ات صوب الباستيل، وحوالي الساعة الواحدة بعد الظهر تسلق ثمانية عشر منهم سور بناء مجاور، ووثبوا إلى الفناء الأمامي للسجن، وأنزلوا كوبريين متحركين، فعبر المئات فوق الخندق، وأُنزل كوبريان آخران، وسرعان ما امتلأ الفناء بجمع متحفز واثق من نفسه. فأمرهم قائد الحرس بالانسحاب، فرفضوا،فأصدر أوامره للجند بإطلاق النار، ورد المهاجمون على النار وأشعلوا النيران في بعض الأبنية الخشبية الملاصقة للأسوار الحجرية، وكان الحشد الثائر يزداد عدداً بوصول إمدادات جديدة، مما اضطر قائد الحامية لإصدار أوامره للجند بالكف عن إطلاق النار ورفع علم أبيض. وعرض الاستسلام إذا سُمح لجنوده بالخروج بسلاحهم آمنين، فرفض الثوار، الذين هاجهم منظر قتلاهم، هذا العرض وأصروا على استسلام الحامية دون قيد أوشرط. وعليه أرسل قائد الحامية إلى الثائرين مفتاح المدخل الرئيسي للسجن واندفع المهاجمون وجردوا الجنود من سلاحهم، وأطلقوا السجناء المذهولين.