كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أنين الناعورة وعناد العاصي.. الصراع الأزلي

فراس حمدون

هناك ظاهرة نفسية شهيرة وخطيرة تُسمى "أُلفة المشهد"؛ حيث تجعلنا العادة واليوميات الرتيبة نتعامى عن المعجزات التي تحيط بنا.
كإنسان "حموي" نشأ وترعرع على ضفاف العاصي، اعتدتُ منذ صغري على مرأى النواعير وسماع أنينها وهي تدور في النهر،
كان المشهد بالنسبة لي يبدو عاديّاً؛ مجرد نهرٍ يتدفق وخشبةٍ تدور، دون أن أرى وراء ذلك أبعاداً أعمق من حدود المألوف، غير الوظيفة التي أسندها أجدادنا للنواعير برفع المياه من مجرى النهر المنخفض.
اليوم، ومع تتابع السنين وخفقان قطار العمر.. بعد أن هرمنا واشتعل الشيب في الرأس،
وبعد أن صهر النهرُ العاصي ونواعيرُه جوهرَ حبنا الأزلي الدافئ لهذه المدينة، أرا روحنا تبطئ الخطى لتعيد تعريف ما نرى بـسكينة؛
فما عاد جريان النهر العنيد وأنين الناعورة على ضفافه مجرد مشهدٍ عابر يمر أمام الأعين، بل تحولا في عمق وجداننا الساكن إلى لوحةٍ إنسانيةٍ حية، تفيض بالمشاعر والمحبة، وتختصر حكاية هذه المدينة وصمود شعبها الذي لا ينكسر.
في هذا المشهد تتجلى فلسفة عظيمة.. صراع جميل؛
يتجسد في ناعورة تُصارع وتحاول إفراغ النهر من الماء لتروي الأراضي والناس العطشى في الأعلى،
بينما يحاول النهر أن ينهكها ويعطل مهمتها، تماماً مثلما يفعل الزمن بالإنسان.
إن هذا النهر—الذي اعتقد الأقدمون خطأً أنه "شاذ" في مساره فأطلقوا عليه "العاصي" لأنه يتدفق معانداً من الجنوب إلى الشمال كالنيل العظيم—يحمل في جريانه فلسفة نفسية مذهلة.
إن العاصي، رغم قساوة اسمه، يؤمن بمساره وقدره بين (المنبع والمصب)، تماماً كرحلة الإنسان بين (الولادة والموت).
لكنه لا يملك عُقداً إنسانية تعيق حركته، ولا يحمل حقداً على الصخور والتضاريس التي تعترض طريقه؛
لا يتصادم معها بغضب، ولا يقف ليبكي حظه أمام السدود، بل ينساب حولها بذكاء مرن، مستخدماً طاقته كاملة في إيجاد الطريق الأسهل والأبسط للمرور.
إنه لا يكل ولا يمل في نحت الصخر بالصبر لا بالعنف، ليسخّر كل قطرة فيه ويحسّن مساره، ممهداً لنفسه طريق الحياة.
وفي هذا المجرى المائي، تتجلى عبقرية العمارة والهندسة الشعبية في "النواعير"، لتلخص أعظم صراع أزلي وأبدي بين النهر والفرج.
دوائر خشبية عملاقة ولدت بفكرة "الدولاب" البسيطة والمكتملة، تدور بلا كلل ولا ملل؛ تغرف صناديقها الخشبية المياه من قاع النهر المنخفض، لترفعها بجهد دؤوب وتفرغها في مجرى حجري شاهق الارتفاع،
ينقل شريان الحياة إلى الأراضي العطشى والناس العطاش.
إنها تجسيد حي لعدم الاستسلام؛ فالأقدار قد تضعنا في الأسفل، لكن بالعمل الذكي المستمر -كالناعورة- نسخر طاقاتنا لنرفع الخير إلى الأعلى.
إن النفس البشرية "العبقرية في بساطتها" هي تلك التي تتشبه بنهر العاصي ونواعيره؛ إنهم لا يستهلكون ذكاءهم في تعقيد الأمور رغم صراعهما،
بل يسخرون طاقاتهم وعقولهم لتذليل العقبات وصناعة "الفرج" وإغاثة العطاش، مسترشدين بشعار فِطري ثابت:
"طاقتنا أثمن من أن تضيع في التواءات الحياة.. وذكاؤنا خُلق لننساب به بسلام كالأنهار، ونرفع به حلولاً تدور بالخير والعطاء كالنواعير".
تعقيب: الصورة الجميلة من أرشيف الصديق عاشق حماة مجدي جحا Majdi Jeha
 
 
 
*******
"عندما صمتَ هدير العاصي ونواعيره من الصقيع"
لطالما تأنقت حماة بألوان طبيعتها الخلاقة، حيث يمتزج اخضرار البساتين بزرقة نهر العاصي الدافقة، وتتحرك النواعير كلوحات حية تفيض بالحركة والصخب؛
لكن الطبيعة حين تغضب، تغزل لها رداءً من نوع آخر، إنه رداء النقاء المطلق، حيث يتلاشى صخب الألوان لتتحول المدينة ونهرها ونواعيرها إلى ثنائية ساحرة من الأبيض والأسود؛
بياض الثلج والجليد الناصع في مواجهة سواد الخشب العتيق، في مشهد مهيب صمت فيه الهدير وتبدلت فيه ملامح الجريان،
لتبدأ سطور التاريخ باستعراض هذه اللوحات المناخية الاستثنائية عبر العصور:
1- تجمد أواخر العهد العثماني (عام 1878م)
تشير السجلات المحلية التاريخية إلى شتاء عاصف جداً ضرب المنطقة في مطلع عام 1878، حيث انخفضت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية أدت إلى تجمد الحواف والبرك المائية ونقاط تصريف النواعير (العود والصناديق)،
وتسببت هذه الموجة بنفوق الكثير من المواشي وتوقف حركة الطواحين المائية الممتدة على العاصي لعدة أيام نتيجة قساوة الجليد.
2- التجمد التاريخي الأكبر (عام 1911م)
تُعرف هذه السنة في التاريخ الشامي بـ "سنة البردة" أو "الأربعينية السوداء" في يناير وفبراير من عام 1911، ضربت بلاد الشام موجة برد قطبية غير مسبوقة استمرت لأسابيع.
تجمدت مياه نهر العاصي بشكل كامل لدرجة أن الجليد أصبح سميكاً جداً. وتذكر الروايات المتواترة أن الأهالي والأطفال كانوا يمشون ويعبرون فوق مياه النهر المتجمدة مشياً على الأقدام للتنقل بين ضفتي النهر بين الحاضر والعلاونة "السوق" .
وتوقفت النواعير تماماً بعد أن تحولت قطرات الماء المعلقة عليها إلى أعمدة وجدران سميكة من الجليد التفت حول أخشابها.
3. موجة شتاء (عام 1925م)
بعد الحرب العالمية الأولى بسنوات قليلة، شهدت حماة شتاءً قارساً تساقطت فيه الثلوج بكثافة غير معتادة، وذكرت صحف تلك الحقبة أن أجزاء واسعة من مجرى النهر (خاصة في المناطق ذات الجريان البطيء والمغلق) قد تجمّعت فوقها طبقات جليدية، وتشكلت قنديلات ثلجية ضخمة متدلية من جدران النواعير ومصباتها المائية (المزاريب).
4. الحادثة الأحدث الموثقة فوتوغرافياً (شتاء عام 1950م)
تُعتبر هذه المرة الأهم في العصر الحديث نظراً لتوثيقها بعدسة الكاميرا، حيث ضربت المنطقة عاصفة قطبية تاريخية عُرفت محلياً بـ "المربعانية الشديدة" في الفترة ما بين أواخر عام 1949 ومطلع عام 1950.
موجز الحدث: انخفضت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية تحت الصفر، مما أوقف اندفاع مياه نهر العاصي كلياً في حماة.
تيبّس النهر وتجمدت المياه المتساقطة من صناديق النواعير أثناء دورانها الأخير، لتتراكم تدريجياً وتتحول إلى جدران وثريات جليدية بيضاء عملاقة قيدت الأخشاب ومنعتها من الحركة، في مشهد جمالي وقاسٍ لم يتكرر بذات الكثافة حتى اليوم.
جمود الحركة وعنفوان الطبيعة: تظهر الناعورة الخشبية العملاقة -التي لا تهدأ بالدوران عادةً- وهي متوقفة تماماً ومقيدة،
بعد أن تحولت المياه المتساقطة من صناديقها الخشبية (العود) إلى ثريات وهياكل عملاقة من الجليد والبلور، متدلية على كامل المحيط الدائري للناعورة في مشهد يشبه المنحوتات الطبيعية.
النهر الأبيض: يظهر مجرى نهر العاصي عند الناعورة مغطى بطبقة سميكة من الجليد والثلج، حيث توقفت المياه عن الجريان السريع وتحولت الضفاف والمقاهي المحيطة بها إلى بساط أبيض بالكامل.
عبق التاريخ باللونين الأبيض والأسود: تمنح تفاصيل الصورة الملتقطة باللونين الأبيض والأسود بُعداً درامياً وتاريخياً ساحراً، حيث تبرز التباينات بين سواد خشب الجوز والكينا القديم المصنوعة منه الناعورة، وبين بياض الثلج والجليد الناصع الذي يكسوها.
كانت هذه الحادثة دليلاً على شدة الشتاء في تلك الحقبة من منتصف القرن الماضي، وتحولت هذه الصورة إلى أيقونة يتناقلها أهالي حماة جيلاً بعد جيل لاستذكار الأيام التي "عجز فيها العاصي عن العصيان" وتجمدت مياهه أمام قساوة البرد.
قائمة "المصادر والمراجع":
1. صابوني، أحمد. (2014). تاريخ حماة (ط. 2). دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق.
2. مشوح، الوليد. (1997). نواعير حماة: دراسة تاريخية وأثرية وفنية. وزارة الثقافة السورية، دمشق.
3. زقزوق، عبد الرزاق. (1985). حماة ومتاحفها الأثرية. المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق.
4. المديرية العامة للأرصاد الجوية السورية. السجل المناخي التاريخي لحوض العاصي (محطة حماة)، دمشق.
5. أرشيف صور مديرية آثار حماة. مجموعة الصور التاريخية لنهر العاصي والنواعير (شتاء 1950)، وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية.
6. سجلات المحكمة الشرعية بحماة. الوثائق المتعلقة بأواخر العهد العثماني (1878 - 1911م)، أرشفة وتدقيق محلي.
  •