مشفى تشرين العسكري
2026.05.04
أسامة خليل
هناك أماكن لا تُبنى بالإسمنت فقط… بل تُبنى بقلوبٍ تعبت وهي تحاول إنقاذ قلوبٍ أخرى.
مشفى تشرين العسكري كان واحداً من تلك الأماكن التي لا تُقاس بمساحتها، بل بعدد الأرواح التي مرّت منها وعادت إلى الحياة.
في ممراته، لم يكن يُسأل المريض من أين أتى… بل إلى أين يمكن أن نعيده سالماً.
وهنا، لم تكن الإنجازات مجرد عناوين، بل محطات فاصلة في تاريخ الطب السوري:
هنا، خفق أول قلبٍ زُرع في سوريا عام 1989، حين وقف الجراح حسين رمضان ومعه الدكتور أحمد باكير، وبإسناد أطباء التخدير حسن سويد وحسن حالوش، ليكتبوا لحظةً طبية سبقت زمنها.
وهنا أيضاً، استُعيد النور إلى عيونٍ كثيرة، مع أولى عمليات زرع القرنية التي أجراها الدكتور شاهين محيثاوي.
وفي غرفه، كانت الكِلى تُمنح فرصة جديدة للحياة، على يد روّادٍ مثل الدكتور ماهر الحسامي والدكتور بشير اليافي، ثم من تابع الطريق كالدكتور زياد عياش.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد…
بل امتد ليصل إلى أدقّ ما في الجسد، حين تأسس أول مركز لزرع نقي العظم والخلايا الجذعية، بقيادة الدكتورة فائقة العجلاني ومعها الدكتورة رجاء منى، ليصبح أملاً لمرضى كانوا بلا أمل.
وفي عالم العيون، كان للدكتور حنا العشي بصمته في جراحات الشبكية، حيث تُقاس الدقة بميكرونات، وتُصنع المعجزات بهدوء.
وهنا أيضاً، وُلدت بدايات الطب الحديث في مفاهيمه، مع إدخال الطب المبني على الدليل بقيادة الدكتور محمد أديب العسالي، ليصبح القرار الطبي علماً لا اجتهاداً فقط.
وفي زوايا أخرى، بدأت حكايات جديدة للحياة، مع مركز طفل الأنبوب بإشراف الدكتورة عفاف الحموي والدكتور نواف ليوس، حيث لم تكن الولادة مجرد حدث، بل انتصار طويل على المستحيل.
أما أصغر الأرواح، فقد وجدت حضناً علمياً وإنسانياً في قسم حديثي الولادة الذي أسسه الدكتور فواز الظاهر.
كل هذه الأسماء… ليست مجرد أشخاص، بل مفاتيح لذاكرةٍ كاملة.
ذاكرة تقول إن هذا المكان لم يكن يوماً لفئة، ولا لطائفة، بل كان مساحةً يلتقي فيها السوريون على أضعف حالاتهم… وأصدقها.
والمؤلم اليوم… ليس فقط ما يُقال عنه، بل كيف يُختزل كل هذا التاريخ في رواياتٍ سريعة، كأن عشرات السنين من العمل يمكن أن تُمحى بجملة، أو تُشوَّه بمنشور.
مشفى تشرين ليس حجراً يمكن نقله، ولا لافتة يمكن تبديلها…
هو تراكم أعمار، وأخلاق مهنة، وعرق أجيال.