كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

فلسفة الـ "أضحى مبارك".. حين غيّر "الكبش"مجرى التاريخ الإنساني

فراس حمدون

  "أضحى مبارك وكل عام وأنتم بخير"
معظمنا نتبادلها كبطاقة معايدة روتينية، ويمر يوم العيد وسط انشغالنا بالطقوس والمظاهر الاجتماعية، دون أن نلتفت إلى المعاني الحقيقية الكامنة وراء هذه الكلمات، أو الزلزال الفكري الذي أحدثته هذه المناسبة في مسيرة البشرية.
إن الفهم الحقيقي لهذا اليوم يبدأ من إدراك دور الله سبحانه وتعالى كخالق ومربٍّ لهذه البشرية؛ فهو الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأراد بهذه القصة أن يمنح البشرية دروساً وعبر خالدة تُخرجهم من وحل الهمجية إلى نور الحضارة.
لو جلست اليوم في القرن الحادي والعشرين، وأردت أن تروي قصة نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل لإنسان معاصر لا يعرف عن الدين الإسلامي الذي يحتفل بهذه المناسبة إلّا القليل بنفس السردية التقليدية، لخرج وقال لك إنها "أساطير دينية" من غابر الأزمان.
لكن عندما ننزع عنها الغلاف التقليدي وننظر الى إحدى العبر الكثيرة من هذه الحادثة بعقلية اليوم ومنطق العصر، نكتشف طهرها ونقائها،
وكيف أن الخالق عز وجل خطّ بها فلسفة إنسانية بالغة العمق؛ لقد كانت نقطة التحول التاريخية لقيمة ما زال العالم يبحث عنها حتى يومنا هذا:
"قدسية وكرامة الإنسان"
انها نقطة التحول: من الهمجية إلى التحضر
تخيّل أنك تعيش في زمن كانت فيه محبة الآلهة، أو اتقاء غضب الطبيعة، يتطلبان منك ثمناً مرعباً:
"حياة طفلك البكر"
لآلاف السنين، ساد العالم منطق همجي ومظلم؛ كانت حضارات كبرى، من بابل وفينيقيا وصولاً إلى شعوب المايا، تقود أطفالها إلى المذابح المقدسة كقرابين لاسترضاء الآلهة أو لضمان نصر في معركة.
كان جسد الإنسان أرخص ما تملكه الحضارة، وكانت الدماء البشرية هي الوقود الذي يُحرك عجلة المعتقدات القديمة.
ثورة الفداء: أول وثيقة لحقوق الإنسان
حين صدر الأمر الإلهي بالفداء، ونزل الكبش من السماء ليكون بديلاً عن الابن، لم يكن الأمر مجرد نجاة لجسد إسماعيل، بل كان إعلاناً مدوياً هزّ أركان الفلسفة القديمة.
في تلك اللحظة، خطّ الوحي الإلهي أول وأعظم وثيقة لحقوق الإنسان في التاريخ، معلناً مبدأين غيّرا مجرى الحضارة:
المبدأ الأول: قدسية النفس البشرية:
ألغت القصة كل أسواق القرابين البشرية. صدر القرار الإلهي الحاسم:
"دم الإنسان مقدس، وجسده ليس محلاً للذبح أو الاسترضاء"، لينتهي بذلك عصر الهمجية الذي استباح الطفولة والإنسانية باسم الدين أو الخوف.
المبدأ الثاني: تحويل الطاقة التدميرية للقربان إلى تكافل اجتماعي:
بدلاً من إزهاق روح بشرية لتموت فوق المذابح، تحول القربان بأمر الخالق إلى "طاقة إطعام وحياة". أصبح "الكبش" رمزاً لإحياء المجتمع؛ يُذبح لكي يَطعم الجائع، ويَشبع الفقير، ويلتقي الناس على مائدة التكافل والتراحم.
الحق المطلق في كل مكان و زمان.
إن إرادة الله التي سبقت منظمات حقوق الإنسان بآلاف السنين؛ فلسفة تُخبر الإنسان المعاصر -الذي ما زال يبحث عن قيمته وسط الآلات والحروب والتعقيدات- أن قيمتك عند خالقك أسمى من أي شيء، وأن دمك خط أحمر لا يُقترب منه.
وفي نهاية المطاف، تتجلى الحقيقة الكبرى التي صاغت هذا التحول التاريخي؛ فكل المبادئ والقوانين الأرضية تظل قاصرة ومرتبطة بأزمانها،
بينما تبدو كلمة الله سبحانه وتعالى هي العليا وهي الحق المطلق في كل مكان وزمان.
و"أضحى مبارك" و كل عام و انتم بخير.