كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لا يكفي أن تحلم.. لا بد من دانتون

 من إضاءة الثورة.. إلى إشعالها

محمود اسماعيل

((لم يكن كافياً لكي تندلع الثورة الفرنسية أن يتنبأ بها مونتيسكيو، ويبشر بها ديدرو، ويعلنها بومارشيه ويديرها كوندورسيه، ويمهد لها فولتير ويتعمدها روسو... كان من الضروري أن يتجرأ عليها دانتون)) فيكتور هوغو، البؤساء

هوغو في مقولته هذه لم يكتب نصاً أدبياً، بل كتب نظرية في علم الاجتماع الثوري ثبل أن يصاغ هذا العلم بعقود، أدرك ما سيقرّره لاحقاً علماء مثل تيدا سكوكبول في كتابها (الدول والثورات الاجتماعية) وتشارلز تيلي في كتابه (من التعبئة إلى الثورة) عندما قال: ((إن الثورة لا تولد من فراغ، ولا تنفجر بقرار، بل هي طبقات متراكمة من الوعي والغضب والجرأة والتنظيم)).
إن هوغو في جملته هذه حدد أدوار ستة مفكرين ومبدعين، وكل دور لايغني عن الآخر، وأعطى لكل منهم تسمية دوره الحقيقي في الثورة الفرنسية، لقد رسم خارطة الثورة كاملة في جملته، لندرك منها أن الثورة ليست حدثاً، بل عملية. يمكن قراءة أدوار هؤلاء الستة من خلال التوزيع التالي:
معماريا الفكرة وهما مونتيسيكيو وفولتير، والمبشرين بالحلم وهما روسو وديدرو، أما المؤطران والمعلنان فهما بومارشيه وكوندورسيه، وكان دانتون هو الثورة نفسها.
أدوار رجال الثورة:
1- شارل لويس دو سيكوندا، بارون دو مونتيسكيو (1689-1755)
مونتيسكيو لم يكن ثائراً، ولم يشارك بالثورة الفرنسية يفقد مات قبلها بأربعة وثلاثين عاماً، لقد كان من بنائي الفكرة من خلال كتابه روح القوانين الذي وضح فيه أن ما يعيشه الناس ليس قدراً إلهياً، بل نظام بششري قابل للتغيير، وقسم السطات إلى تشريعية وقضائية وتنفيذيةن ووضح أنه عندما تجتمع هذه السلطات بيد واحدة فتلك هي بداية الاستبداد، وبذلك ترك سؤالاً في عقول الناس ((لماذا يحكمنا ملك بلا قيد)).
2- فرانسوا ماري أرويه، الملقب فولتير (1649-1778)
ذلك الرجل الساخر الذي فكك القداسة الزائفة، لم يكتب مجلدات ثقيلة بل كتب قصصاً قصيرة ورسائل، ومسرحيات، وسخريات لاذعة، فروايته كانديد، تلك الرواية الفلسفية الساخرة دمرت سمعة الكنيسة والنبالة والتفاؤل الأعمى، وبكفاحه في محكمة جان كالاس علم الرنسيين أن الظلم ليس قضاء، وأن الصمت عنه تواطؤ.
3- جان جاك روسو (1712-1778)
الرجل الذي أعطى الثورة روحها وحرارتها، ففي كتابه العقد الاجتماعي أطلق صرخته ((ولد الإنسان حراً، وهو في كل مكان مكبل بالقيود)).
يقول المؤرخ الفرنسي جول ميشليه ((روسو هو الإنجيل الحقيقي للثورة))، لقد استخدم روسو العاطفة الفلسفية في إعادة تعريف الكرامة الإنسانية، فأشعل مشاعر، من مبدأ أن الثورات لا تقوم على الأفكار وحدها، بل على الجرح الذي تلامسه تلك الأفكار.
4- دوني ديدرو (1713-1784):
باني مكتبة الثورة، حيث أشرف على الموسوعة ذلك المشروع العملاق الذي استغرق عشرون عاماً، وضم اثنين وسبعين ألف مقالة.
وذلك قدم ديدرو المعرفة للجميع، متحدياً السلطات التي كانت تسعى للتجهيل، وهذا المشروع حاربته الملكية كما حاربته الكنيسة، لقد كانت هذه الموسوعة على حد تعبير المؤرخ روبرت رنتون ((بياناً ثقافياً ضد الوصاية)).
5- بيير أوغستان كارون دو بومارشيه (1732-1799):
الكاتب المسرحي، ابن الطبقة الوسطى، الذي أضحك الناس حتى جعلهم يغضبون.
في مسرحتيه حفل زفاف فيغارو وضع على لسان خادم بسيط خطاباً يفحم النبلاء حيث قال ((أنتم تعتقدون أن كونكم أسياداً نبلاء، يعني أنكم عباقرة، النبل والثروة والرتبة والمناصب.. كل هذا يجعل الإنسان متعجرفاً جداً، أما أنا فقد اضطررت إلى أن أعمل ذكائي أكثر مما أعملتم أنتم مواهبكم في عشرين عاماً))، وعندما وصلت المسرحية ليد الملك لويس السادس عشر قال أنها خطيرة ويجب أن تحرق.
6- ماركيز دو كوندورسيه (1743 - 1794)
الرجل الذي أدار الفكرة، وهو رياضي وفيلسوف واجتماعي، عاش الثورة وشارك فيها وتشرّب نتائجها حتى المأساوية، حيث طارده الثوار مطالبين برأسه، وأثناء مطاردته كتب عرض تارخي لتقدم الفكر الإنساني، آمن بالتقدم والتعليم، وحقوق المرأة، وإلغاء العبودية، لكن الثورة التهمته.
يقول عنه إيزايا برلين ((كوندورسيه هو أكثر الأنوار التزاماً بالمنطق ... وأكثرهم صدمة حين خانهم المنطق))
7- جورج جاك دانتون (1759-1794)
الرجل الذي كان الثورة نفسها، فالستة كانوا أرضية الثورة، ودانتون كان القفزة، لم يكن أكثرهم علماً، ولا أكثرهم منطقاً، ولا أكثرهم فلسفةً، لكنه كان أكثرهم جرأةً عندما قال الآن، حيث أطلق خطابه عام 1792 عندما كانت الجيوش الأجنبية تتجه إلى باريس وقال ((لكي ننتصر، نحتاج إلى الجرأة، والجرأة، ثم الجرأة مرة أخرى)).
وكانت نهايته كنهاية كوندوسيه، التهمته الثورة وقطع رأسه على المقصلة عام 1794.
وبعد بيان دور كل منهم في الثورة بشكل واضح، لا بد من قراءة أركان الحراك الثوري وفق نظرية هوغو.
أركان الحراك الثوري:
1- الفيلسوف، صانع السؤال:
تقول تيدا سكوكبول في كتابها الدول والثورات الاجتماعية (( لا تنشأ الثورات دون أزمة أيديولوجية تسبق الأزمة السياسة))، أي أنه قبل كل ثورة هناك سؤال، ومن يطرح هذا السؤال هو الذي يحرك كل شيء.
2- الناشر، صانع الوعي الجمعي:
رغم طرح السؤال من قبل الفيلسوف إلا أن الفكرة في رأس الفيلسوف ليست ثورة، بل الثورة هي الفكرة في عقل جموع الناس، أو مجموعة منهم، وهذا ما أكده مالكولم غلادويل في كتابه نقطة التحوّل عنما قال ((إن الأفكار تنتشر كالأوبئة حين تجد ناقلاً مناسباً)).
3- الفنان والأديب، صانع الشعور:
يقول أنطونيو غرامشي في دفاتر السجن (( لاتتغير السلطة السياسة إلا بعد تغيير الهيمنة الثقافية))، فالعقل يقنع، لكن الفن يحرّك.
4- المنظّم، صانع البنية:
الحماس بلا تنظيم هو فوضى، وهنا نستذكر لينين بقوله ((أعطني منظمة وسأقلب الأرض)).
5- الرمز، صانع الروح الجمعية:
كل ثورة تحتاج وجهاً يجسّدها، وصوتاً يعبر عنها، وشخصاً يقول الناس حين يرونه هذا نحن، يقول هوبسباوم في كتابه عصر الثورة ((الرمز الثوري لايصنع، بل ينبثق في لحظة تقاطع الفرد مع الحاجة الجماعية).
6- اللحظة، صانعة التاريخ:
كل الأركان السابقة يمكن أن تجتمع ولا تفضي إلى شيء إن لم تأتِ اللحظة، وهي لا تصنع دائماً لكنها تستثمر، وهذا ما تسميه سكوكبول الفرصة السياسية، ويسميه تيلي البنية الظرفية.
هوغو حين كتب جملته وكأنه كان يقول إن التاريخ لا يصنعه النوابغ المنفردون، بل تصنع تضافر الأدوار.
المفكر الذي لا يجد ناشراً يموت في مخطوطاته، والناشر الذي لا يجد فناناً يبقى مجلداً على رف، والفنان الذي لا يجد منظماً يتحول إلى صرخة بلا صدى، والجميع من دون دانتون يبقون حلماً جميلاً لم يجرؤ على الولادة، ودانتون دون الجميع مجرد رجل صاخب في شارع غاضب.
الثورة الحقيقة لا تبدأ في الشارع، تبدأ حين يلتقي الحالمون بالجريئين، والمفكرون بالمنظمين، والفن بالسياسة، والفكرة بلحظتها.