كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عاطف نجيب

لؤي سلمان

تم، مؤخراً، القبض على الممثل معن عبد الحق، الذي لم أُطِقْه يومًا، وكنت أقرف من طريقة استفزازه واستهتاره بموت السوريين على يد بشار الواطي وشقيقه ماهر حصراً.
أما من تبقّى من المنفذين فهو يتراوح بين مجرم حرب وعدو للإنسانية، وبين عبدٍ مأمور لا حول له ولا قوة.
اليوم شعرت أنني أملك حرية التحدث عن وقحٍ ومعاقٍ وتافهٍ آخر، شاهده السوريون في القفص غير الذهبي.
إنه عاطف نجيب علاء الدين إبراهيم، ابن عديل حافظ الأسد الجبلاوي السني.
كان نجيب علاء الدين إبراهيم يعمل في تصنيع مواسّ الدخان القديمة القابلة للطي (ربما هواية وليست حرفة، والحقيقة لا أذكر إن كانت مهنته)، والتي اعتاد من يدخن التنباك العربي أن يضعها في جيبه أو في كيس الدخان (كجدي مثلاً، الذي كان يزرع دخانه أمام داره في المزيرعة).
بعد اعتلاء عديل نجيب علاء الدين ابراهيم (حافظ الأسد) السلطة، حصل على موافقة لافتتاح كازية صغيرة على مقص جبلة، اسمها “كازية نجيب علا”. وأذكر بوضوح كيف وقف والدي ذات مرة أمام الكازية في سيارته الجديدة البيجو ٤٠٤ سنة الصنع ١٩٧٤، خمرية اللون، التي تحمل اللوحة: “الشرطة ٤٠٠٤٠”، والتي كانت قد استُبدلت للتوّ بـ”الزلحفة” السماوية اللون، موديل ١٩٦٩، التي كانت تحمل الرقم “سوريا ٤٠١٧٤”.
هرع أبو عاطف بسترته الكحلية وقميصه الأبيض، وعقاله الأبيض باسماً باتجاه السيارة، ودعانا إلى النزول لشرب المرطبات(؟)، لكن الوالد اعتذر لكونه في طريقه إلى دمشق في نهاية إجازته.
وأذكر تماماً ما قاله لوالدتي يومها:
“هذا أبو عاطف نجيب، عديل حافظ الأسد، وزوج فاطمة بنت أحمد مخلوف، شخص آدمي جداً وأخلاقه عالية.”
ولن أنسى سكاكين الدخان الصغيرة التي أهداها لوالدي يومها، والذي أي والدي أصرّ على الدخان العربي من أرض والده حتى العام ١٩٧٧، حيث تحوّل إلى المارلبورو الأحمر.
أعود بالذاكرة إلى نهاية التسعينيات، ولمن يذكر، فقد انتشر على نطاق واسع في دمشق لغوٌ كثير عن حملةٍ محمومة لشراء كثير من الأراضي الحدودية، يقوم بها مغتربون سوريون. ثم قيل إن هؤلاء المغتربين ما هم إلا واجهة لمنظات يهودية وإسرائيلية تقوم بشراء الأراضي الحدودية في درعا والقنيطرة. وبالتزامن، خرجت روايات تفيد بأن وليد جنبلاط متورط بالموضوع. وتزامنت هذه الأحاديث مع فضيحة كبيرة عن شراء اللواء بشير النجار لمئات، وربما آلاف، الدونمات في الشريط الحدودي مع الجولان المحتل.
كشفت شعبة المخابرات العسكرية الأمر، ووضعت يدها على أدق تفاصيله، ثم اتخذت إجراءات حاسمة لمنع بيع أي عقار حدودي إلا بموافقة وزارة الدفاع وشعبة المخابرات العسكرية. وفي الوقت ذاته، تم تفعيل الدائرة المختصة في مديرية الأحوال المدنية التابعة لوزارة الداخلية، ومُنحت صلاحيات واسعة.
كانت هذه المقدمة ضرورية لوضع ما اقترفه عاطف في درعا في خانته الصحيحة، بعيداً عن التهويل والفبركة.
كنت في مقهى “موكا أند مور” في دمشق عندما سمعت أن بشار قد عيّن فيصل كلثوم محافظاً، وعاطف نجيب (الصورة) رئيساً لفرع الأمن السياسي في درعا، وكان تعليقي الفوري: “ستقوم درعا قريباً”.
تنحصر ارتكابات عاطف نجيب في درعا بما يلي:
1- القبض على حفر الآبار غير النظامية، مع تعطيل موافقات حفر الآبار الصادرة عن المحافظ فيصل كلثوم، والتي كانت مدفوعة الثمن أيضاً.
2- شلّ دور محافظة درعا حتى على كافة المستويات، وتقسيم المحافظة إلى قطبين، وتعطيل العمل الحكومي.
3- الإمساك بملف الأراضي الحدودية، وفرض مبالغ هائلة على كل عملية تنازل، حتى لو كانت المعاملة توريثاً من أصل إلى فرع أو فروع (أب أو أم لأولاد).
4- مصادرة كثير من شاحنات النقل الكبيرة، وعدم تسليمها إلا بعد دفع مبالغ كبيرة، وحرمان أصحابها من مصادر رزقهم لفترات ليست قصيرة.
أما ما تناقلته الروايات، إثر انتقال الاحتجاجات من دمشق إلى درعا، عن اعتقال طلاب وقلع أظافرهم، فكان موقفي على النحو التالي:
لم أستطع نفي الرواية ولا إثباتها، لكنني قلت لنفسي: من الممكن أن يعتقل التلاميذ، لكن من المستحيل أن يقلع أظافرهم. ليس لأنه عاقل أو يدرك فداحة الفعل، بل ببساطة لثقتي العميقة بمدى جبنه وخوفه من أن يضرب كفاً، أو يجرؤ حتى على الصراخ في وجه أحد. لكنه، بالمقابل، كان مستفزاً إلى أبعد الحدود، وثقيلاً في حضوره، مع كمية هائلة من الجهل وسماكة المخ.
الآن، وبعد أن ظهرت كذبة قلع الأظافر، وثبت اعتقال التلاميذ في الأمن العسكري، يمكنني القول إن هذا يتوافق مع ما عرفته عن عاطف خلال مسيرته من ملازم إلى عميد. وقد تيقنت حتى من صحة ما سمعته حينها، أنه اتصل بحافظ مخلوف (المجرم المسخ). فقد قيل لي إن عاطفاً اتصل بحافظ مخلوف وقال له: “أرسل طيراناً، لقد هجموا علينا”. وكلنا شاهدنا الحوامة في نشرات الأخبار.
بعدها أُقيل عاطف، وأُقيل فيصل كلثوم، وذلك خلال أقل من شهر من بدء الاحتجاجات في درعا.
من هنا، يمكنني القول إن من يريد أن ينبش ملفات فساد عاطف نجيب خلال خدمته سيحصل على عدد هائل من التجاوزات والتعديات والأموال المحصلة. أما في قضية دماء درعا، فلا أعتقد أن شيئاً سيطاله. وهذا ما يفسر، برأيي، سبب تضخيم اعتقاله وعرضه على الإعلام من قبل هذه السلطة، التي لا تنفك تلعب بعواطف الناس وتؤجج مشاعرهم، لصرف النظر عن فشلها من جهة، وعما تفعله خلف الكواليس بعيداً عن أعين الناس من جهة أخرى.